«العريش».. ومعاهدة لم تتم!

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 4
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    4
    Shares

سرَّب السير سيدني سميث، قائد البحرية الأنجليزية المرابطة في سواحل البحر المتوسط، (زي ماقلنا التدوينة اللي فاتت) بعض الدوريات الأوروبية لنابليون تحمل انباء تراجع مركز فرنسا في اوروبا وضياع ممتلكاتها في ألمانيا وايطاليا والنمسا، غير ان حكومة الديركتوار كمان ارسلت طلب استدعاء لنابليون ولكنه ماوصلش لأن البحرية الأنجليزية أوقفت السفينة اللي كانت تحمل الرسالة ومنعت وصولها، فعزم نابليون أمره على العوده وترك قيادة الحملة لجنرال مكانش من انصار بقاء الفرنسيين في مصر.. ياترى عمل ايه؟.. دا موضوع تدوينة اليوم، خليكو معانا..

الجنرال جين بابتيست كليبر Jean-Baptiste Kléber واللي قبل ييجي مصر مع الحملة الفرنسية قائد فرقة مع نابليون من بعد ما كان تقاعد عن العسكرية بسبب هزيمته وأنسحابه من الراين، كان من المقربين لنابليون ومشهور بالصرامة والإلتزام، أصيب في رأسه في اقتحام الأسكندرية فأبقاه نابليون في الأسكندرية (على غير رغبه منه) حاكما عليها (للمزيد طالع هنا)، ونظرا لأختلاف في بعض المسائل القيادية سائت العلاقات بينه بين نابليون، وبعد ثورة القاهرة الأولى أبدى كليبر برأيه ان الحملة في مصر لن تحقق أهدافها فإزدادت الفُرقة والجفاء بينه وبين القائد العام، وبالرغم من كدا خرج للشام مع الحملة وحقق بقواته انتصارات ساحقة على الأتراك في قانا وجبل طابور، وبعد عودته لمصر تم تكليفه بتحصين دمياط وماحولها، وبعدين استدعاه نابليون بقواته للإشتراك في قتال العثمانيين في أبوقير ورجع بعدها لدمياط لغاية ماجاء له جواب استدعاء من نابليون يطلب مقابلته في اسكندرية، ويروح كليبر يلاقي الجنرال العام ركب المركب وسافر على فرنسا ليله 23 أغسطس 1899م وترك له جواب تكليف بقيادة الحملة وتوصيات مع الجنرال مينو بالإتصال بالعثمانيين واتمام مباحثات الهدنة والخروج بالقوات من مصر خروجاً مشرفاً.

كان موقف الجيش الفرنسي في مصر في غاية السوء، فالقوات عددها يتناقص بسبب المعارك الكثيرة (اول احصائية في أول عهد كليبر قالت انه كان 22 ألف جندي من أصل 36 ألف جاءوا من فرنسا)، والعثمانيين كانوا يرسلون حملة وراء اخرى (مرة في العريش ومرة في ابوقير ومرة في دمياط، وأنباء عن جيش جديد بقيادة الصدر الأعظم يوسف باشا ضيا، غير اضطراب الأحوال الداخلية وعودة مماليك الصعيد (مراد بك والألفي والبرديسي) للمقاومة والقتال، وديون على خزانة الحملة كمرتبات وسلف اجبارية من المصريين وصلت لـ12 مليون فرنك!.. غير نابليون اللي ساب كل دا ورجع فرنسا على وعد بإرسال تعزيزات تقوي مركز الجيش شوية وطبعا ماحصلش، في الوقت اللي ارسل الأتراك اواخر شهر أكتوبر اسطول من 53 سفينة في حماية السفن الأنجليزية طبعا وأنزلت 7 الاف جندي في دمياط، فواجهها الجنرال فردييه مواجهة عنيفة عند عزبة البرج وقتل منهم 3 الاف وأسر منهم حوالي 800 جندي!.. كل دا جعل القنوط يتسلل الى نفسية الجنود والقواد وكليبر نفسه.

الفرنسيون يخمدون ثورة القاهرة الأولى

فكلف كليبر الجنرال ديزيه (حاكم الصعيد) ومسيو بوسليج (مدير الشئون المالية) بالأتصال بكلا من الأتراك والأنجليز لبدء مفاوضات جديدة لجلاء القوات، ومعاهم مصطفى باشا كوسه لي قائد الجيش التركي اللي أسره نابليون في معركة أبو قير البرية كوسيط لأقناع الأتراك بقبول الصلح، ويلتقي الفرنسيين مع السير سيدني سميث قائد البحرية البريطانية والصدر الأعظم يوسف باشا ضيا والقنصل فرانكيني قنصل روسيا على ظهر الباخرة تايجر في عرض البحر امام دمياط (23 ديسمبر)، وعرض الجانب الفرنسي قبول الخروج من مصر على ان تعاد املاك فرنسا في النمسا وألمانيا وايطاليا ومقدونيا مرة أخرى، وأن يتم نقل الجنود الفرنسيين بكامل أسلحتهم وعتادهم على نفقة ومسئولية الدولة العثمانية دون ان يعترضهم الأنجليز في البحر. وأثناء المحادثات وصل الى علم الجانب الفرنسي احتلال العثمانيين لقلعة العريش وقتل الحامية الفرنسية بها (30 ديسمبر) وتقدمهم نحو القاهرة بـ25 ألف مقاتل، فتوقفت المفاوضات وحشد كليبر أكثر من 8 الاف جندي عند الصالحية و استعد للحرب، في حين عرض العثمانيين اتمام الصلح من جديد واخلاء العريش وبالفعل توجه المندوبان الفرنسيان الى العريش في 13 يناير 1800م واستأنفوا المفاوضات بعلم كليبر المرابط في الصالحية وموافقته.

