نابليون يدخل القاهرة، والمماليك يهربون!

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 28
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    28
    Shares

وقف الجنرال نابليون بونابرت بجنوده أمام الأهرام قبل الأشتباك مع قوات المماليك، ونظر لها طويلا فبدأ المحيطون به في الحديث فقال لهم: “انظروا!.. ان اربعين قرنا من الزمان تطل عليكم الأن..”، ياترى ازاي اتعامل نابليون مع الحضارة المصرية القديمة؟.. وايه كانت الصعوبات اللي قابلت الحملة قبل دخول القاهرة وهروب المماليك؟.. دا موضوع تدوينة اليوم.. خليكو معانا..

2016-636066857056846305-684

بعد استيلاء قوات نابليون على الأسكندرية في 3 يوليو، وبعد ما اتقابل مع الأعيان وعلى رأسهم السيد محمد كريم حاكم اسكندرية واللي اقر باستمراره في منصبه، كان رأيه انه يكمل الزحف للقاهرة بمنتهى السرعة لمنع المماليك من اتخاذ احتياطاتهم. فأرسل قوات اضافية شرقا استولت على ابوقير ورشيد في 5، 6 يوليو وأرسل الجنرال برويس قائد الأسطول بالقطع البحرية الثقيلة للرسو في خليج ابوقير، والقطع البحرية الخفيفة (12 سفينة) تدخل النيل من فرع رشيد وتقابل الجيش (المشاة) قرب القاهرة. وتحرك بالقوات من الأسكندرية في 7 يوليو وترك الجنرال كليبر (اللي كان مصاب بطلق ناري في معركة الأسكندرية) قومندان عام للثغر ومحيطه والجنرال مينو حاكم لرشيد، وأعطاهم تعليمات بتحصين قلاع اسكندرية ورشيد وانشاء قلاع جديدة خوفا من الأنجليز وحسن معاملة المصريين ومنع الجنود من النهب والأشتباك مع العامة وضرورة احترام الشعائر والمقدسات وعدم التعرض للنساء ووضع عقاب صارم (يصل للأعدام) لكل من يخالف تعليماته!.. وأوصى بحسن معاملة السيد محمد كريم والإستفادة من مكانته كوسيلة للتقرب من الأهالي. وحقا كانت مهمة كليبر في الأسكندرية صعبة لأن حالة الحرب جعلت البلاد في حالة احتقان دائم مما أضعف الحركة التجارية في الأسواق من بيع وشراء الى جانب حركة السفن من والى الميناء فعمّ الكساد وضعف الرزق واشتد الضيق بالأهالى على الجنود الفرنسيين اللي كانوا مأمورين بحسن معاملتهم!..

French Army movement till Cairo 1798.jpg

تحركت القوات الفرنسية ناحية دمنهور بقيادة الجنرال دوموي Dumuy ولاقت مقاومة شديدة من اهالي كفر الدوار والرحمانية وأخفى الأهالي كل مالديهم من حيوانات (جمال وحمير وبغال) لكي لا يستولى عليها الفرنسيين، بيقول الجنرال دوموي في مراسلاته لنابليون:

«.. بلغت بنا الحال انه في يوم تحرك الفرقة اختفت الجمال من كل الأنحاء وعادت للظهور مرة اخرى بعد مسيرنا، مما يدل على وجود تواطؤ بين الأهالي وأصحاب الإبل.. » – (تقرير دوموي 21 يوليو 1798)

