«المنصورة».. صفحة ساطعة من تاريخ مصر

الحروب الصليبية مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    17
    Shares

مدينة بيت المقدس لما استولى عليها الصالح نجم الدين سنة 1244م وأعادها لأيدي المسلمين مرة تانية، الموضوع دا كان له صدى رهيب في اروربا، ودا اللي خلى البابا اينوسنت الرابع Pope Innocent IV يدعو لحملة صليبية جديدة وتحمس لها الملك لويس التاسع Louis IX ملك فرنسا والمعروف بتعصبه المسيحي وكراهيته للمسلمين، وخرج بأسطول كبير من بلاده قاصدا مصر عشان يستولى عليها اولا، فيبقا الطريق قدامه مفتوح الى بيت المقدس.. وبيتصدى له جيش الأمراء المماليك وبيهزموه هزيمة منكرة في واحدة من أكبر ملاحم العسكرية المصرية.. ودي موضوع تدوينة اليوم وهانقول معلومات تاريخية من مصادر عربية وفرنسية ونحلل الموضوع بنظرة اعمق شوية.. خليكو معانا…

madridskylitzesfol100vdetail

في مجمع ليون الكنسي عام 1245م اعلن البابا مباركته لحملة الملك لويس على مصر، وجمع المال من كل انحاء اوروبا وامر بحشد فرسان ورجال لها من كل البلاد تحت قيادة الملك لويس، وفي غضون 3 سنين تم تجميع اسطول ضخم بلغ حوالي 1800 سفينة حمولتها أكتر من 80 الف مقاتل بخيولهم وسلاحهم وعتادهم وأكلهم وشربهم. ابحرت المراكب من مواني جنوب فرنسا وجنوا، وتحفظت البندقية عن المشاركة في الحملة عشان كان لها اتفاقيات تجارية مع مصر ماحبتش انها تخسرها، وابحر الجميع في اغسطس 1248م، واللي يقرا أحداث الحملة دي بتأني يعرف كويس ان الفرنسيين ماتعلموش من أخطاء الحملات اللي كانت قبل كدا، في حين اتعلم المماليك من جميع اخطاءهم السابقة وأخطاء اللي قبلهم، فمثلا نلاقي حملة الملك لويس وقفت وقفة تعبوية في جزيرة قبرص وكان خطأ استراتيجي كبير ترتب عليه شيوع نبأ الحملة بين المراكب التجارية في البحر واللي كانت جاية مواني اسكندرية ودمياط، وطبعا عرفوا المماليك واستعدوا بصورة كان يُمكن للفرنسيين تجنبها لو قصدوا مصر على طول بدون توقف. وفي قبرص انضم للحملة بعض المقاتلين المرتزقة من طرابلس وعكا وجنوب ايطاليا وتحركت من جديد قاصدة مصر، ولكن وهما في البحر هبت عواصف شديدة (منطقة شرق المتمتوسط اساسا منطقة تيارات بحرية صعبة) ادت الى جنوح بعض المراكب الى سواحل الشام والباقي كمل طريقه الى دمياط وكان معاهم الملك لويس واللي وصل قبالة السواحل المصرية في يونيو 1249م (يعني بعد سنة إلا حاجة بسيطة من وقت ابحارها من فرنسا).

04543ccx.jpg

في الوقت دا كان نبأ الحملة (زي ماقلنا) شاع بين المراكب التجارية ومواني البحر المتوسط، وكمان أرسل الملك فريدريك الثاني (بعد فشله في الحصول على العفو الكنسي من البابا، للمزيد طالع هنا) رسول متخفي في شكل تاجر أوروبي كان بيحمل رسالة تحذير للملك الصالح نجم الدين ايوب سلطان مصر طبقا لرواية المؤرخ ابن أيبك الدواداري، ووردت انباء مماثلة من تجار البندقية لمواني الأسكندرية، فرجع الملك الصالح من الشام على مصر بسرعة وكان مريض بمرض يمنعه من ركوب الفَرَس، فشالوه في محفه طوال الطريق، ووصل الى دمياط قبل وصول الحملة وامر بحشد الجنود في حصون ومعسكرات دفاعية في البر الغربي لدمياط بقيادة الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ (ودا كان راجل كبير عنده حوالي 80 سنة)، ووأمر كمان بإرسال سفن الأسطول من الأسكندرية والقاهرة، وتحصين اسوار دمياط وتزويدها بالأكل والشرب والسلاح والعتاد وكتيبة من المماليك بتحمي الأسوار، وكلف كمان كتيبة من العربان (فرسان البدو ودول كانوا مرتزقة) انهم يدافعوا عن المدينة من الداخل، ودا طبعا اعتمادا على الخبرة المكتسبة من اخطاء حملة الملك جان دي برين (طالع هنا) ووقف الجميع ينتظروا الأسطول الفرنسي القادم من قبرص، وكان نزول الفرنسيين في دمياط خطأ استراتيجي تاني، لأن الحملة الأولى بتاعت جان دي برين نزلت برضه في دمياط بغرض الزحف على القاهرة، فاعترضتها المجاري المائية وفيضان النيل وطبيعة الأرض السيئة في الدلتا، ودا دليل فعلا ان الفرنسيين ماتعلموش من اخطاء الحملات اللي قبل كدا..

