السلطان عبد العزيز الاول يزور مصر.. ويواجه ثائرا من الأزهر!

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 15
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    15
    Shares

ما ان جلس الأمير الشاب اسماعيل باشا على اريكة السلطة في بر مصر المحروسة، عمل أول ماعمل على تحرير مصر من قبضة الأستانة، لتنفيذ مشروعه التوسعي وان يجعل بلاده قطعة من اوروبا كما كان يحلم. وأول خطوة اتخذها في هذا الأمر هي ازالة اسباب الجفاء بين القاهرة والاستانة، والذي بلغ ذروته اثر فرمان عام 1841م، فماذا فعل؟.. دا موضوع تدوينة اليوم، خليكو معانا..

“عبد العزيز” يفي بوعده..

تولى اسماعيل باشا السلطة رسميا في 18 يناير عام 1863م، وقبل أن يرد فرمان الولاية من الأستانة، سافر الامير الشاب على رأس وفد كبير لتقديم فروض الولاء والطاعة بين يدي السلطان عبد العزيز الاول، وتقديم الهدايا (الرشاوي) الى السلطان وحاشيته بغرض التودد وكسر فتور العلاقات القديمة، ودعاه الى زيارة مصر ليرى بنفسه انها تغيرت كثيرا عن ذي قبل، رغم ان اسماعيل لم يكن قد بدأ سياسته الأصلاحية بعد، ووعده السلطان بالزيارة، وبالفعل أبر بوعده في ابريل من العام نفسه، ليس لأنه يجب عليه ذلك، ولكن بغرض تجديد ولاء المصريين للأستانة بعد ان نشأت اجيال منهم لا تعرف الا الولاء لمحمد علي واسرته فقط، ايضا للاستفادة من خيرات مصر في اخراج الدولة العثمانية من ازمتها الأقتصادية في ذلك الوقت. واستعد اسماعيل لهذه الزيارة بميزانية مفتوحه، بغرض الضغط على السلطان للموافقة على بعض الأمور بشأن نظام ولاية العهد في مصر ومنح الوالي بعض الصلاحيات الجديدة لم تكن له فيما قبل.

وكان عبد العزيز هو السلطان العثماني الوحيد الذي جاء مصر زائرا، بعد جده السلطان سليم الأول الذي دخل مصر غازيا عام 1517م، فكانت هذه الزيارة تكريما كبيرا لأسماعيل وتعظيما لشأنه. فاغتنم الأخير تلك الفرصة وطلب من السلطان الموافقة على تغيير نظام ولاية العهد في مصر ليكون في أكبر ابناء اسماعيل من الذكور، بدلا من ان يكون من اكبر افراد اسرة محمد علي سناً عملا بالعرف المتبع في ولاية عرش الأستانة. ووافق السلطان لرغبته في تغيير نظام ولاية العرش في بلاده ليفتح لنفسه السبيل ولكنه فشل في مسعاه!..

مكاسب اسماعيل من زيارة السلطان..

أيضا طلب اسماعيل من السلطان منح حاكم مصر لقب خديوي Khedive وهو لقب فارسي الأصل بمعنى “أمير”، وأن يخاطب رسميا في المكاتبات بدرجة موازية لـلصدر الأعظم وبلفظ (فخامتلو). وقد وافق عليه السلطان بدأاً من عام 1866م مما منح حاكم مصر درجة اعلى من مجرد والي على بلاد تابعة للدولة العثمانية، الى جانب شيئا من الأستقلالية عن الأستانة تمثلت في ادارة بعض الشئون الداخلية، والحق في مخاطبة ملوك وامراء البلاد الأخرى (الأوروبية)، وابرام المعاهدات والإتفاقيات دون الرجوع للسلطان اضافة الى التمثيل الدبلوماسي المستقل عن حكومة الأستانة. وأمام الهدايا والتحف النادرة من اثار الفراعنة أو الأموال التي اغدقها اسماعيل على السلطان وحاشيته، والتي يروي المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي انها ملأت سفينة كبيرة بأكملها، الى جانب اكثر من مليون جنيه للسلطان نفسه وأكثر من 100 الف جنيه للصدر الأعظم وحده ليكون سندا وعونا له في اقناع السلطان بالموافقة. ومقابل تلك الموافقة اشترط السلطان زيادة خراج مصر من 400 الف ريال عثماني الى 750 الف سنويا (تقريبا الضعف)، على الا تدفعها مصر لتركيا بل لدائنيها من الدول الأوربية!.. ووافق اسماعيل، وبموجب موافقته هذه ظلت مصر تدفع اقساط ديون تركيا حتى بعد زوال سيادتها على مصر في عام 1914م.. أي ان اسماعيل كي يضمن ولاية العهد في عقبه تسبب في دخول البلاد في ديون لا طائل من وراءها استمرت حتى عام 1941م.. فلا يموت الدين طالما وراءه مُطالب!..

