الشدة المستنصرية.. تلقي بمصر إلى حكم الوزراء

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 57
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    57
    Shares

مصر بلد عُرِفَ بالزراعة منذ قديم الأزل، وكانت الزراعة تعتمد قديما، ولازالت طبعا، على الريّ من مياه النيل، فكانت المحاصيل الزراعية تنقل من صعيد الأرض وأدناها للبيع في اسواق الفسطاط والأسكندرية وغيرها، فينتج حالة من رواج التجارة التي تنتج عن دورة النقد في البلاد ومن ثم يحدث الرواج التجاري.. ولكن في الأعوام التي كانت تشهد انخفاضا في مياه النيل وبالتالي لا تفيض في اغسطس وسبتمبر فتقل المحاصيل وينعدم الرواج التجاري وينتشر الفقر والجوع بين الناس!.. شهدت مصر العديد من المجاعات والشدائد على مدار تاريخها الطويل ألا ان اعظمها تقريبا ماحدث في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله (1036 – 1094م) وعرفت بـ”الشدة العظمى” أو الشدة المستنصرية، واللي قضت على زهوة الدولة وكانت ايذانا ببداية زوالها وذهاب قوتها.. ودا موضوع تدوينتنا النهاردا.. خليكو معانا..

fattimmide-army

زوال سطوة الخليفة وعلو شأن “الجند”

بعد اختفاء الحاكم بأمر الله (للمزيد طالع هنا) تولى خلفا له ابنه الخليفة الظاهر لدين الله عام 1024م وعمل منذ اليوم الأول على تلطيف العلاقات مع الشعب، فأمر بإلغاء كافة القرارات الغريبة التي اصدره والده الحاكم واثارت حفيظة المواطنين واوقعت الضرر بهم كما ذكرنا، وامر باقامة الأحتفالات في كل المناسبات الدينية والقومية على السواء لبث روح الفرح في الشارع المصري من جديد، كما امر باطعام المساكين وتوزيع الأموال على الفقراء، وكذلك نهج الخليفة التالي المستنصر بالله والذي تولى عام 1036م ولكنه كان صغير السن، ضعيف الشخصية، قليل الخبرة، فاستأثر قادة الجند بالسلطة وتنازعوا فيما بينهم على الاقطاعات، وكان الجيش الفاطمي أنذاك يتكون من عدة فصائل أكبرها المغاربة من اهل كتامة وزويلة والديلم والبرقية وغيرهم وجاءوا مع الجيش الفاطمي من تونس، والمشارقة كالترك والتركمان والأكراد والفرس وقد عظم شأنهم في الجيش منذ عهد العزيز بالله بن المعز، والسودانيين والأحباش وكان لهم وجود قوي منذ العهد الطولوني، ولأن والدة الخليفة كانت سودانية ولها تأثير قوي في الحكم فقد عظم شأن السودانيين في الجيش، وبدأت كتائب الجند في فرض سيطرتها على الخليفة وعلي باقي فرق الجيش..

“دويلات”.. داخل دولة!

فبدأت التصارع بين الكتائب والفرق على مناطق النفوذ، وخرجت الأمور من تحت سيطرة المستنصر في أمر بلغت ذروته عام 1058م فلم يعد هناك من يسيطر مكانه على الخلافات والأنقسامات الداخلية، وليس أدل على عدم الأستقرار بعد ذلك من تعاقب أكثر من اربعون وزيراً في تسع سنوات!.. وكان الخليفة يستمع لنصيحة أي انسان وأصبح صغار القوم ينضمون الى مجلسه، وواقع الأمر أن الحُكم كان في ايدي القوات التركية والتي تمكنت من طرد السودانيين بالأكراه من القاهرة، فخرجوا الى صعيد الأرض (مصر العليا) وبدأوا في ترويع الأهالي وسرقة المحاصيل الزراعية ومنع البعض منهم من زراعة اراضيهم الا بعد دفع اتاوات باهظة!.. ثم نشب صراع اخر بين الكتائب التركية والمغاربة نتج عنه انهزام المغاربة، فخرجوا من القاهرة الى أدنى الأرض (مصر السفلى) ينهبون في اراضيها ويروعون اهلها ويفرضون عليهم اتاوات ويشاركوهم في ارزاقهم. ولما خلت القاهرة (والفسطاط طبعا) للأتراك فعاثوا فيها فسادا وافسادا وقتلا ونهبا وترويعا، فضج الأهالي واشتكوا غير مرة للمستنصر الذي وقف مكتوف الأيدي لايدري ما يفعل بعد نهب كتائب الأتراك لنفائس القصر الغربي واقتحموا المكتبة النفيسة التي اسسها جده الحاكم بأمر الله وقيل انه لم يوجد مثيل لها، فكانت تحتوي على مائة ألف مخطوطة اصلية استخدمها الأتراك في اشعال الحرائق ببعض الأسواق لترويع الأهالي وألقوا ببعضها في اكوام القاذورات!..

