رجال الدولة المصرية في عهد اسماعيل: نوبار باشا

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 17
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    19
    Shares

في عهد الخديوي اسماعيل بدأت الدولة في مصر تتخذ شكلها الحديث بين الأمم الذي نعرفه اليوم، دولة لها سيادة على ارضها، وان كانت لها تبعية اسمية للاستانة، لها حكومة ونظار (وزراء) ومجلس نواب (برلمان) ودستور لم يكن له مثيل في حكومات اي دولة من دول المنطقة بما فيها الدولة العليَّة نفسها!.. نتعرف من خلال ثلاثة من رجال الدولة المصرية على حقبة هامة من تاريخ مصر لنرى ماذا كان بها، ونبدأ بأولهم ظهورا.. نوبار باشا، خليكو معانا!!..

بداياته في عهد محمد علي باشا

كان محمد علي باشا، مثل اغلب حكام عصره، “عثماني النزعة”، يرى في العرق التركي كل الصلاحية لتولى مناصب الدولة ولا يمنح ذلك ابدا للمصريين. الذين يرى فيهم انهم “فلاحين” غير مؤهلين للقيادة!.. فبرغم انه كان يتودد الى المصريين ويتملقهم قبل ان يجلس على كرسي السلطة، وايضا كان اول من استعان بالمصريين في الجيش من حكام آل عثمان. ولكن الباشا أبدا لم يفكر في توليه المصريين ايه مناصب حكومية في ولايته. وكان يعهد بذلك للعثمانيين، سواءا كانوا اتراك أم غيره، أو شراذم الأوروبيين الذين جاءوا من بلادهم ليأكلون من فتات مائدته!.. ويكفيه انه حكم مصر اكثر من اربعين عاما ولم يكلف نفسه ان يتعلم اللغة العربية أو يعلمها احد من أولاده، أو يستخدمها في دواوين الحكم التي أنشأها، فكان يستخدم التركية بدلا منها. رغم ان العربية كانت اللغة المحكية في ربوع مصر، ولكنها ليست كذلك في ربوع طبقة الحكام، ولذا، كان اتقان اللغة التركية اول السبيل الى الترقي في مناصب الدولة العليا.

محمد علي باشا يقابل قناصل الدول في رأس التين

في سمرينا (أزمير) ولد نوبار باشا من اصل ارمني عام 1825م وسافر لجينيف (سويسرا) ليتم تعليمه، وزامل الأمير نابليون (الامبراطور نابليون الثالث فيما بعد) وذهب ليشق طريقه عاملا في صفوف الجيش الفرنسي، ولكن خاله بوغوص بك يوسفيان والذي كان من حاشية محمد علي باشا (وصار اول وزير خارجية لمصر) نصحه ان يترك فرنسا ويأتي الى مصر، فهو يجيد التركية والفرنسية والأنجليزية، ولذلك ألحقه بقلم الترجمة عام 1842م ومنها الى حاشية الوالي كمترجم (1844م)، ثم سكرتير لإبراهيم باشا (1848م)، فلازمه فترة قصيرة ومن ثَم اكتسب ثقته وثقة من كل من جاء بعده من اسرة محمد علي. وكما يروي بعض قناصل الدول عن شخصية نوبار باشا، ممن عاصروه وعرفوه عن قرب، انه كان جادا في كلامه وتصرفاته، وايضا كان عزيز النفس ذو كبرياء مما منعه من تملق رؤساؤه وان يرضي نزعاتهم بالرياء، كما كان عازفا عن كل وسائل اللهو والمجون فلا يسهل التملق اليه بشكل شخصي. وهي صفات غالبا ما تنحى صاحبها جانبا من اية مناصب قيادية عليا في عهد حكام شرقيين يتصفون بالمزاجية والتقلب والبطش وحب الرياء.. فكيف استطاع نوبار شق طريقه وسط كل هذا، وان يحافظ على وجوده في موقع الصدارة؟..

رجل الدولة الناجح من يعرف تقلبات الريح!..

الأجابة على هذا التساؤل يقدمه لنا المؤرخ الكبير جمال بدوي حين يقول ان نوبار كان يعرف جيدا اتجاهات الريح، ويعرف ايضا مواقيت غروب شمس الحكام، واين ستشرق الشمس الجديدة. فكان يحمل نفسه برشاقة الى موقع القيادة الجديدة بكل أنفة وكبرياء، ويخاطب السلطة الوليدة بلسان الخبير الذي يمتلك الحلول لأصعب المشاكل. تعرّف عليه اسماعيل باشا حينما لمس اجحافا في اتفاقية امتياز حفر قناة السويس، والذي وقعه الوالي محمد سعيد باشا مع ديلسبس عام 1854م فتولى نوبار باشا ملف القناة وأعد مذكرة بكل بنود الأحجاف والتي لا تتفق مع الأعراف والقوانين المعمول بها في مصر او الدولة العثمانية أو اوروبا، وعرضها على اسماعيل باشا والذي أوكل له مهمة السفر لباريس والأستانة لأقناع اولى الشأن بتغيير الأتفاقية لصالح مصر. وهو صاحب فكرة اشراك نابليون الثالث امبراطور فرنسا في التحكيم بين اسماعيل والشركة حين تمسكت بنصوص الأتفاقية القديمة. ورغم ان مافعله كان عبئا ثقيلا على خزينة البلاد الا انه اعجب اسماعيل كثيرا، فأهله ليكون ناظرا للاشغال 1864م ومن ثم، تولى رئيس مصلحة السكة الحديد عام 1866م. والى جانب ذلك تولى نظارة الخارجية لعلاقاته الكثيرة خارج مصر، وبعد زوال دولة اسماعيل باشا المفتش تولى نظارة المالية في 1874م ثم أسس نظارة التجارة الداخلية والخارجية وتولاها عام 1875م، ثم عاد ناظرا للخارجية مرة اخرى لفترة قليلة جدا حيث اختلف مع الخديوي اسماعيل وفصل من عمله بمرسوم سامي وغادر مصر اثر ذلك!..

