من مهمل تاريخ العسكرية المصرية: معركة اضنة

حكايات من خارج مصر مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 20
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    20
    Shares

الصراع المملوكي العثماني هو صراع طويل على الزعامة في المنطقة ورغبة في الأستحواذ على مصادر الثروة المتمثلة في طريق تجارة الحرير والتوابل من الشرق للغرب، بالإضافة الى زعامة العالم الأسلامي والسيطرة على مقدساته في مكة والمدينة وخلافته الأسمية القابعة في القاهرة.. النهاردا هانتكلم عن فاصل مهم في بداية الصراع وازاي انتصر المماليك على العثمانيين انتصارات ساحقة في معركة اضنة وسلسلة معارك هامة أمدت في عمر دولتهم لفترة من الزمن.. خليكو معانا..

سلطان مصر يستفز “الباب العالي”

فرغ العثمانيون من حرب البيزنطيين في 1453م واستولوا على مدينتهم القسطنطينية، وثبتوا لأركان دولتهم في اسيا الصغرى وصاروا على مشارف اوروبا. ويتولى السلطان بايزيد الثاني بن محمد في 1481م ويبدأ في النظر نحو الشرق ليجد دولة المماليك في مصر والشام تسيطر على طرق التجارة وتعقد المعاهدات التجارية مع اوروبا والهند وشرق اسيا، ولكن كانت هناك عدة امارات تركمانية تشكِّل حاجزا طبيعيا بين أملاك العثمانيين والمماليك، وكان ولاء تلك الامارات متذبذبا بين الدولتين طبقا لميزان القوى المطروح. وفي الوقت نفسه دخل السلطان بايزيد في صراع مع شقيقه جِمْ سلطان المطالب بأحقيته في العرش، والذي لجأ لمصر طالبا الحماية والدعم، ورغم ان سلطان مصر الأشرف قايتباي رحب به ومنحه الأمان ووفر له سبيلا لأداء مناسك الحج والعمرة لكنه رفض منحه دعما عسكريا ضد أخيه، ولكن على ايه حال فقد اعتبرها السلطان بايزيد اعلان من مصر للعداء لدولته، وطالب السلطان قايتباي رسميا بتسليمه شقيقه المارق ومن هنا بدأ الصراع!..

معركة أضنة

المماليك يسيطرون على جنوب الأناضول

في صيف عام 1485م ارسل بايزيد جيشا من الباشبوزق مدعوما بوحدات من الأسطول بقيادة أمير كرامان محمد باشا كركوز ونجح في الأستيلاء على مدينة كليكيا Kilikya على اطراف حدود الشام الشمالية وتعتبر مدينة حدودية في دولة المماليك، فأرسل الأمير أزدُمُر نائب السلطان في حلب باستغاثة للسلطان قايتباي في القاهرة، فأرسل الأخير حملة عسكرية بقيادة الأمير سيف الدين أزبك، فلما علم السلطان بايزيد فأرسل أحمد باشا الهرسِكلي على رأس قوة كبيرة من الانكشارية من اسطنبول، والتقي الجمعان في فبراير 1486م جنوب مدينة أضنة التركية، وحمل المماليك على اعداءهم حملا شديدا مما اضطرهم الى التراجع الى بقواتهم مسافة كبيرة وتوقف القتال. وفي مارس من العام نفسه التحم الجيشان مرة اخرى في معركة كبيرة تشتت شمل الأنكشارية بها للمرة الثانية، وهرب محمد باشا كركوز من ساحة القتال بعد ان نجح المماليك في أسر عدد كبير من الجنود منهم أحمد باشا الهرسكلي قائد الأنكشارية نفسه، وسيطر المماليك على كليكيا من جديد. وأُرسل الأسرى مع رؤوس كبار القواد الأتراك الى القاهرة ليطاف بهم في شوارعها ايديهم موثقة بالحبال وصناجقهم منكسة، وكان أحمد باشا هرسك يرسف في اغلاله ويحمل طوقا حديديا ثقيلا في رقبته، قابله السلطان قايتباي ووبخه للأعتداء على اطراف الدولة طبقا لرواية ابن اياس، وأمر بإقامة الأفراح والزينات في قلعة الجبل.