king-louis-ix-also-saint-louis-1214-to-1270-leads-his-troops-in-battle-a1tp8j.jpg

وبيقول المؤرخ الفرنسي جين دي جوانفيل Jean de Joinville ودا كان مؤرخ الحملة واحد فرسانها وشاهد عيان على احداثها، ان سفن الفرنسيين فوجئوا باستعداد المماليك وجاهزيتهم على البر الغربي لدمياط، وخطف عينيهم وبريق اسلحة الجيش وكثرة عددهم، وكان قرع طبولهم له دوي عالي فكان بيلقي الرعب في قلوب الفرنسيين وهما لسة في سفنهم!.. فراحت سفن الفرنسيين ناحية الغرب اكثر واستطاعوا النزول ومناوشة المماليك، ولكن جاهزيتهم خلت عملية نزول الفرنسيين الى الساحل الغربي ومناوشتهم عملية في غاية الصعوبة، وفي الوقت دا طار الحمام الزاجل معاه خبر وصول سفن الفرنسيين لمعسكر السلطان في أشموم طناح واللي كان بيقود المعركة من هناك، وانتظر الأمير فخر الدين الرد لفترة ومافيش حاجة وصلت!.. فتوقع ان يكون السلطان مات ودا سبب لأنعدام الرد لأنه كان عارف انه مريض، فانتظر لغاية ماجه الليل وانسحب بالقوات من معسكره في البر الغربي الى داخل مدينة دمياط، وفي صباح اليوم التالي خرج الأمير فخر الدين بقوات التحصين وسابوا المدينة بناسها باللي فيها من غير حراسة ولا تحصين وتراجعوا الى اشموم طناح، وطبعا تبعتهم كتائب العربان الموكل لها حراسة المدينة لأنها قالت “أنا كمان هاقعد أعمل ايه؟”.. فأدرك الأهالي انهم أصبحوا في مواجهة الفرنسيين مباشرة فالكل اختار الرحيل وسابوا ديارهم واموالهم ولحقوا بمعسكر السلطان في اشموم طناح طبقا لرواية ابن اياس الحنفي وكانوا حفاه وجياع وعرايا وقابلوهم قطاع الطرق وجردوهم من ملابسهم وسرقوا اولادهم وكانت الصراحة مأساة..!

أما الجيش الفرنسي جاء عليهم الصبح مالقوش حد في معسكر المماليك في الأول قالوا انها خدعة (كمين) فأرسلوا كشافتهم يستطلعوا الأمر ولاقوا المعسكر والمدينة فاضيين فعلا، حتى الجسر الخشبي اللي بيعدي للشرق نسي المماليك انهم يحطموه بعد ما عدوا عليه فعبرت قوات الفرنسيين النيل واستولت على دمياط بما فيها من أكل وشرب وسلاح وبيوت ودكاكين وهم مش مصدقين اللي بيحصل!.. واتخذ قواد الفرنسيين وبعض الجنود من منازل المدينة سكن ليهم وحولوا مسجد المدينة الكبير الى كنيسة يصلوا فيها، واحتل تجار جنوا دكاكين المدينة وتولوا تسيير امور التجارة فيها وامر الملك لويس بتكوين مملكة صليبية جديدة اطلق عليها اسم “مملكة ما وراء البحار” Royaume D’Outre-mer تكون عاصمتها مدينة دمياط!.. وبدلا من استثمار الأحداث اللي كانت لصالحهم واستكمال المسير نحو القاهرة، مكث الفرنسيين في دمياط لمدة ست شهور ينتظروا السفن اللي كانت شردت منهم انها تيجي من ساحل الشام استعدادا لأستكمال التقدم ودا كمان خطأ استراتيجي تالت، لأنه أعطى الفرصة للمماليك لتمالك انفسهم من جديد.