بداية السكك الحديدية في مصر

في هذا العام أدرك نوبار جيدا زوال دولة اسماعيل باشا، وعلم ان خيوط اللعبة اصبحت في يد الأنجليز، وان مقاليد الأمور سوف تنتقل لأيديهم اجلا او عاجلا، فأراد الأسراع بذلك. فبعد طرده من مصر اثر الخلاف مع الخديوي، ذهب الى لندن واتصل بوزير الخارجية هناك وظل يحرضهم على تأديب اسماعيل والتدخل للحد من سلطاته المطلقة التي وضعت البلاد على حافة الهاوية!.. واقترح تكوين وزارة مسئولة متحررة عن سيطرة الخديوي لايستطيع المساس بأفرادها، وكان من رأيه انه لا امل في اصلاح الخراب الذي ألحقه الإسماعيلين (الخديوي والمفتش) بميزانية مصر الا بالحجر على تصرفات الخديوي وتقييد حكمه المطلق!.. ويبدو ان نصائح (او رغبات) نوبار قد تلاقت مع رغبات بريطانيا التي كانت تعمل باستمرار على حماية طرق مواصلاتها بعد انشاء القناة، وبعد ان نجحت في اقتناص حصة مصر في اسهم القناة بمنتهى السهولة.

الصِّدام مع الخديوي!!..

ونجحت مساعي نوبار حينما اصدر السلطان عبد الحميد الثاني في عام 1879 فرمانا بعزل الخديوي اسماعيل من منصبة وتوليه ابنه توفيق، مع نفي الأول الى اسطنبول حيث بقى الى قبيل وفاته. بعدها عاد نوبار الى مصر لتكوين اول نظارة مختلطة احتفظ فيها بأماكن لوزراء انجليز (ناظر المالية) لمراقبة الأيرادات وفرنسيين (ناظر الأشغال) لمراقبة المصروفات، وهو مقتنع تماما ان ذلك هو السبيل الوحيد لأستقلال مصر!.. وكان من الطبيعي ان يستفز ذلك التبرير المشاعر الوطنية عند كثير من نواب الشعب في مجلس شورى النواب او غيرهم، ولكن نوبار كان لا يعترف بحق المصريين في تقرير مصيرهم ويراهم غير مؤهلين لذلك!.. فكان لابد من استخدام العصا الأنجليزية لتأديب اسماعيل، وبذلك خضع الخديوي اسماعيل لشروط الأنجليز ورغبتهم فأصدر أول “دكريتو” لتشكيل الوزارة في مصر عام 1878م برئاسة نوبار باشا، وبعدها بأقل من ستة اشهر رحل اسماعيل مطرودا، فخضع من بعده توفيق دون نقاش هو ايضا للانجليز. ولولا احداث الثورة العرابية وبعد الخلاص منها ومن زعمائها، تولى نوبار من جديد رئاسة الوزراء عام 1884م وكانت وزارة احتلال تشكلت حسب توجيهات المعتمد البريطاني، وكانت تهدف الى اخلاء السودان واعالي النيل (اوغندا والصومال) من الأدارة المصرية واحلال انجليزية محلها وبذلك ضاعت املاك الدولة التي انشأها اسماعيل باشا، وثالثة في 1894م في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، وقد استخدمها المعتمد البريطاني ايضا في اتمام سيطرته على الأمور داخل مصر. وقد اختلف الخديوي الشاب مع نوبار اكثر من مرة، اهمها حينما منح عفوا عاما لكل رموز الثورة العرابية واعطاهم حق العودة من منفاهم او الكف عن مطاردتهم حيث رفض نوبار ذلك، وايضا حينما طلب الخديوي الاسبق اسماعيل العودة لمصر ليموت فيها حيث رفض نوبار ايضا، فعزله الخديوي عام 1895م وعنها سافر الى باريس وظل هناك حتى وفاته عام 1899م.