2013-635030112384617286-461_resized.jpg

وفي دمنهور هاجمت القوات الفرنسية كتائب الأعراب وقتلت منهم عدد كبير فاضطرت كتائب الجنرال دوموي اخلاء دمنهور والعودة للأسكندرية، في حين شعرت كتائب الجنرال دوجا Dugua الزاحفة من رشيد للرحمانية بالضجر لارتفاع درجة الحرارة وصعوبة السير في اجواء صحراوية فأجهدهم الأعياء فشعروا بخيبة أمل من مغامرات في بلاد كانوا يظنونها من أغنى بلاد الدنيا (!!) بعد معاركهم في سهل لومبارديا الغني الخصب، فضعفت الروح العسكرية والشعور بالواجب وتراخى الضباط في كبح جماح الجنود في نهب وسلب بيوت الفلاحين باحثين عن طعام وشراب. ووصلت القوات للرحمانية في 12 يوليو والتقت مع كتائب اخرى واستكملوا الزحف في طريقهم للقاهرة، وفي شبراخيت تلاقى الفرنسيين مع جيش مؤلف من 12 الف مقاتل (3 الاف من الفرسان، و2000 من فرسان الأعراب و7 الاف من الفلاحين وخدم البكوات مسلحين بالعصى و النبابيت) صباح يوم 13 يوليو، وكان اسطول الفرنسيين في النيل تلاقى مع اسطول مراد بك والمكون من 12 سفينة تحمل المقاتلين والعتاد، وتبادلا اطلاق النيران وهاجم الأهالي سفن الفرنسيين من جانبي النهر وغرقت 5 سفن فرنسية واستولى الأهالي على سفينتين منها وجرح الأميرال بيريه Perrée في ذراعه، وكان موقف الفرنسيين صعبا لولا احكام الرمي من مدفعية السفن الفرنسية اللي اصابت سفينة تحمل البارود والذخيرة في اسطول مراد بك فانفجرت في الحال ودمرت ماحولها من سفن بمن عليهم!.. وعندها تم انزال الجنود الفرنسيين للبر ومطاردة فلول جيش مراد بك واستمر القتال لأكثر من ثلاث ساعات حتى وصول نابليون وجنوده فأعملوا القتل في جنود مراد بك اللي فر هو ومن معه الى القاهرة، ويقول أحد الضباط في مذكراته: “لو كان جيش المماليك متدربا على وسائل القتال الحديثة ويقوده ضباط متعلمون لأمكنهم أن يهزموننا أو على الأقل أجبرونا الى التراجع الى الأسكندرية..”

465f412ec18ed14de1a26205f2b1716f.jpg

واستكملت الحملة طريقها ومرت على شابور (14 يوليو) وكوم شريك (15 يوليو) وعلقام (16 يوليو) والطرانة وابو نشابة (17 يوليو) ووردان (18 يوليو) وأم دينار (19 يوليو)، وكانت المناوشة من الأهالي وفرسان الأعراب لا تنقطع طوال الطريق يستفردون بمن يتخلف عن الجيش لتعب أو اعياء، فأمر نابليون قواته بعدم الإبتعاد عن فرقهم في حين اضطر الأهالي لإخلاء عدد كبير من القرى والاتجاه غربا نحو المنوفية والغربية والدقهلية خوفا من جنود الفرنسيين اللي كانت بتهاجمهم فكانت الجنود تدخل منازل القرى الخاوية بحثا عن طعام او شراب ولا يجدوا فيزيد مالديهم من حنق وسخط على الحملة!.. وبعد وصول الحملة الى أم دينار (الجيزة) أمر نابليون بإستراحة يومين تأهبا لمعركة فاصلة.