ودعا الملك لويس لمجلس حرب لأخذ الأراء “هانكمل ازاي ياجماعة؟”، فكان اقتراح الكونت بيتر أوف بريتاني Peter Of Britany انه يتم الأستيلاء على الأسكندرية أولا لأن كشافتهم اكدت عدم جاهزيتها للقتال زي دمياط، كما ان مينا اسكنديه افضل لأيواء سفن الفرنسيين وأقرب لشواطئ جنوب فرنسا بالأضافة لأن الطريق الى القاهرة منها سهل وممتد ومافيهوش انهار ولا وحلة زي الدلتا، في حين كان رأي الكونت روبرت دي أرتوا Robert d’Artois (ودا كان شقيق الملك لويس) ان يستمر الزحف نحو القاهرة من دمياط وقال: «اذا اردت قتل الأفعى فاضربها على رأسها» يعني لو سقطت القاهرة هتسقط البلاد كلها!.. وتقرر الأخذ برأيه واستكمال المسير بعد وصول المدد من فرنسا، والواقع انه لو استغل عدم جاهزية قوات اسكندرية وأحتلها وتقدم منها للقاهرة يمكن كان الموقف اتغير ولكن دا ماحصلش!.. وخلال فترة وجود الفرنسيين في دمياط، وقعوا فريسة لهجمات العربان وقوات المماليك التي كانت بتقتحم عليهم معسكراتهم بالليل وبتهجم عليهم وهما نايمين وكانوا بيحزوا رؤوسهم ويرحلوا بيها، لأن السلطان كان عارض مبلغ كويس على كل راس يجيبوها، فمكانش يمر يوم الا بعدد كبير من القتلى في الظلام!..

وفي اشموم طناح غضب السلطان ايوب غضبا شديد للتصرف الفردي من قائده الأمير فخر الدين وكاد انه يقتله لولا انه خاف من الفتنة وكانوا في وقت عصيب، وقال له: «أجَبُنتُم أن تقفوا بين يدي الفرنجة ساعة؟»، كما أمر باعدام خمسين من قوات العربان اللي هربوا من دمياط جزاءا على انسحابهم بدون أوامر!.. واتصل بمعسكر الفرنسيين وعرض عليهم التنازل عن مدينة بيت المقدس مقابل الرحيل عن دمياط، لكن الملك لويس رفض العرض دا بكبرياء وغرور شديد ورد عليهم فيما معناه: “نتقابل في القاهرة!!”، فمعادش قدام السلطان ايوب غير انه يكمل القتال ويواصل الحشد للمعركة، وقال: «ان بغي لويس سيصرعه والى البلاء سيقلبه..» فتراجع من أشموم للمنصورة وقفل ابوابها وأمر بزيادة تحصينها وأعلن النفير العام (التعبئة العامة) في مصر كلها، فجاء له متطوعين وناس خرجت للجهاد من كل مكان في مصر، الكلٌ شايل سلاحه واللي كان عنده فرسٌ او درع أو أي حاجة تنفع للقتال جابها معاه وركبوا في سفن حربية في النيل من القاهرة ومن الصعيد للمنصورة.

وفي نوفمبر 1249م مات السلطان ايوب في فراشه، فكان التصرف الحكيم من زوجته الملكة شجر الدر (للمزيد طالع هنا) أنها كتمت خبر وفاته الا عن القواد، ورجع الأمير فخر الدين لقيادة الجيش وكانت هي اللي بتصدر الأوامر ممضية ومختومة بختم السلطان وأمرت الأطباء ان يدخلوا على السلطان يوميا وكأنهم بيتابعوا حالته، وتولت هي نقله سِرا للقاهرة ودفنه هناك، وارسلت للملك المعظم توران شاه ابن السلطان عشان ييجي ويتولي العرش ويقود الجيش في مواجهة الفرنسيين، وبكدا سارت الأمور سير طبيعي واتزن الجنود واستمروا في المواجهة.

