الأسطول العثماني في الإسكندرية.. سياسة بلا أخلاق!

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 19
  • 3
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    22
    Shares

في عام 1839م كانت جيوش محمد علي باشا توالى انتصاراتها على القوات العثمانية واحدا يلو الأخر كانت اخرهم معركة نزيب (نصيبين)، حيث كان انتصارا ساحقا فانفتح الطريق الى الأستانة، وصارت جيوش محمد علي تهدد بزوال الدولة العليّة!.. فتوفي السلطان محمود الثاني كمدا، وتولى من بعده غلاما في السابعة عشر من عمره هو السلطان عبد المجيد الأول، فأصدر مرسوما بتعيين خورشيد باشا صدرا أعظم، وله في ذلك حكمة.. ولكن في نفس الوقت حدث مالم يتوقعه أحد وكان ضربة قاصمة لبني عثمان.. فماهو؟.. خليكو معانا..

الوالي المطرود يعود صدراً أعظم!..

كان اختيار السلطان الشاب لخورشيد باشا في منصب الصدارة لم يأت من فراغ، ولكن قبل هذه الأحداث بما يفوق 35 عاما، كان خورشيد باشا واليا على مصر، في حين كان محمد علي “سرجشمة” جنديا ألبانيا نجح بالحيلة ان يؤلب زعماء الشعب في ذلك الوقت ان ينقلبوا على واليهم ويطالبون بعزله ويختارون اياه واليا عليهم خلفا لخورشيد الذي فشل في كبح جماح الألباني الماكر، وايضا احتواء الجموع الثائرة، حتى جاء الفرمان من الأستانة ممهورا بتوقيع السلطان بعزل خورشيد باشا وتعيين محمد علي “باشا” واليا على مصر، فعاد خورشيد الى تركيا يقطر حقدا على محمد علي ويتحين الفرصة للانتقام منه!

الجيش المصري في حملة الحجاز

وقبل ان تتحرك جيوش محمد علي باشا المنتصرة وتحتل الأستانة، كانت رؤية السلطان بتولية خورشيد باشا، ولعلها بناء على مشورة معاونيه، لأنه في نظره هو الجدير بمواجهة ألاعيب محمد علي والمحافظة على الكيان العثماني الذي استمر لأكثر من 500 عاما من الزوال!.. ولكن حقيقة الأمر ان خورشيد باشا لم يكن شخصا محبوبا في تركيا، بل كان على خلاف مع كافة رجال الأدارة العثمانية وأولهم أحمد فوزي باشا قبودان قائد الأسطول التركي، والذي ما ان سمع بخبر توليه الصدارة حتى اوجس في نفسه خيفه وأضمر الشر تجاهه لخلاف قديم بينهما، وتوقع شراً من الصدر الأعظم، وأدرك انه اما مقتول او معتقل!

محمد علي باشا يتابع بناء الأسطول

وكان العرف في الدولة العثمانية في المراحل الأنتقالية من سلطان الى اخر، او صدر أعظم الى اخر، ان تكون نعمة على بعض من موظفي القصر والحكومة، ونقمة على البعض الأخر حسب درجة اتفاقهم مع رجال النظام الجديد. وماكان اسهل التخلص من الأعداء عن طريق التصفية الجسدية او المؤامرات، ولذا حق لقبودان الأسطول ان يخشى على حياته، مما دفعه الى ان يستمع الى مشورة بعض رفاقه، فأبحر بأسطوله بالكامل (21 الف بحار على متن أكثر من 80 سفينة) من مياة البسفور قاصدا شواطئ الإسكندرية ليضعوا انفسهم تحت إمرة والي مصر، هربا من زبانية الأستانة!.. واستقبلهم والي مصر بكثير من الحفاوة الترحاب، فهو يعلم انه بانضمام هذا العدد من السفن ومشاة البحرية الى اسطوله صارت له قوة لا تقهر في مياة المتوسط. فأحسن استقبال فوزي باشا بشكل لا يوصف، وأكرم نزله بشكل لم يتوقعه، ولكن الرياح دائما تأتي بما لا تشتهي سفن الوالي أو أمير البحر التركي.