vvvvvv.jpg

تجدد الأشتباكات

وفي يونيو 1486م وردت انباء جديدة للقاهرة بأن سلطان الأتراك ارسل جيشا جديدا من الأنكشارية جنوب الأناضول وخرج عسكر المماليك من حلب ودمشق وحماة للقائه، وكان الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم داوود باشا ولكن قابلته في الطريق عدة مشاكل متعلقة بتمرد بعض المدن على حكم العثمانيين، فانشغل الصدر الأعظم بقمع ثوراتهم ولم يلتقي جيوش المماليك المتأهبة شمال الشام، فأبدى قايتباي ارتياحه لهذه الأنباء وأمر في ابريل 1488م بإطلاق سراح أحمد باشا الهرسكلي وبعض قواد الأتراك الأسرى وارسلهم للقسطنطينية كخطوة في السعي نحو السلام، ولكن السلطان بايزيد رفض ذلك وأمر بتجريد جيش كبير قرابة 60 الف مقاتل أسند قيادته الى علي باشا حاكم روميلي، ونزل الى جنوب أضنة مدعوما بوحدات من الأسطول تزود القوات بمزيد من العتاد والرجال. في هذا الوقت خرج الأمير سيف الدين أزبك على رأس جيش كبير من القاهرة يصفه ابن اياس في حوادث سنة 893هـ بأن..

“.. من يراه يظن انه لاوجود للعسكر في البلاد، فأرسل السلطان سريّة من الفرسان تجوب الشوارع على ظهور الخيل شاهرة اسلحتها يومي الأحد والأربعاء من كل اسبوع كي لا يعيث المفسدون بالأرض فسادا..”

انتصار المماليك من جديد

وخرجت بعض وحدات من البحرية العثمانية قبالة الأسكندرية لأعتراض الاسطول المصري مظنة انها تحمل الجيش، ولكن الجيش قد اختار الطريق البري لا البحري، في حين كان الجيش العثماني قد نجح في التقدم حتى كليكيا ولكن بعض العواصف القوية تمكنت من تحطيم بعض وحدات الأسطول العثماني عند (باب الملك) فانقطع المدد من البحر فدخل المماليك الى كليكيا مرة اخرى بسهولة وملكوها بعد انسحاب العثمانيين منها الى أغا سايري Ağaçayırı جنوب أضنة في اغسطس 1488م ورغم التقدم العددي للعثمانيين لكن كان الجيش المملوكي يمتلك سلاح فرسان قوي استطاع بسهولة تمزيق ميمنة الجيش العثماني، ففر عدد كبير منهم أمام ضربات المماليك وانكشف قلب الجيش فحاوطه فرسان المماليك وأعملوا السيف في كثير من جنوده، وجاءت الأوامر بالأنسحاب الى كرمان أوغلو فانسحبوا بدون نظام فسقط منهم مزيدا من القتلى، في الوقت نفسه فرض المماليك حصارا قويا على بقية الجيش العثماني المحتمي بمدينة أضنة لتسقط في ايديهم بعد ثلاثة اشهر بعد استسلام قياداته وفرار بعضهم طالبا اللجوء لمصر فأكرمهم السلطان قايتباي ومنحهم الأمان ورواتب شهرية جزيلة، وبذلك نجح المماليك في تأمين حدودهم الشمالية وبالتالي دخلت امارة ذو القدر التركمانية في حماية سلطان المماليك بعد أن ابدى أميرها علاء الدولة فروض الولاء للسلطان قايتباي فعاد الخط العازل من جديد بين العثمانيين والمماليك.