وعلى الرغم من الكتمان الشديد لخبر وفاة السلطان ألا ان الخبر وصل معسكر الفرنسيين في دمياط، وكان المدد اللي جاي من أوروبا كمان وصل بقيادة الكونت ألفونس دي بواتييه Alphonse de Poitiers اخو الملك لويس في شهر اكتوبر، فقرر الملك لويس استكمال الزحف لضرب «رأس الأفعى»!.. وخرج الفرنسيون من دمياط بعد فترة استقرار لأكثر من خمس شهور ونص، فناوشتهم كتائب العربان والمتطوعين طوال الطريق لغاية ماوصلوا الى اشموم في نهاية ديسمبر، ونصبوا معسكر لقواتهم في مكان اللي بيفرقه عن معسكر المماليك هو بحر اشموم (أو ترعة البحر الصغير حاليا) وتم عمل التحصينات ونصبوا المنجنيق ومعدات الهجوم ورغم كدا سقط عدد كبير من الفرنسيين فريسة لحرب العصابات اللي شنها عليهم فرسان العربان مع كتائب المتطوعين ليلا ونهارا، فقال الملك لويس انه لابد من مواجهة مباشرة في معركة مفتوحة عشان نعرف نحاربهم ونقضي عليهم، فأمر سلاح المهندسين في جيشه انهم يبنوا جسر يعدي بحر اشموم عشان يقدروا يعبروا عليه ويواجهوا المماليك.

Mansoura battle

وبدأت الكتائب في العمل ولكن معسكر المماليك استعد بوابل من السهام خلتهم مش قادرين يكملوا شغل، وكل ما يرجعوا تاني للعمل في الجسر يضربوهم بالنار الأغريقية اللي مكانوش مستعدين لها واجبرتهم على التراجع للوراء مسافة كبيرة، وفي الوقت دا كان راح لمعسكر الفرنسيين “خاين” من فرسان العربان ودلهم على مكان مخاضة في بحر اشموم يقدروا يعدوا فيها بالخيل للبر الثاني بسلام ودا طبعا كان نظير مبلغ من المال، فتقرر عبور المخاضة بالليل بقيادة الكونت دي ارتوا وتطويق معسكر المماليك في اول ساعات الفجر والهجوم عليه بغتة من الجنوب، وكان دا في فبراير 1250م.

خرجت 3 كتايب فرسان (كتيبة فرنسية بقيادة الكونت دي أرتوا، وكتيبة انجليزية بقيادة الكونت وليم أوف ساليزبوري William Of Salisbury ، وكتيبة من فرسان المعبد) و مع أول ضوء فجر انقضوا على المعسكر فجأة وكان المماليش مش مستعدين لأنهم ماخطرش في بالهم ان حد هايهجمهم من ناحية الجنوب، فشتت الفرسان شملهم وقتلوا قائد الجيش الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ، بيقول ابن اياس انه كان في الحمام وقت اقتحام المعسكر وسمع بصيحات الفرنسيين “!Dieu le veut” وخرج بعجاله فطعنوه الفرنسيين بالرماح ومات في الحال، وتشتت شمل جنود المماليك وسقط كتير منهم فريسة لسيوف ورماح الفرنسيين، وهربوا من غير نظام نحو المنصورة، فحقق الكونت دي أرتوا وفرسانه نصر خاطف خلاهم يتغروا في نفسه ويندفعوا جميعا على معسكر المنصورة يطاردوا فلول المماليك، ودا طبعا بدل ما يحتلوا الجانب الأخر من الشاطئ عشان يعطوا الفرصة لسلاح المهندسين انه يستكمل بناء الجسر، انطلق الكونت دي أرتوا  يطارد المماليك وكل ظنه انه هايفني الجيش كله في اليوم دا، وطبعا الأستهانة بالعدو دا كان خطأ استراتيجي كبير..