screenshot-172

المصريون.. بين شقي الرحى!

ولما كان الصعيد في قبضة السودانيين والدلتا في قبضة المغاربة فقد انقطعت المؤن عن حاضرة البلاد، وبدأت المجاعة تبلغ اشدها في 1066م ولمدة سبع سنوات قاست منها مصر الأمرين وأصبحت قاب قوسين أو ادنى من الخراب. فكانت كتائب الجنود (اللصوص) ترعب الفلاحين وتمنعهم من مزاولة اعمالهم وزراعة اراضيهم و جني محاصيلهم وبيعها في الأسواق، أضف الى ذلك انخفاض منسوب النيل فلم يكن هناك بذره للموسم التالي فانقطعت الموارد والمؤن والبضائع التي كانت تصل الى القاهرة والفسطاط وشعر اهل المدينتين بالحاجة والحرمان، فيروي ابن اياس عن رغيف الخبز الذي صار يُباع بأكثر من عشرين دينارا (!!) والمنزل الذي تنازل عنه صاحبه في مقابل مثقالا من الدقيق، والنساء اللائي كن يبعن مجوهراتهن مقابل وجبة من الطعام ولم يكن يجدن من يعطيهن!.. ويحدثنا المقريزي عن الحمير والبغال والقطط والكلاب التي كانت تباع بثمن غالي ليأكل الناس لحمها بشراهة ونهم بدلا من الابقار التي انعدمت من الأسواق!.. والأعجب من ذلك ان الناس صاروا يخطفون ويأكلون لحم بعضهم البعض في سابقة في الأولى من نوعها في مصر.. فانتشرت الأمراض بين الناس لا تفرق بين غني أو فقير، وبدات الأوبئة تحصد الأرواح حصدا حتى صار الأموات يوميا في شوارع القاهرة وحدها بالمئات، واضطر الناس لحرق الجثث خارج المدينة للسيطرة على الامراض دون جدوى!.. حتى المستنصر نفسه رُوِيَ عنه انه بعد اقتحام الأتراك لقصره ونهبهم اياه، هجرته زوجته وابناءه وذهبوا الى بغداد هربا من الاوبئة والأنفلات الأمني، فكانت تُقدم اليه بنت احد الأعيان رغيفا من الخبز يوميا (صدقة) ابقاءا على حياته..!!

screenshot-174

الحل عند “أمير الجيوش”..!