وكان الأميران مصطفى فاضل ومحمد عبد الحليم (من ابناء محمد علي ) قد بلغ مسعاهم لدى السلطان ان بذلا كثيرا من المال، لتفشل مساعي اسماعيل في تغيير نظام ولاية العهد، فلا تؤول لأبناءه ويحرما هم وباقي اسرة محمد علي منها. وتقبل السلطان منهما الأموال والعطايا ووعدهما بالنظر في الأمر، ولكن حقيقة الأمر ان اسماعيل كان اكثر مالاً وأجزل عطاءاً. فتلقى السلطان الأموال من الجميع ولكنه وافق اسماعيل على رغبته في النهاية!..

مكاسب السلطان من زيارته لمصر

كما قلنا ان السلطان عبد العزيز لم يوافق على زيارة مصر استجابة لدعوة واليها اسماعيل باشا، ولكن كانت هناك اغراض اخرى اهمها تأكيد ولاية الأستانة على القاهرة، وتجديد فكرة ولاء المصريين للسلطان اولا ومن بعده لأسرة محمد علي. أيضا كان السلطان قد بدأ في بلاده خطة اصلاحية عرفت بـ”الخط الهمايوني” للنهوض ببلاده ومجاراة التقدم الحديث، وقد وصل الى اسماعه ان مصر قد صار بها صناعات حديثة وطرق ممهدة بين البلاد وخطوط سكك حديدية وتلغراف، وكل هذا لم يكن قد وصل الى بلاده بعد!.. فقرر أن يرى بعينه ويستفيد من تجارب غيره. ايضا نجاح السلطان في زيادة خراج مصر السنوي وهذا ولا شك يساهم في انقاذ بلاده من ازمة اقتصادية كبيرة.

واستقل السلطان يخته السلطاني “فيض جهاد” ووصل الى قصر رأس التين بالاسكندرية في 7 ابريل من العام نفسه، استقبله الخديوي اسماعيل هو والوفد المرافق له استقبالا رسميا، ثم استقلا القطار الملكي الى القاهرة، ولم يكن السلطان (كما قلنا) قد رأى قطارا من قبل، حط به رحلته في قصر الجوهرة (القلعة) حيث صلى السلطان الجمعة في مسجد محمد علي باشا وزار ضريحه الموجود به.

وشملت زيارة السلطان الإشراف على خروج المحمل الشريف الى مكة المكرمة، ويعد السلطان عبد العزيز هو السلطان الوحيد تقريبا في آل عثمان الذي شهد بنفسه خروج المحمل، رغم انه كأسلافه يحمل لقب “خادم الحرمين الشريفين”!!.. كما زار عددا من امراء بيت محمد علي باشا مثل الأمير حليم وبعض كريمات محمد علي، وايضا قصر الجزيرة لرؤية انجال الخديوي اسماعيل، الامير توفيق والامير حسن، واثنى عليهم وعلى مستواهم الثقافي والتعليمي، كما زار الأهرامات ومعه الخديوي وبعض امراء البيت العثماني والأسرة العلوية، وأعجب بها كثيرا واخد يستفهم عن تاريخها ومن بناها ومالغرض من ذلك. وفي يوم 15 ابريل تجهز السلطان للعودة الى الأسكندرية ليغادرها الى بلاده في يوم 16 ابريل.

بروتوكول مقابلة “الخليفة” يخرقه ثائر ازهري!

وهكذا كما رأينا، أكرم اسماعيل نزل ضيفه، وأعد له فور وصوله للقاهرة وفدا من اكابر المصريين لمقابلته من ضمنهم اربعة من علماء الأزهر، ولكن لقاءهم لا يعني مثلا ان السلطان سيتحاور معهم في شئون الإسلام والمسلمين مثلا، لأنه لم يكن يتحدث العربية من الاساس، ولا هم ايضا يتحدثون التركية. ولكن اللقاء انهم سيدخلون القاعة عليه لدقيقة واحدة يلقون عليه التحية ويعودون ركوعا من حيث أتوا!.. والحكاية يرويها المؤرخ الكبير جمال بدوي في كتابه (مصر من نافذة التاريخ)، نقلا عن المؤرخ إلياس الأيوبي، ان اسماعيل دأب يُعلم هؤلاء المشايخ الأربعة بروتوكول المثول بين يدي السلطان، ان عليهم الأنحناء وتطويح الأيدي من اسفل لأعلى حتى تلامس الرأس، والقاء التحية والعودة الى حيث اتوا بظهورهم، فلا يجب ان يراها السلطان ابدا، ولا يرفع احدا منهم عينيه في عيني السلطان ولكن يحرص ان يكون نظره محل قدميه طوال الزيارة!.. وظل موظفي البروتوكول يدربون الشيوخ الأربعة على تلك الحركات عدة مرات حتى اخبروا اسماعيل ان “كله تمام”!.. ووقف اسماعيل خلف السلطان الجالس على الأريكة في صدر قاعة العرش، ومن الناحية الأخرى الصدر الأعظم يرقب الزيارة، واصطفت الحاشية على جانبي القاعة. ودخل الوفد واحد يلو الأخر يسلم على السلطان وهو يرد سلامه ويعود من حيث اتى بظهره حسبما تمليه عليه القواعد المتبعة، حتى جاء دور الشيخ علي العدوي من مشايخ الأزهر الشريف وحدث مالم يتوقعه اسماعيل ولا السلطان نفسه!..