وفي المنصورة، وصلت الأنباء للأمير بيبرس (اللي هايبقا بعد كدا الظاهر بيبرس السلطان المشهور)، فأمر باخلاء شوارع المدينة وفتح ابوابها وامر السكان بأن يلتزموا منازلهم وماحدش يخرج منهم نهائي!.. ودخلت كتايب الفرسان المدينة ولقتها فاضية تماما، وبلع الفرنسيون الطعم وقالوا ان دا زي اللي حصل في دمياط، وان المصريين بيهربوا من قدامهم في اي مكان هايروحوه، فزاد غرورهم بنفسهم واندفعوا نحو قصر السلطان وهناك فاجأتهم كتيبة المماليك البحرية بقيادة الأمير بيبرس وقاتلوهم بشده، فاضطروا للتراجع وتشتتوا في شوارع المنصورة اللي مكانوش يعرفوها أصلا، فخرجت الأهالي من منازلهم مع عسكر المماليك تضرب الفرسان بكل مالديها من سهام ومقاليع وحراب وحتى الطوب والحجارة، وكانوا بيستهدفوا الخيل فيقع اللي عليها ومات كتير منهم دهسا على الأرض من الخيل الجامحة، وشلت المفاجأة حركة الكتايب التلاتة وتلقفتهم قوات المماليك بالسيوف تحز رؤوسهم وتطعنهم بالحراب واللي كان بيقوم منهم كان بيطلع يجري وبيرمي نفسه في النيل عشان يهرب من سيوف وسهام المماليك وابتلعتهم المياه، وفنيت الكتيبة الأنجليزية عن اخرها ولم ينجو من فرسان المعبد الا ثلاثة افراد واتقتل الكونت دي ارتوا هو وقائد الكتيبة الأنجليزية اثناء محاولتهم انهم يستخبوا جوا أحد البيوت.

640239779.jpg

وهرب الكونت بيتر أوف بريتاني لمعسكر الفرنسيين وكان وشه مشقوق وبينزف من ضربة سيف، وكان الفرنسيين تقريبا انتهوا من الجسر اللازم لعبور بحر أشموم لكن لما حكى لهم على اللي حصل خافوا جدا، وبعدها بوقت قصير دخل عليهم فرسان المماليك بصيحاتهم العالية، فأوقفوا الشغل في الجسر ورموا نفسهم في مياه النيل وفروا مرعوبين بلا نظام فتلقفتهم سهام المماليك وناس كتير ماتوا من الغرق، يروي المؤرخ دي جوانفيل:

«وولت اعداد كبيرة من فوق الجسر الصغير في مشهد مخزي لأبعد الحدود، فقد كانوا يهرولون وهم في حالة من الذعر الشديد بدرجة جعلت الموضوع خارج السيطرة، أستطيع ان اذكر اسماؤهم ولكن لن افعل ذلك لأنهم صاروا في عداد الأموات..».

وكان الأمير فارس الدين أقطاي قائد المماليك البحرية بعد المعركة وجد في الشوارع بعض الجثث تحمل شعار القصر الملكي الفرنسي، فظن ان دا لويس نفسه وانه مات في المعركة وقال: «كما اننا لا نخشى جسد بلا رأس فوجب علينا الا نخشى قوما بلا ملك..» وبعد الهزيمة دي رجع الوضع تاني على ماهو عليه، المماليك في معسكر اشموم طناح، والفرنسيين في دمياط.. وفي الوقت دا كان وصل السلطان توران شاه الى المنصورة وبدا يتولى السلطة بعد أبوه، فبدأت روح النصر تسري في المعسكر المملوكي وبدأوا يستعيدو ثقتهم في نفسهم من أول وجديد.

000162_xgaplus.jpg

وأمر السلطان توران شاه باستكمال الزحف نحو دمياط، وجابوا السفن مفككة الى قطع وشالوها على الجمال لغاية بحر المحلة وهناك تم اعادة تركيبها وركبوا فيها المحاربين وانطلقت شمالا، وفاجأت سفن الفرنسيين عند فارسكور وهما مش مستعدين فغنمت منهم كثير سفن وعتاد ورجال، وبكدا انقطع المدد من دمياط عن الفرنسيين وأصبحوا محصورين مش عارفين يتقدموا ولا عارفين يحاربوا ولا عارفين يرجعوا دمياط!.. وفي الوقت دا بعت الملك لويس رسالة بيطلب الصلح وبيعرض تسليم دمياط والرحيل مقابل تسليم بيت المقدس زي ما عرض السلطان أيوب قبل كدا، فرفض توران شاه ووطبعا رد عليهم بطريقة مش كويسة وطالبهم بالرحيل عن دمياط دون قيد أو شرط!.. فما كان أمام الملك لويس الا انه يهرب لدمياط وينقذ نفسه واللي معاه، وفي ابريل 1250م اشعل النار في اسلحته وخيامه و معسكر جنوده وانسحبوا من المعسكر وتوجهوا نحو دمياط فأجهز عليهم عسكر المماليك في فارسكور ووقتلت وأسرت منهم كتير، وهرب الملك لويس والأمراء اللي معاه وطلعوا على تل عالي ورفعوا الراية البيضا معلنين استسلامهم، فوقعوا في اسر فرقة من الطواشي (مماليك من النوبة) بقيادة مملوك يدعى جمال الدين الصالحي في 6 ابريل 1250م وطبعا وضعوا القيد الحديدي في ايدي الملك لويس والأمراء شارل دانجو والفونسو دي بواتييه وبعتوهم المنصورة، وسجنوهم  في دار القاضي بن لقمان، فكانت نهاية مخزية لملك صليبي وفرسانه، وأوكلوا بحراستهم الي طوشي (مملوك) كان اسمه صُبيح الأعظمي.