مؤتمر لندن 1840م

ولعبت الدول الأوربية بزعامة انجلترا لعبتها الدنيئة مع والي مصر بغرض “قصقصة” ريش النسر قبل ان يفرد اجنحته ويطير عاليا، ويمدها على الحجاز والشام والسودان وجنوب الأناضول اضافة الى مصر. واتفقت الدول الأوروبية على ابرام معاهدة لندن عام 1840م والتي اعادت الجيوش المصرية الى معاقلها الأصلية. فتشجع السلطان الشاب وأصدر فرمانا عام 1841 يحدد العلاقة بينه وبين مصر في ضوء قرارات المؤتمر، ويرسم حدود الدولة الجديدة بشكل قبله محمد علي بضغوط اوروبية شديدة. وكان من بين بنود الفرمان اعادة الأسطول التركي الى مياة البسفور بعد ان منح كافة الجنود عفوا عاما باستثناء قائده احمد فوزي باشا، فوجب عليه ان يسلم نفسه ليلقى جزاء خيانته!..

“قسمت.. قسمت..!”

وتحرج محمد علي بشكل كبير، فهو الأن في موقف المرغم الذي لا يستطيع الا تلبية اوامر السلطان، ومن خلفه الدول الأوروبية!.. وهو الذي منح الحماية من قبل للقبودان التركي الذي إلتجأ إليه، فلو سلمه اليوم ستضيع هيبته بين اتباعه قبل الأمم الأخرى، وأغلب اتباعه كانوا من الترك. وكأن السلطان قد قرأ ذلك الحرج وهو جالس على اريكته في الأستانة، فأرسل اليه انه لا يهمه تسليم القبودان حياً، فالمهم لديه ان يدفع ثمن خيانته سواءا في مصر او الأستانة لا يهم.. فكلها بلاد السلطان!..

وفهم الوالي مغزى الأشارة، فنهض الى خزانته الخاصة، واخرج منها قنينة صغيره يعرفها جيدا، واستدعى احد رجال خاصته واعطاه القنينة وكلفه بمهمة التفاهم مع فوزي باشا ليخرج والي مصر من ورطته!.. وذهب الرسول الى مقر اقامة فوزي باشا، وأخد يتباسط معه في الحديث وهو يحاوره في متاعب الحياة الدنيا، وانها مهما عظمت الى زوال. وان النعيم الحقيقي في الأخرة، وما عند الله خير وأبقى.. وأنه يحسن للمرء أن يكون مستعدا للقاء وجه ربه في اي لحظة شاء فيها المولى عز وجل ان يستدعيه.. وما اسهل الموت اذا جاء الإنسان في جرعة ماء مثلا، او فنجان قهوة..!

وفهم القبودان معنى الكلام، فقام من مجلسه ليتوضأ ويصلي ركعتين، وختم الصلاة بالدعاء والإستغفار.. ثم التفت الى فنجان القهوة الموضوع أمامه، وتناوله فتجرعه في صبر واستسلام وهو يتمتم بالتركية: “قسمت.. قسمت..!”

ما رأيك في موقف محمد علي تجاه احمد فوزي باشا؟.. هل كان عليه حمايته الى درجة اقصى من هذا؟ بغض النظر عن تسليم الأسطول التركي فهو أمر لا جدال فيه.. ولكن منح الحماية او حق اللجوء السياسي للأفراد يمنحه الحق في الدفاع عمن هم في حمايته الى اقصى درجة.. شارك برأيك في التعليقات!!

لو اعجبتك التدوينة واضافت الى معلوماتك التاريخية، لطفا شيرها لأصدقاءك للفائدة، ولا تنسى ان تشارك برأيك في تعليق والأشتراك بحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة الموجودة جانبا.. وشكرا.

مراجع: جمال بدوي، مصر من نافذة التاريخ، الهيئة العامة للكتاب 1995


شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 19
  • 3
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    22
    Shares
  •  
    22
    Shares
  • 19
  • 3
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..