ولما اتى دور الشيخ، دخل وانحنى مثل الأخرين ولكنه سرعان مارفع قامته وسار نحو السلطان بخطى واثقة، يدق حذاؤه الضخم على رخام القاعة بثقة، وينظر نحو السلطان بابتسامة من وجهه قابلتها نظرة امتقاع من وجه اسماعيل واندهاش من السلطان!.. فلما وصل الشيخ الى ان اصبح بينه وبين السلطان امتارا قليلة، وقف الشيخ وقال: “السلام عليك يا أمير المؤمين ورحمة الله وبركاته”.. فابتسم السلطان ورد التحية: “وعليكم السلام”.. وهنا سقط قلب اسماعيل بين قدميه، ونظر الى الصدر الأعظم بدهشة، ولكن رد السلطان عليه جعلهما لا يتخدان اية رد فعل تجاه الشيخ الجرئ..

ثم انطلق الشيخ يخاطب السلطان فيما يجب عليه نحو رعاياه في كافة البلاد، بصفته خليفة المسلمين ومسئولا عن شئون رعيته من أقصى الى أقصى.. وأكد له ان ثوابه عند الله عظيماً بمقدار ثقل تلك المهمة الجسيمة، وان عقابه ايضا سيكون عظيما على قدر احتماله لتلك الأمانة التي حملها ابائه واجداده قبل ان يحملها هو راضيا مُريدا..

وهنا كاد اسماعيل ان يركل الشيخ بقدمه لولا هيبة السلطان، ثم ختم الشيخ كلامه بالسلام على رسول الله صلى الله عليه سلم، وانحنى امام السلطان للمرة الأخيرة، ثم استدار ومشى بوجهه لا بظهره حتى بلغ باب القاعة واختفى!.. وتوعد اسماعيل الشيخ بأقسى العقاب، لولا ان السلطان مال عليه وسأله بالتركية: “من الشيخ؟”.. فرد اسماعيل: “انه من افضل علماء الأزهر، ولكني لم اكن اعرف انه ابله.. مجذوب!”.. فرد السلطان عبد العزيز: “لا.. ليس مجذوبا، فإني لم ينشرح صدري لأحد من قبل مثلما انشرح لمقابلته.. لعل أحدا يترجم لي ما قال لأفهمه جيدا..” وأمر له بخلعة سنية وجائزة ألف جنيه!..

أما الشيخ العدوي فخرج الى اقرانه الذين اخذوا يلومونه على مافعل، ويتوعدونه ماسيتلقاه من عقاب الوالي، ولكنه قال لهم: “مابالكم؟.. أما انا فقد قابلت خليفة المسلمين، وذكرته بما قد تكون الأيام الطوال قد أنسته اياه.. أما أنتم فكأنكم قابلتم صنماً، أو عبدتم وثناً..!”

وحقاً أخطأ اسماعيل حين وصف الشيخ العدوي بـ”المجذوب”، وصدق حدس السلطان التركي رغم انه لا يعرف العربية ولم يفهم كلمات الشيخ!.. ولكن صِدق كلماته قد تخطت حاجز اللغات ودخلت إلى قلب السلطان دون ان تمر على عقله. فالشيخ العدوي شيخا جليلا يعرف قدر نفسه، وقدر العلم الذي يحمله بين جنباته، وقدر الأمانة التي تفرض عليه ان يكون شجاعا في الحق، ولو كان امام اعلى المناصب.. خليفة المسلمين!.. وبعد حوالي عشرين عاما، يقف الشيخ العدوي موقفا جللا من الثورة العرابية والخديوي توفيق، فقد اشتهر بالقوة وكانت اكبر دليل على شجاعته في الحق.. ولنا في هذه تدوينة لاحقة، فتابعونا..

شارع عبد العزيز الأول – القاهرة

لو اعجبتك التدوينة واضافت الى معلوماتك التاريخية، لطفا شيرها لأصدقاءك للفائدة، ولا تنسى ان تشارك برأيك في تعليق والأشتراك بحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة الموجودة جانبا.. وشكرا.

مراجع:

  • جمال بدوي، مصر من ذاكرة التاريخ، الهيئة العامة للكتاب، 1995
  • الياس الأيوبي، تاريخ مصر في عهد الخديوي اسماعيل، مؤسسة هنداوي 2013
  • ذاكرة مصر المعاصرة، عدد أكتوبر 2009

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 15
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    15
    Shares
  •  
    15
    Shares
  • 15
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..