louis-franc3a7ois-lejeune-battle-of-the-pyramids.jpg

أدرك المماليك حرج موقفهم بعد وصول انباء هزيمة شبراخيت الى القاهرة، وبيحكي الجبرتي انهم أخذوا ينقلون ممتلكاتهم ونفائسهم من قصورهم المعروفة الى بيوت صغيرة في أماكن مهجورة لا يعلمها احد وارسلوا بعضها للأقاليم، في حين اجتمع عدد من اهالي وزعماء الشعب في القاهرة لبحث امر الدفاع عن بلادهم ضد الفرنسيين فنودي بالنفير العام يوم 17 يوليو فخرج شباب القاهرة يضعون المتاريس بكل الشوارع واغلقوا الدكاكين وتحصن البعض في بولاق وبركة الفيل وجمع ارباب الصناعة والتجارة المال من بعضهم وتجهزوا بالسلاح والزاد تحسبا لحصار طويل، ولكن مع الأسف كانت السنوات الطوال التي قضتها البلاد تحت الحكم العثماني حائلا دون استكمال احكام الأهالي الدفاع عن مدينتهم، فكانت ابراج الأسوار معظمها خربة ومتهالكة ولا تقوى على صد العدوان في حين كانت الأسوار نفسها بحالة عتيقة لا تقوى أمام مدفعية الفرنسيين، وهذا طبعا ذنب المماليك الذين قضوا السنين الطوال في نهب الشعب وهم يتخبطون في الجهل والغباوة تاركين القلاع والحصون التي انشأها اسلافهم من السلاطين بلا ترميم ولا تحصين بل وخلت من مدافع صالحة للضرب، حتى قلعة الجبل تحولت الى سكن للوالي ولم تعد تصلح للدفاع عن المدينة فسقطت في يد الفرنسيين بسهولة!.. وبيحكي الجبرتي كمان متهكما على جهل وغرور المماليك ان مراد بك لما سمع باستيلاء الفرنسيين على الأسكندرية أمر بعمل سلسلة حديد ضخمة لتركب على مدخل بوغاز رشيد لمنع الفرنسيين من التقدم والمضي نحو القاهرة، وأمر بإقامة مدفعين يمين وشمال السلسلة لحمايتها من المناوشين (!!) ورغم قلة دراية الجبرتي بالشئون العسكرية ألا انه وصف الفكرة بأنها غاية في الجهل وسخر من سلسلة مراد بك واللي طارت طبعا مع أول طلقة مدفع من سفن الفرنسيين وطبعا هربوا من حولها ودخلت مراكب الفرنسيين فرع رشيد بسهولة.

last1.690753

وكالعادة بينسى المماليك مابينهم من التنافس والتناحر في وقت الشدة، فاتحدت قوات مراد بك (زعيم المماليك) وابراهيم بك (شيخ البلد والمنافس له في السلطة) واتفقا على ان يتولى مراد بك أمر الشاطئ الشرقي من النيل فأقام متاريس من امبابة الى بشتيل، ويترك الغرب بما فيه لأبراهيم بك وجنوده فأقاموا متاريس من بولاق لشبرا، فصار جانبي النيل مملوئين بالمقاتلة والمتاريس، ورغم كدا بيوصفهم الجبرتي بأنهم كانوا: “أجنادا متنافرة قلوبهم منحلة عزائمهم مختلفة أراؤهم حريصون على الحياة، مختالون في ريشهم مغترون بجمعهم مرتبكون في رؤيتهم وهذا كله من اسباب ما وقع من خذلانهم وهزيمتهم..”.

معركة امبابة 1798

وفي صبيحة يوم 21 يوليو تحركت فرق الجيش الفرنسي من ام دينار الى وراق الحضر وبشتيل فكانت الأهرام على يمينهم والنيل على يسارهم وأمامهم قرية أمبابة وفيها جموع المقاتلة من جيش مراد بك نحو 20 ألف تحميهم مدافع ومتاريس وفرسان من العربان، فنظر نابليون من مكان عال لجنود مراد بك واطمأن أن تحصيناتهم لم تكن قوية بالكفاية وأغلب مدافعهم مثبتة يسهل تفادي طلقاتها، ولكنه أراد ان يبعث الحماس في جيشه فقال لهم: «تقدموا أيها الجنود واعلموا ان اربعين قرنا من الزمان تطل عليكم من فوق قمم هذه الأهرام» ، ففعلت الكلمات مفعول السحر في الجنود فنسوا مابهم من تعب واحباط وساروا نحو القتال. وتحرك الجنود الفرنسيين بعيدا عن مرمى نيران مدافع مراد بك، وضربوا قلب جيشه بنيران مدفعيتهم بشدة فاضطربت أمورهم وترجعوا ناحية النيل فتقدم الفرنسيين واستولوا على امبابة، ووجد مراد بك نفسه محاطا بقوات الجيش الفرنسي المتقدمة فلجأ الى فتح ثغرة بينهم ليهرب هو ومن معه، ولكن نيران الفرنسيين الشديدة دفعتهم للتراجع الى الخلف فمات منهم خلقا كثيرا، وارتد مراد بك الى امبابة وتركها لأهلها وهرب جنوبا. بلغت خسائر جيش مراد بك نحو الفي قتيل من المماليك ونحو 5 الاف من المصريين بين قتيل وجريح، في حين كانت خسائر الفرنسيين 300 قتيل (طبقا لمذكرات نابليون واللي املاها في منفاه بسانت هيلانة) وعرفت المعركة في المراجع الفرنسية باسم “معركة الأهرام”، في حين يسميها الجبرتي بـ”موقعة امبابة”. بعدها سار نابليون لقصر مراد بك وترسانته في الجيزة واتخذهما معسكرا، وسارت فرقة جنود اخرى واحتلت جزيرة الروضة، وسار الجنرال ديبوي (اللي بعد كدا هايبقا حاكم القاهرة الفرنسي) مساء يوم 22 يوليو لدخول القاهرة واحتلالها تمهيدا لدخول نابليون، فلم يلق بها مقاومة تذكر، واتصل بالسلطات العثمانية واتفق على تسليم المدينة، وعسكر بجنوده ليلا في قصر ابراهيم بك ليدخل نابليون القاهرة بجنوده عصر يوم 23 يوليو فتصبح العاصمة في قبضة المحتل الفرنسي.