ottoman1-655x330

ترسيم الحدود بين المماليك والعثمانيين

وفي 1490م شن المماليك هجوما جديدا على امارة كرمان أوغلو وفرضوا حصارا على قيسارية فأرسل العثمانيون حملة بقيادة أحمد باشا الهرسكلي والذي سبق واسره المماليك من قبل، ونجح في اقناع المماليك بفك الحصار والعودة الى اضنة والدخول في محادثات سلام عند ممر جوليك Gülek في جبال طوروس، اسفرت عن الأتفاق على اعادة ترسيم الحدود من جديد بين الدولتين، ودأ أحد مكاسب معركة اضنة. واقع الأمر ان العثمانيين ارادوا سرعة انهاء الصراع مع المماليك والقبول بالسلام لقلقهم مما وصفوه بـ”حملة صليبية” محتملة تشنها ضدهم بعض دول شرق اوروبا طبقا لرواية بعض المؤرخين الأتراك. ايا كان فإن عودة الإمارات التركمانية كمنطقة عازلة عملت على منح المنطقة مزيدا من السلام لفترة وقد مدت تلك الأحداث في عمر دولة المماليك لفترة اخرى من الزمن، عانت خلالها معاناة شديدة من ضربات البرتغاليين المتلاحقة في البحر الأحمر وبحر العرب للسيطرة على طرق الملاحة (للمزيد طالع هنا) مما عمل على اضعافها اقتصاديا و عسكريا حتى انهيارها أمام جيوش السلطان سليم الأول في مرج دابق عام 1516م ودخول مصر والشام والحجاز في تبعية الدولة العثمانية لأكثر من ثلاثة قرون من الزمان.

Ottoman army

والمتأمل لتلك المعارك من الصراع المملوكي العثماني يرى ان العثمانيين حقا كانت لهم الغلبة العسكرية في البر والبحر، ألا ان عدم وجود القيادة الحكيمة لجيوشهم كانت سببا اساسيا في اضعافها اثناء القتال، في حين امتاز جيش المماليك بسلاح الفرسان القوي والذي كان درة تاجه في كثير من المعارك في حين اعتمد العثمانيون على جيش تقليدي تشكيله الأساسي من الباشبوزق مع وحدات من الأنكشارية وسلاح فرسان متواضع، بالإضافة الى تحطم كثير من وحدات الأسطول العثماني جنوب الأناضول ادى الى ضعف الأمدادات للجيش في معاركه البرية. كذلك كانت قيادة بايزيد الثاني للجنود من قصره باسطنبول سياسة خاطئة لأن الأنباء والردود كانت تصل متأخرة  بصورة لا تواكب سير المعارك، في حين كانت قيادة الجيش المملوكي بالكامل في يد أميره سيف الدين أزبك والذي منحه السلطان قايتباي صلاحيات اتخاذ القرارات في المعركة.

Истанбул4-1024x681.jpg

وقد واكبت تلك الأحداث فاجعة سقوط غرناطة في يد الأسبان عام 1492م (للمزيد طالع هنا) ووجدت تعاطفا قويا من سلاطين مصر وتركيا ولكن هذا التعاطف لم يبلغ حيزا من التنفيذ لخوف كلا من الملكين من بعضهما البعض، وعلى الرغم من المساعي الدبلوماسية الحثيثة التي قام بها الأشرف قايتباي لدى بعض ملوك اروربا منهم الملك فيردناند ملك اسبانيا نفسه، والأسطول العثماني المتواضع الذي ارسله بايزيد لمنطقة غرب المتوسط بقيادة الريس كمال، فقد سقطت الاندلس في النهاية وتم طرد العرب منها وتولى الأسبان التعامل بسياسة لا تخلو من القمع مع من بقي منهم في اسبانيا.

ما بعد سقوط الأندلس

مراجع:

  • ابن اياس الحنفي، بدائع الزهور ج4، الهيئة العامة للكتاب 2007
  • Caroline Finkel, Osman’s Dream:The Story of the Ottoman Empire 1300–1923. London 2006
  • Mesut Uyar, A Military History of the Ottomans: From Osman to Atatürk. S. Barbara, CA 2009

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 20
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    20
    Shares
  •  
    20
    Shares
  • 20
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

3 thoughts on “من مهمل تاريخ العسكرية المصرية: معركة اضنة

شاركنا برأيك عما قرأت!..