ولم يحدث سابقا ان عرفت مصر احداثا كهذه، إذ انتهت تلك الفترة المشئومة، فكان محصول عام 1073م وفيرا، ولكن القتال كان لايزال دائرا بين فصائل الجند، فأرسل الخليفة يستدعي الأمير بدر الدين الجمالي من الشام ليوليه الوزارة في مصر ويكلفه بانقاذ البلاد من المحنة التي تمر بها، وكان ارميني الأصل بدأ حياته جنديا مملوكا وترقى في المناصب الى ان اصبح حاكم دمشق ثم واليا على عكا فكان بحق هو رجل الساعة، واشترط الجمالي على المستنصر، ان ياتي بكامل حاشيته وجنوده من الشام، وان تطلق يده في البلاد يفعل بها مايشاء دون مسائلة أو مراجعه من أحد، ووافق الخليفة!.. فجاء الجمالي عام 1074م وبدأ بمواجهة كتائب الأتراك في شوارع القاهرة، فما هي الا عشية او ضحاها وراح جميع قُوّاد الكتائب نتيجة لخدعة غادرة، واسرت كتائبه العديد من جنود الأتراك، وهكذا انتهى عهد الأرهاب في القاهرة، فتم تقليد بدر الدين الجمالي الوزراة رسميا في حفل كبير ومنحه كافة صلاحيات الحكم، فكان الأستاذ (الوزير الأكبر) وقائد الجند (أمير الجيوش) وصاحب القلم (قاضي القضاة) وداعي الدعاة (مسئول المساجد) وأمير القصر (رئيس الديوان) ومتولي الحسبة (المحتسب) وحاكم القاهرة (المحافظ).. ومن ثَم، بدأت جنوده باعادة الأمن بين الناس وبناء ماتهدم من حوانيت واسواق وازالة اثار الخراب من معالم المدينة.

a81fhzn

“الجمالي” يحكم قبضته على البلاد

وفي العام التالي تحرك الجمالي بجنوده للأقاليم، وهزم كتائب المغاربة في الدلتا والسودانيين في الصعيد بعد معارك طاحنة استخدم فيها الغدر مرة والقتال مرات، كما قضى على فلول الأعراب (البدو) التي كانت قد احتلت طرق التجارة في صحراء بلبيس وعين شمس يقطعون السبيل وينهبون القوافل، فأسر منهم الكثير ونهج منهجا لايعرف الرحمة في معاملتم وازهق ارواح الكثير منهم بعد استسلامهم، فعاد الأمان في كل انحاء البلاد من الأسكندرية الى اسوان بنهاية عام 1077م، وبدأ الفلاحون في زراعة ارضهم بحريّة وتدفقت المحاصيل في العام التالي الى اسواق الفسطاط والقاهرة فزادت موارد الدولة واستردت البلاد نشاطها وحيويتها من جديد.

وفي الواقع ان القاهرة استفادت استفادة كبيرة من سياسة الوزير بدر الدين الجمالي البعيدة المدى، فقد بلغت عامها المئوي تقريبا وهي لاتزال مدينة يسكنها الخليفة وخاصته وجنده فقط، في حين كان المصريين لايزالون يسكنون الفسطاط، ولم يمتد العمراني الأهلي الى القاهرة بعد. فبدأ الجمالي في توسعه القاهرة بعد طرده لأغلب فلول الأتراك والمغاربة من المدينة، فهدم بواقي السور الأصلي الذي بناه القائد جوهر الصقلي عام 970م من الآجر وبنى سورا أخر من كتل الحجر الجيري، فالبلاد كانت في حاجة ماسة الى التحصين بعد توارد الأنباء بسقوط الكثير من المدن الشامية في ايدي السلاجقة ونيتهم لغزو مصر، فاختفت ثنايا المدينة القديمة وزادت مساحتها واعيد بناء الأبواب الثلاثة الشهيرة بتصميم جديد وشكل عصري (انذاك) ليسهل استخدامهم في الدفاع عن المدينة وقت الحصار، واصبحت تحيط بمساحة اكبر من المساحة القديمة. فصارت المدينة أكثر امانا وبها العديد من دور الأتراك الخاوية بعد زوال اصحابها، فنزح الكثير من اهل الفسطاط للأقامة بها، وسكنوها الى جانب الأرمن والأورام من جند الجمالي. وإلى اليوم لاتزال بقايا ذلك السور القديم موجودة في اماكن عديدة ما بين باب النصر وباب الفتوح والى الجنوب عند باب زويلة ويؤكد السير ستانلي لين بول في دراسته الرائعة (سيرة القاهرة) ان اغلب حوائط هذا السور كان لايزال موجودا حتى 1842م في الأزبكية حيث تمت ازالته لتوسعة المدينة وازدياد النسيج العمراني بها، كما بنى المشهد الجيوشي على قمة عالية بجبل المقطم لأستعراض الجند، وان كان بني بمئذنة وقبة على غرار المساجد ولكنه لم يستخدم كمسجد في اي وقت من الأوقات، أما الأبواب الثلاثة المشهورة فلم يطرأ عليها تغيير كبير، ففي باب زويلة تم اضافة مآذن لجامع المؤيد شيخ اعلى الباب في العصر المملوكي، فكانت من اكبر معالم القاهرة واشهر الأثار الفاطمية الباقية الى يومنا هذا.