وفي 24 يناير تم توقيع اتفاقية جلاء القوات الفرنسية عن مصر وتعرف باتفاقية (أو معاهدة) العريش، وقع عليها الجانب الفرنسي والجانب العثماني وتحفظ السير سيدني سميث على التوقيع رغم حضوره عشان يسيب مساحة أكبر لتدخل بلاده عند اللزوم!.. وتنص المعاهدة على:

  • جلاء الجيش الفرنسي بكامل أسلحته وعتاده ومتعلقاته عن كل المدن المصرية، ويسلم مواقعه للجيش العثماني بحالتها الراهنة وقت توقيع المعاهدة دون اي قتال من الجانبين. وكذا يتعهد الفرنسيين بعدم جباية أموال من المصريين أو ايذائهم بعد التوقيع على المعاهدة.
  • اطلاق سراح كل الأسرى المعتقلين من جانب فرنسا وتركيا، والعفو عن جميع من تعاونوا مع الفرنسيين طوال مده اقامتهم بالديار المصرية.
  • ترسل الحكومة العثمانية الى مواني الأسكندرية ودمياط السفن اللازمة لحمل الجنود بمتعلقاتهم، وتتكفل بكل مايلزم لنقل الفرنسيين الى بلادهم وسلامتهم ومؤنهم.

ووصلت الأنباء للجنرال كليبر في الصالحية في نفس اليوم (24 يناير)، فأقر على المعاهدة وكتب للمسيو بوسليج معلقا:

«ان هذه المعاهدة لم تسئ الى اي أحد سواي (!) فإن مصلحتي كانت تتطلب أن أفخر بالنصر على الصدر الأعظم في الميدان، وأن أقدم هذا الفخر على كل الأعتبارات، ولكني لا أقوم بواجبي تجاه وطني ان لم أحفظ ارواح ودماء مزيدا من الجنود في سبيل مجد شخصي.. »

وعاد كليبر للقاهرة وأمر رجاله بالأستعداد للجلاء وتنفيذ بنود المعاهدة كاملة، واصطحب معه أحد الباشوات العثمانيين ليتولة ادارة الحكومة ويشرف على تنفيذ بنود المعاهدة فإتصل بالأعيان والمشايخ وأطلعهم على المعاهدة، ووصلت بعض طلائع الجيش العثماني للقاهرة ودخلوا المدينة على دفعات، وبيحكي الجبرتي انهم بدأوا في تحصيل بعض الضرائب من المصريين في حين منعوا الجنود الفرنسيين طبقا لبنود المعاهدة، فضاق المصريين منهم وتشاجر العامة كثيرا معهم وتهربوا من الدفع فلجأوا الى مصادرة أملاك بعض التجار ووقعت كثير من المشاحنات.

5

وكان الجنرال ديزيه (أحد اطراف التوقيع على المعاهدة) من أول من بادروا بالسفر، فجمع رجاله وعتاده وأقلعوا من الأسكندرية قاصدين فرنسا في مارس 1800م، فاعترضتهم سفينة انجليزية وقبضت عليهم واودعتهم السجن بمدينة ليفرون (جنوب ايطاليا)!!.. وأرسل السير سيدني سميث قائد البحرية الأنجليزية رد حكومة بلاده على موقفها من المعاهدة بعدم قبولها الصلح واشتراطها أن يسلم الجنود الفرنسيين أنفسهم وسلاحهم للبحرية الأنجليزية كأسرى حرب!!.. ورفض كليبر وأرسل خطاب شديد اللهجة للصدر الأعظم ببلبيس مطالبا اياه بالرجوع بقواته الى مابعد العريش، وأمر كليبر قواته بالأستعداد لطرد العثمانيين من القاهرة وكل المواقع التي احتلوها في قطية والصالحية وبلبيس والسويس والمنصورة وعزبة البرج ودمياط والعريش! وحشد جيشه من جديد عند القبة لملاقاة العثمانيين بسرعة عجيبة.

p-4814-1853-Rousseau-25-heliopolis.jpg

وفي الساعة الثالثة عصر يوم 20 مارس حدثت المواجهة قرب مسلة عين شمس (معروفة في المراجع الفرنسية بموقعة هليوبوليس) بين 10 الاف من الجنود الفرنسيين بقيادة كليبر و6 الاف من الأنكشارية بقيادة ناصف باشا فكان موقفه حرجا، وبدون تنسيق انفصل نصوح باشا بفرسان الجيش تاركا المشاه وحدهم  أمام الفرنسيين وقصد احتلال القاهرة للضغط على كليبر، فلمحه كليبر وهو في موقعه بميدان القتال وكلف الجنرال رينييه باعتراضه، ودار قتال شديد بين الأتراك المنقسمين الى عدة جبهات غير منسقة، والفرنسيين اللي طوقوهم وأعملوا فيهم المدافع بلا رحمة ومنعوا فلولهم من الهرب فمات منهم مايزيد عن 4 الاف جندي وهرب الباقون الى الخانكة تتبعهم قوات كليبر. ويتقهقر الصدر الأعظم بقواته للصالحية واستمر في الأرتداد الى غزة بعد فقدان معظم جيشه.

battle_heliopolis.jpg

وعاد كليبر للقاهرة ليجد الموقف مشتعلا وتتجدد الثورة من جديد من الأهالي.. ودا موضوع تدوينة قادمة ان شاء الله فتابعونا..

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم في مصر ج2، دار المعارف 1987
  • عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الأثار في التراجم والأخبار، دار الكتب المصرية 1988

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 4
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    4
    Shares
  •  
    4
    Shares
  • 4
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

3 thoughts on “«العريش».. ومعاهدة لم تتم!

شاركنا برأيك عما قرأت!..