في هذه الأثناء انسحب مراد بك وهرب ومن معه جنوبا نحو الصعيد بعد اشعال النار في اكثر من 25 قايق (قارب متوسط الحجم و7 غلايين (جمع غليون وهي سفينة حربية) كي لا يغنمها الفرنسيين، في حين هرب ابراهيم بك وعدد كبير من فلول مماليكه غربا الى بلبيس ومنها الى الشام حاملين ما استطاعوا من الأموال والتحف والمنقولات الثمينة، وتركوا المصريين في مواجهة عسكر نابليون، فحل عليهم الخوف من لقاء عسكر الفرنسيين، خاصة بعد رؤيتهم للهيب نيران مراكب المماليك اللي أحرقوها فظنوا ان الفرنسيين قد احرقوا أمبابة بسكانها، فهرب عدد منهم الى الأقاليم مصطحبين نسائهم واطفالهم وما استطاعوا حمله من منقولاتهم، بيوصف الجبرتي ليلة 22 يوليو بيقول:

«كانت ليلة وصباحيتها في غاية الشناعة، جرى فيها مالم يتفق مثله في مصر ولا سمعنا بما شابه البعض في تواريخ المتقدمين، استمر معظم الناس طوال الليل خارجين من مصر (القاهرة) البعض بحريمه والبعض ينجو بنفسه ولا يسأل أحداً عن أحدٍ بل كل مشغول بنفسه عن ابنه وأبيه، يضجون بالعويل والنحيب، ويبتهلون الى الله من شر اليوم العصيب، والنساء يصرخن من فوق البيوت، فخرج رهط غير قليل من اهل مصر الى بلاد الصعيد والبعض لبلاد الشرق وهم الأكثر، وأقام بمصر كل مخاطر بنفسه ومن لا يقدر على الحركة أولا يملك قيمة ماينفقه على حمل عياله الى الغُربة مستسلما للقضاء والمقدور ولله عاقبة الأمور.. »

kaire.jpg

وزي ما أعطى نابليون الأمان لأهل الأسكندرية فأعطى الأمان لأهل القاهرة (أو المتبقين منهم) وبدأ يرتب للقاء زعماء الشعب عشان يرتب مستقبل الحكم في مصر هايمشي ازاي تمهيدا لأقامة طويلة في مصر، فيتمكن من انشاء القاعدة العسكرية اللي هوا عايزها عشان يوجه منها الضربات لأنجلترا في الهند، ودا موضوع عدد من التدوينات اللي جاية ان شاء الله فتابعونا..

Old-Cairo-Map

برجاء مشاركة التدوينة مع اصدقائك للفائدة، وماتنساش تقييم المقال بأعلى الصفحة لأن رأيك يهمنا، وماتبخلش علينا بمتابعة المدونة وحساباتنا على مواقع التواصل المختلفة ليصلك كل جديد.. وشكرا

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر ج1، دار المعارف 1987
  • عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار ج1-2 ، دار الكتب المصرية 1998

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 28
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    28
    Shares
  •  
    28
    Shares
  • 28
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

3 thoughts on “نابليون يدخل القاهرة، والمماليك يهربون!

شاركنا برأيك فيما قرأت!..