وفي الوقت دا كان السلطان توران شاه بيطالب زوجة ابيه الملكة شجر الدر بأموال أبيه، ومع الأسف ماقدرش لها اللي عملته معاه. بيقول ابن اياس انه كان بيهددها برجوعها تاني للحريم، الى جانب انه عزل قواد الجيش من المماليك الصالحية (البحرية) وجاب مماليكه خلفا لهم ودي طبعا كانت رعونة منه وفي وقت حرج!.. وبيحكي ابن اياس أنه كان في اوقات سكره بالليل يستل سيفه ويضرب الشموع اللي في الشمعدان اللي أمامه ويقول: «هكذا أفعل بالبحرية..»!!.. فقرر البحرية ان يحطوا حد للموضوع دا، فهجموا عليه في البرج الخشبي اللي كان قاعد فيه في فارسكور وقتلوه وأشعلوا النار في البرج باللي فيه، وقبضوا على كل مماليكه ووضعوهم رهن الأعتقال.

AssassinationOfTuranShah

وتداركا للموقف العصيب اتفق المماليك على تنصيب الملكة شجر الدر ملكة على مصر خلفا لزوجها الصالح نجم الدين أيوب ودا كان حدثا فريد في تاريخ الأسلام، وكانت أول ملكة تحكم مصر من ايام الملكة كليوباترا السابعة، كمان تم تعيين الأمير فارس الدين اقطاي قائد اعلى للجيش خلفا للأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ. وتولى الأمير حسام الدين بن ابي علي وكان نائب السلطنة المفاوضات مع الفرنسيين بتعليمات ومشاورة الملكة شجر الدر، وتم الأتفاق على جلاء الفرنسيين عن دمياط دون قيد او شرط والتعهد بعدم العودة مرة اخرى الى غزو مصر، مقابل اطلاق سراح الملك لويس وكل الأمراء وحوالي 5000 من الأسرى الفرنسيين ودفْع فدية 400 الف دينار ذهبي (قدرتها المراجع الفرنسية بـ210 الف ليرة تورية) يدفع النص دلوقتي والنص التاني بعد وصول الملك لويس الى عكا فيتم الأفراج عن باقي الأسرى، ومع الأسف ماحصلش لأنه تهرب من الدفع ورحل الى بلاده بعد 3 سنين.

وفي 8 مايو عام 1250م رحلت قوات الفرنسيين عن دمياط ودخلتها قوات المماليك ورفعت عليها الراية الصفراء (شعار الأيوبيين) وبيصف المؤرخ الفرنسي ماثيو دي باري مدى الألم الذي شعر به الملك لويس ونبلاؤه وقواده وهم خارجين من المدينة رايحين لميناء عكا، واللي فضل الملك لويس فيها وبعت يطلب المدد من فرنسا عشان يمسح به عار الهزيمة والأسر ولكن ماحدش بعت حاجة، وبيرحل على فرنسا اوائل عام 1254م لما سمع  نبأ وفاة والدته الملكة بلانش واللي كانت بتدير شؤون البلاد في غيابه. واقلعت فلول الفرنسيين من ميناء عكا ومعاهم ابيات الشاعر المصري جمال الدين بن مطروح يقول:

قُـل للفِـرنسِــيس إذا جِئـتَه

***

مَقَالَ نُصْحٍ عَـن قَـؤُولٍ فَصِيــحِ

آجَــرَك الله عَلــى مَا جَــرَى

***

مَن قَتل عُبـَّاد يَسـُوعَ المَسِيحِ

أتَيـتَ مِصــرَ تَبتَــغِي مُلكَــهَا

***

تَحْسَبُ أنَّ الزَّمرَ يَا طَبْــلُ رِيْــحِ

فَسـَـاقـك الحِيْــنُ الَى أدْهَمٍ

***

ضَاقَ بِهِ عَـنْ نَاظِـرَيْـكَ الفَسِيحِ

وكـُـلَّ أصْحَــــابـِـكَ أودَعْـتَهُم

***

بِحُسْنِ تَدبِـيرِكَ بَطــنِ الضَّرِيــحِ

ألهَــمَــكَ الله إلـَــى أمثـَالِـهَا

***

لعلَّ عِيـسَى مِنْــكُمُ يَستَـرِيْـحِ

وقـُـل لَهُـــم إنْ أزمَعُوا عَوْدَةً

***

لأخـــذِ ثـَـــأرٍ أو لِفِـعْــلٍ قَبِيـــحِ

دارُ ابــنِ لُقْــمَانَ عَلى حَالِهَا

***

والقَيْدُ بَــاقٍ والطَوَاشِـي صِبِيحِ

وكان لفشل الحملة وقع شديد على نفوس الأوروبيين والفرنسيين على وجه الخصوص، لأن نفقات الحملة كانت تخطت ميزانية الدولة في فرنسا في 12 سنة!.. الفلوس دي تم انفاقهم بلا اي طائل أو مكسب!.. ودا خلى كثير منهم يتضايق من سياسة الكنيسة وفرضها رأيها على الدولة، ووجه السياسيين المزيد من اللوم لسياسة البابا في ادارة الحملات الصليبية. أما لويس التاسع نفسه فعلى الرغم من الهزيمة الساحقة وعلى الرغم من انه ماوصلش ولا قطع «رأس الأفعى» أو أو جاب أي مكاسب من حملته الفاشلة ورغم حبسه مقيدا بياكل رغيف عيش ويشرب كوز ميه طول اليوم لفترة قاربت الشهرين مش عارف مصيره ينتظر القتل أو العفو.

ألا أن بعض مؤرخي فرنسا في عصر الملك لويس اشاروا كذبا الى انتصاره في الحملة، معتبرين ان مهاجمة قوات الكونت دي ارتوا لمعسكر المسلمين بغته هي دي معركة المنصورة، وان اللي حصل في شوارع المدينة دا كان خيانة، كما اعتبروا خروج الملك لويس من دمياط حي هوا والامراء الفرنسيين دا في حد ذاته مكسب!.. وان الأيقاع به في الأسر كان عن طريق جندي صليبي خائن رشاه المسلمون عشان يعرفوا مكان الملك ودا واقعيا ماحصلش!.. وأضافوا ان المماليك عرضوا على الملك لويس وهو في الأسر ان ينصبوه سلطانا على مصر ولكن الملك لويس رفض في عزة وكبرياء وقال لهم انه لو وافق على كدا هيضطر انه يخيَّر المصريين بين اعتناق المسيحية او القتل، فرفض المسلمين وقالوا نسلمه ونقبض الفدية أحسن!.. ورغم انه تعهد بعدم العودة لمصر مرة اخرى الا ان دافع الأنتقام ومسح عار الهزيمة هو اللي خلى الملك لويس كمان عشرين سنة يدعو لتجهيز لحملة صليبية جديدة على مصر ولكن بفكر تاني وبوسيلة تانية، ودا ان شاء الله موضوع التدوينة القادمة فتابعونا نعرف ايه اللي حصل للملك لويس، وعمل ايه عشان يرجع مصر مرة تانية… فتابعونا

لطفا ماتنساش تقييم المقال أعلى الصفحة، لأن رأيك يهمنا. وماتبخلش علينا بمشاركة التدوينة ومتابعتنا على مواقع التواصل الأجتماعي.. شكرا..

مراجع:

  • جمال الدين الشيال – تاريخ مصر الأسلامية ج2 – دار المعارف 2007
  • محمد علي الصلابي – الأيوبيين بعد صلاح الدين – مؤسسة اقرأ للنشر
  • نور الدين خليل – شجرة الدر – حورس للتوزيع والنشر 2005
  • ابن اياس الحنفي – بدائع الزهور تحقيق محمد مصطفى – طبعة الهيئة العامة للكتاب 1982
  • The Chronicles of Matthew Paris Translated by H. Nicholson, 1989
  • The Memoirs of the Lord “De Joinville”, Translated by Ethel Wedgwood 1906

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    17
    Shares
  •  
    17
    Shares
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

7 thoughts on “«المنصورة».. صفحة ساطعة من تاريخ مصر

شاركنا برأيك فيما قرأت!..