الدولة الفاطمية وبداية عصر جديد..

وبتولي الوزير بدر الدين الجمالي بدأ عصر جديد يطلق عليه المؤرخون (عصر الوزراء) ويتميز بزوال كافة صلاحيات الحكم من يد الخليفة (كما ذكرنا) وتركزها في يد الوزير يمارسها كلها مجتمعة او يوزع منها ما يشاء على عمّال ومعاونين يختارهم بعناية وحرص شديد، فصار منصب الخليفة كملكة انجلترا في العصر الحديث، وشهد عام 1094م وفاة الوزير بدر الدين الجمالي والخليفة المستنصر ايضا، وتولى الخلافة المستعلي خلفا له، بينما تولى الوزارة الأفضل بن بدر الدين الجمالي والذي حكم مصر حتى عام 1121م حيث دبر الخليفة الأمر بأحكام الله لأغتياله وصادر أمواله لتعود السلطة له من جديد كخليفة يملك ويحكم، ولكنه اتبع سياسة خاطئة في معاملة الأمراء وقادة الجيش وعمال القصر مما دفعهم لقتله عام 1130م وتولى من بعده الحافظ لدين الله والذي تنازل بدوره من جديد عن السلطة الى ابو علي بن الأفضل والذي ولاه وزيرا متسلطا عام 1131م طمعا في راحة البال وبُعدا عن القتل فعادت السلطة للوزراء من جديد، وحينما قُتل الوزير بن الأفضل بدوره وهو يلعب الصوالجة (البولو) اصبح يانس الأرميني وهوا احد مماليك الأفضل وزيرا، وجاء من بعده الوزير بهرام عام 1137م وهو مسيحي ارميني ايضا فتزايد نفوذ الأرمن في كل المناصب الحكومية والدواوين، وكان لذلك رد فعل طبيعي عند العامة والخليفة، فحدثت بعض احداث الشغب نتج عنها طرد بهرام ومعه الفان من الأرمن من كل انحاء القاهرة الى بلاد الشام عام 1150م، فزال نفوذهم بعد ان حكموا البلاد بحكمة وبُعد نظر، لتذهب الى وزير اخر وهو الأمير طلائع بن رُزيك، وهنواصل كلامنا عنه في تدوينة اخرى ان شاء الله.. فتابعونا

390

وهكذا كانت الأحداث السابقة دليلا على ان خلافة الفاطميين في القاهرة لا جلال لها، ولا تحظى باحترام حقيقي في نفوس الناس ولا الوزراء على حد سواء، وعلى الرغم من ان بغداد كانت تعرف الخلفاء الأسميين منذ زمن طويل ألا انها كانت أكثر اجلالا واحتراما عند الناس والأمراء اكثر من نظرائهم على ضفاف النيل.. في مصر المحروسة.

مراجع:

  • ستانلي لين بول – سيرة القاهرة – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997
  • جمال الدين الشيال – مصر الأسلامية ج1 – دار المعارف 2007
  • المقريزي – اغاثة الأمة بكشف الغمة – كتاب الهلال 1990
  • المقريزي – إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا – المجلس الأعلى للشئون الأسلامية 1996
  • محمد عبد الله عنان – مصر الأسلامية وتاريخ الخطط المصرية – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 57
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    57
    Shares
  •  
    57
    Shares
  • 57
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

2 thoughts on “الشدة المستنصرية.. تلقي بمصر إلى حكم الوزراء

شاركنا برأيك عما قرأت!..