كيف كانت الدعوة الفاطمية في مصر؟

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    2
    Shares

نشأت الدعوة الشيعية بشكل عام في مناخ يكتنفه التناحر السياسي، فحاربهم الأمويون لأغراض سياسية بالكيان الأول اينما ذهبوا ومن بعدهم العباسيون في كل مكان، وكان هذا ادعى لهم الى كتمان الدعوة لعقيدتهم بين الناس اينما ذهبوا. وحينما نحجوا في تكوين دولة لهم في الشمال الأفريقي البعيد عن دولة الخلافة السنة في بغداد فلم يدفعهم هذا الى الجهر بدعوتهم يوما!.. فخرجت مصر من الحكم الفاطمي الشيعي الأسماعيلي دون ان تتحول عقيدة شعبها.. كيف نشر الفاطميون دعوتهم في البلاد التي وقعت تحت سيطرتهم؟.. وكيف تعامل الناس مع دعاتهم؟.. وما مدى قبولهم للدعاة والخلفاء من آل المعز؟.. دا موضوع تدوينة اليوم، خليكو معانا..

a81fhzn

نشأت الدولة الفاطمية في بلاد المغرب في ظروف يكتنفها الكثير من الغموض، ولم تتناول اقلام المؤرخين (عن قصد) تلك الأزمان، فنالت منها الدعاية العباسية لأغراضها السياسية منالا كبيرا!.. فطعنت في نسب الخلفاء لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تعامل الخلفاء مع هذا الأمر بمرونة شديدة لاتخلو من الشدة أحيانا (للمزيد طالع هنا).. الى جانب انهم صبغوا انفسهم امام الناس بطبيعة خارقة غير طبيعية فأدعوا معرفة الغيب، فكان المعز لدين الله ميالا لقراءة الطالع واستطلاع النجوم، ودرس الحاكم بأمر الله الفلك والطالع والسحر الأسود (!!) كما أصبغوا اجتماعات الدعاة بالخليفة هالة من السرية والقداسة لاينبغي ان تكون لدعوة دينية.. كما انتشر الدعاة الشباب بين الناس بصورة خفية نظرا لعدم قبول الناس للمذهب الجديد وتهكمهم على اصحابه ورفضهم مجالس دعاته في عز تمكين السلطة للدولة الفاطمية في مصر والشام. ولم يهتم الفاطميون في بادئ الأمر لنشر دعوتهم بالقوة، واظهروا كثيرا من السماحة مع اهل الكتاب لم يعهدوها من المسلمين من قبل، وهذا دعى اغلب المؤرخين الى القول بأن غرض الدعوة الفاطمية كان سياسيا أكثر منه دينيا، فلو كان الأمر مستتب للخليفة في البلاد، فما الداعي لأثارة الناس باعتناقهم مذهبا لا يميلون اليه؟..

screenshot-182

وقد نشر الفاطميون بعض القصص الغريبة بين الناس بغرض اصباغ المزيد من هالة القداسة حول خلفاءهم، فيروي ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة، ان المعز لدين الله كان يستقرئ النجوم كعادته فوقف على قطع بقتضي اختفاءه عن وجه الأرض حولا كاملا!.. فاستخلف ولده العزيز على العرش واختفى تحت الأرض في سرداب عميق صنعه بنفسه ولبث فيه عاما كامل. وكان المغاربة وهم اولياء الدعوة الفاطمية الأوائل اذا رأوا غماما سائرا ترجلوا عن خيولهم الى الأرض وأومأوا بالسلام وأشاروا انه المعز يطالع حال الرعية من مخبأه (!!) وحين عاد المعز من مختبأه أخبر الناس بأحداث قد حدثت في زمن اختفاءه وادعى انه كان مطلعا عليها اطلاعا كاملا، فيزيد من سياج الرهبة والخشوع لشخصه..

_44208_a3

ولكن مثل هذه الأمور لم تشغل بال الرعية من العوام، وكانت مثار سخرية المصريين وتندرهم في كثير من الأوقات، فيُروَى عن الحاكم بأمر الله انه أثناء احدى جولاته الليلية الشهيرة طالع رقعة (صحيفة) معلقة على احد حوائط احدى الحارات مكتوب عليها..