انجازات نوبار باشا كرجل دولة في مصر

خلال اكثر من اربعين عاما قضاها نوبار باشا متقلبا في الوظائف الحكومية المصرية، حتى صار اول رئيس وزراء عرفته مصر في العصر الحديث. الى جانب ذلك قام بالعديد من الأنجازات الحكومية يذكر المؤرخون منها أنه حينما تولى مصلحة السكة الحديد في عهد عباس الأول، تولى المفاوضات والأشراف على انشاء اول خط سكك حديدية في مصر (الأسكندرية – السويس)، فحصل على عديد من الأمتيازات لمصر من خلال مفاوضته مع الأنجليز. ولعلاقاته في الأستانة وقدرته على المفاوضة استخدمه الخديوي اسماعيل في مفاوضاته مع الباب العالي حينما اراد تعديل نظام وراثة العرش ليصير في اكبر ابناء الوالي بدلا من اكبر افراد العائلة، وكذلك كان طرفا في التفاوض مع فرنسا في عديد من الأتفاقيات، لا سيما مايختص منها بشأن قناة السويس.

سراي (محكمة) الحقانية – الإسكندرية

وعلى النطاق المحلي أقنع الخديوي اسماعيل بفكرة انشاء المحاكم المختلطة عام 1876م للفصل في النزاع بين رعايا الدول الأجنبية المقيمية على ارض مصر وخصومهم من المصريين وتعلل باختلاف الشرائع الحاكمة. وكانت الفكرة وبالا على مصر، ولهذا كان نوبار شخصية مكروهة من المصريين، فهو كثيرا ما احتقرهم وتأنف عليهم ولا يرى لهم حق في اي منصب حكومي في بلادهم، وبعد سعيه وتأسيسه للمحاكم المختلطة بات المصريون بموجبها اغرابا يعيشون في بلادهم!.. وفي عهد الخديوي توفيق وبتوجيهات من قوات الأحتلال البريطاني، شكل نوبار باشا أول لجنة (قومسيون) للتحقيق في الحوادث الجنائية الصادرة في حق الجنود الانجليز عام 1884م وسميت (قومسيون الجنايات)، وقال ان هدفها للتحقيق مع العصابات المسلحة، التي تهدف لسرقة المال أو الإخلال بالأمن العام، في حين كان هدفها الحقيقي وأد أيه مقاومة لقوات الأحتلال في كافة ربوع مصر بشكل قانوني. وهذا أهله لإعادة تشكيل وزارة الداخلية واخضاعها بالكامل لخدمة اغراض المحتل البريطاني ضد أهل البلد المعترضين على وجوده، باعادة تنظيم قوات الشرطة واعادة تبعيتها إلى مديري المديريات (الحكمدارات) وليس الى كبير حكمدارية القاهرة لسهولة وسرعة اتخاذ القرارات. كما قام بتعيين كثير من الأنجليز في اغلب المناصب القيادية بالبوليس المصري.

البوليس المصري مطلع القرن العشرين

ولأنه كان مفاوضا بارعا، فقد حصل لنفسه على عمولات كبيرة في عديد من الصفقات التي مثل فيها الجانب المصري، وكان يدخل في صراعات مع اسماعيل باشا المفتش بسبب ذلك، حينما تتعارض الصفقات او يتداخل المفاوضين لهثا وراء العمولات والمكاسب الشخصية، لا سيما في صفقة بيع اسهم مصر في قناة السويس للحكومة الأنجليزية عام 1866م. ايضا لعب دورا هاما في كبت حرية الصحافة بسبب مناهضتها للاحتلال البريطاني عندما تولى وزارته الثانية عام 1884م فأصدر قراره بإلغاء العديد من الصحف مثل جريدة “الوطن” و”المرآة” و”الزمان” عام 1884، وتعطيل جريدة “الأهرام” في العام نفسه رغم اتجاهها المتفق مع الخديوي والحكومة انذاك.

ونظرا لأنجازاته التي خدمت حكومة الأحتلال البريطاني في مصر، انعمت عليه ملكة انجلترا بنيشان النجمة الهندية من الطبقة الأولى عام 1895م، وفي باريس كتب مذكراته والتي يعدها المؤرخون مرجعا هاما لتاريخ مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، نظرا لمعاصرته كثير من الأحداث كان شاهدا عليها دون غيره. ورغم انه لم يكن شخصية وطنية الا انه لايزال هناك شارع يحمل اسمه بوسط مدينة القاهرة، ومدينة كاملة تحمل اسمه تتبع محافظة البحيرة، وبها ترعة كبيرة ايضا تروي مساحة كبيرة من الأراضي تنتسب اليه، الى جانب تمثال له في الأسكندرية كان في منطقة الشلالات بالأزريطة (محل تمثال كاتمة الأسرار الحالي) تم نقله لمدخل دار اوبرا اسكندرية.

لو اعجبتك التدوينة واضافت الى معلوماتك التاريخية، لطفا شيرها لأصدقاءك للفائدة، ولا تنسى ان تشارك برأيك في تعليق والأشتراك بحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة الموجودة جانبا.. وشكرا.

مراجع:

  • موقع ذاكرة مصر المعاصرة، نوبار باشا
  • جمال بدوي، مصر من نافذة التاريخ، الهيئة العامة للكتاب 1995

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 17
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    19
    Shares
  •  
    19
    Shares
  • 17
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..