بالظُّـلمِ والجُــورِ قَـد رَضِينـَــا

***

ولَيـسَ بِالكُفـــرِ والحــمَاقة

إِن كٌنتَ قَد أُعطِيتَ عِلمَ الغَيبِ

***

فَقــل لنَا مَـن كَتَـب البِطَاقَة

فستشاط الحاكم غضبا وأمر بالقبض على كل سكان الحارة وضرب رقابهم..!! (للمزيد طالع هنا)

2-1

وكانت اجتماعات الدعوة تمارس في القصر وأحيانا في الجامع الأزهر تحت اشراف الخليفة وقاضي القضاة وداعي الدعاة، وهي ما اطلق عليها اسم (مجالس الحكمة) وكانوا يشيعون ان الحكمة تنزل من السماء على اهل المجلس حال اجتماعهم ليصبغوا اجتماعاتهم بمزيد من القداسة. وواقع الأمر ان مجالس الحكمة كانت في تلك العصور مزيج من التعاليم الدينية المذهبية والفلسفة الألحادية، وكانت لدقتها وخطورتها تحاط بسياج من السرية والكتمان وحراسة من الجنود الأشداء، ولاينفذ اليها الا من يسمح له بذلك مهما كان!.. وفي عهد الحاكم بأمر الله تم نقل تلك الأجتماعات الى دار الحكمة وهي المكتبة التي اسسها الحاكم سنة 1015م وأمر بشراء المخطوطات النادرة لها من كل مكان في العالم لينافس بها مكتبات بغداد ودمشق وقرطبة.. ثم دمرها الجنود الأتراك ابان احداث الشدة المستنصرية في 1055م، وأحرق السلطان صلاح الدين البقية الباقية منهم اثر استيلاء سقوط الخلافة الفاطمية في 1171م..

screenshot-172

وفي اواخر عصر الحاكم اتخذت الدعوة الفاطمية شكلا الحاديا بصورة كبيرة، وظهر دعاة اقوياء ومغامرون من نوع اخطر، بيشرون بالحلول الألهي في جسد الحاكم شخصيا ويدعون لألوهيته، ويتسترون بالرموز والمعاني الباطنية. وكان منهم حمزة بن علي الزوزني والحسن الفرغاني واسماعيل الدرزي والذين حاولوا بث تعاليمهم بين المصريين فلم يجدوا اذانا صاغية، بل ثار بهم الناس وفتكوا بهم في جامع عمرو بن العاص حينما تجرأوا وجهروا بدعوتهم في صحنه، فانطلقوا الى الشام حيث وجدوا من يصدقهم ويؤمن بتعاليمهم وهناك نشأت طائفة جديدة سرية لاتزال تنشر تعليمها لليوم، وهم الدروز الموحدون. فقد كان اختفاء الحاكم على النحو المثير للريبة عاملا على اذكاء شغف الخفاء والتطلع لمدارك الغيب واذكاء الدعوات السرية المغرقة في الغرابة والسرِّية حتى زعم احدهم ان الحاكم قد رُفِعَ الى السماء وسيعود الى الأرض يوما لينشر العدل بين الناس!..

druze-3

وبعد عهد المستنصر هبطت ريح الدعوة الفاطمية في مصر على اثر تولي الوزراء السلطة نيابة عن الخلفاء الضعفاء الذين اصبحلوا مالهم من الملك الا الأسم فقط، فنجد انصراف بدر الدين الجمالي ومن بعده ابنه الأفضل شاهنشاه الى التحصينات العسكرية وجمع الضرائب عن الدعوة، ونجد اتجاه الصالح طلائع ابن رزيك الى دعم دعاة الشيعة الأثناعشرية لا الأسماعيلية كخليفته!.. وهذا اضعف الدعوة الفاطمية كثيرا وزادها وهنا على وهنها الى ان تم القضاء عليها تماما بعد وقت وجيز..

16122868_361916270862142_6829820929258815488_n

ومن القصص الغريبة التي انتشرت عن الفاطميين في مصر اسطورة تنصُّر المعز لدين الله الفاطمي عام 975م، وقد تناقل هذا الخبر مؤرخو الكنيسة القبطية، فقد نقل مرقص سميكة باشا مؤسس المتحف القبطي في كتابه (الأثار القبطية) متحدثا عن كنيسة ابي سيفين: «تأسست في القرن 16، ثم هدمت وتجددت في القرن العاشر وبجانبها كنيسة صغيرة بها احجبة من العصر الفاطمي محلاة بنقوش بارزة تمثل القديسين ومعمودية يقال ان الملك المعز لدين الله قد تعمد فيها سرا..»، وقد ردَّ سميكة باشا في جريدة (الأهرام) عددها الصادر في 8 اغسطس 1931 على منتقديه بمقال مطول ذكر فيه انه استاق معلوماته من كتاب الأستاذ ألفريد بتلر عن كنائس مصر The Ancient Coptic churches of Egypt أنه عثر (أي بتلر) على مقبرة لراهب ورد عنه انه قام بتعميد الخليفة المعز لدين الله حينما اعتنق الديانة المسيحية على يده (!!) وقال ايضا انه ورد في كتاب (الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة) لمؤلفه الراهب القبطي ابرهام بن زرعة (السيرياني) ان المعز لدين الله بعد حادثة الجبل قد تنازل عن كرسيه لولده العزيز وتنصر ولبس لبس الرهبان وقبره الى الأن في كنيسة ابي سيفين.. (!!)

Abu Saifain Church.jpg

وواقع الأمر ان حادث جبل المقطم “المزعومة”، طبقا لتأريخ الكنيسة، كان على عهد العزيز بالله وليس المعز (!!) كما انه لا توجد اشارة لا من قريب ولا من بعيد لتلك الواقعة في كتب المؤرخين المسلمين الذين ارخوا بدقة للعهد الفاطمي، وبصورة لاتخلو من الحيادية التي لا تنقص قيمة الفاطميين او تتستر على خباياهم، فقد ذكروا كل الأحداث بحلوها ومرها دون انتقاص ولا زيادة حتى حادثة الجبل فقد أرخوا لها نقلا عن مؤرخي النصارى، وتكاملت رواياتهم الى حد كبير سواء المعاصرين للحدث منهم كابن زولاق او الذين نقلوا عن الأقدمين كالمقريزي وابن تغري بردي وابن اياس وغيرهم، وهذا هو مفهوم الحيادية في تدوين التاريخ. اضافةً الى ان هذه الحادثة (تنصّر المعز) لو كانت حقيقية لما خفيت على العباسيين اعداء الفاطميين في ذلك الزمن ولتناقلوها ونشروها في الأمصار كما نشروا طعنهم في نسب الفاطميين كنوع من الدعاية المضادة لهم في ارضهم ولأضعاف شأنهم واسقاط هيبتهم في أعين العامة، أضف الى ذلك ان تغيير العقيدة الدينية لا يناسب تلك الهالة العظيمة من القداسة التي جاهد الفاطميون على اصباغ خلفائهم بها امام العامة كما اسلفنا القول.

130514_article1_photo1.jpg

فقد انفق المعز عهده القصير في مصر في حروب ومشاغل مستمرة للدفاع عن دولته ودعوته الناشئة، فكيف له ان يتفرغ لما ترميه به الأسطورة الكنسية؟.. ومتي اتيح له ان يعجب بتعاليم المسيحية الى ان ينتهي به الحال الى التنصر؟.. وواقع الأمر ان المعز حين اظهر سماحة للنصارى حينما استعملهم في دواوينه وامر باصلاح وترميم العديد من كنائسهم ووفر لهم الحماية من المسلمين الرافضين لسياسته، فكانت من الامور الغريبة عليهم منذ دخل العرب مصر قبل ثلاثة قرون!.. فشجعهم لأن يتناقلوا اساطير فيما بينهم تبرر ذلك التعاطف وهذا اللين غير المعهود من خليفة المسلمين!..

مراجع:

  • محمد عبد الله عنان – مصر الأسلامية وتاريخ الخطط المصرية – الهيئة العامة للكتاب 1998

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    2
    Shares
  •  
    2
    Shares
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

3 thoughts on “كيف كانت الدعوة الفاطمية في مصر؟

اترك رداً على egyhistory01 إلغاء الرد