أسرة «قلاوون».. شذوذ عن القاعدة!

الحروب الصليبية مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 25
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    25
    Shares

عشر سنوات مرت بين قيام دولة المماليك في مصر باتفاق الأمراء على تولية الملكة شجر الدر للسلطنة في 1250م، وتولي الظاهر بيبرس السلطة باتفاق الأمراء ايضا في 1260م كانت كافية لتثبيت اركان الدولة الجديدة وتقوية دعائمها، بعد ان كتبت شهادة ميلادها بانتصار قوي على الجيش الفرنسي الصليبي في معركة المنصورة عام 1250م ثم أتبعته بنصر عظيم على جيش المغول في عين جالوت عام 1260م، فصارت تقريبا هي الجيش القوي.. بل الوحيد في منطقة الشرق الأوسط، يدافع به المماليك عن وجودهم وسلطانهم وعن البلاد من ان تسحقها اقدام المغول أو تجتزها سيوف الصليبيين. تولى بعدها سلطان وضع الأسس والنظم الداخلية والخارجية التي سارت عليها الدولة الجديدة، وكان دور من خلفوه أن يحافظوا على هذا الكيان وتلك المكاسب.. ودا موضوع تدوينة اليوم وهاتكون قصيرة مش زي كل مرة، خليكو معانا..

حدود دولة المماليك البحرية.png

سبق وأن تحدثنا عن نظرية وراثة السلطة عند المماليك بأنها نظرية غير مقبولة!.. فالمماليك عامة نشأوا نشأة واحدة ولاءهم لأستاذهم الذي رباهم وتدرجوا لديه في المناصب الى ان منحهم الحرية ثم الأمارة، فلو مات غالبا مايكون ولائهم لخشداشهم (زميلهم) الأكبر أو أتابك العسكر، وليس لأبن استاذهم الذي غالبا لا يعرفونه ولا يعرفون طبائعه، فقد يكون له مماليك أخرين يمنحهم السلطة والإمارة غير مماليك أبيه (كما حدث مع تورانشاه بن الصالح أيوب) أو قد يكون غير مؤهلا للسلطة (كما حدث مع المنصور ابن المعز أيبك طالع هنا) أو ليس قويا بما فيه الكفاية لقيادة المماليك (مثل أبناء الظاهر بيبرس) في ظل مؤامرات داخلية وأخطار خارجية لا تنقطع في اغلب الأحيان. لذا فيكون الرأي بينهم لأختيار من يخلف السلطان، فيحلف له الجميع بالسمع والطاعة ويتعاملون معه بشيء من الندية ألا يبرم أمرا الا بمشورتهم وموافقتهم.. وقد سارت تلك القاعدة تقريبا طوال حكم المماليك الممتد لأكثر من 260 عاما، وتعتبر أسرة «قلاوون» هي الشذوذ الوحيد عن تلك القاعدة والتي حكمت لثلاثة أجيال متصلة.. (للمزيد من مصطلحات العصر المملوكي طالع هنا)

207000_Large_20140226104302_7

ويعود اصل السلطان قلاوون الى بلاد القبجاق (القوقاز)، انضم لفرقة المماليك البحرية أو رجال الملك الصالح نجم الدين أيوب بعد عام 1240م، عرف باسم «قلاوون الألفي» وذلك نسبةً إلى قيمته، فقد ‏اشتراه أستاذه الأمين علاء الدين بألف دينار وهو مبلغ كبير وذلك ‏لحسن سيرته. بيقول ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة ان المعنى الحرفي لكلمة قلاوون Kalavun هي (بطة) ودا راجع لإنه اختار رأس البطة رَنک (أو شعار) له في بداية حياته مع الفروسية وبعدين تغير الشعار دا وأختار (زهرة الزنبق). وكان الأمير قلاوون صديقا للسلطان بيبرس، نشأا معا وقدم أوراق اعتماده في معركة المنصورة، وتركا مصر سويا هربا من بطش أيبك عام 1254م ثم عادا بعد أن عفا عنهم السلطان قطز في 1259م، وشهد واقعة عين جالوت ثم تولية بيبرس السلطة عام 1260م وتدرج في المناصب بعد ذلك، فكان من كبار الأمراء أصحاب النفوذ في دولة بيبرس، وشهد كفاح بيبرس بأكمله ضد الفرنجة والمغول طيلة 17 عاما، حتى بويع بالسلطنة في نوفمبر 1279م خلفاً للملك الصغير العادل بدر الدين سُلامش بن السلطان بيبرس، وتلقب بالملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي. وكعادة كل الأمراء المماليك، قال قلاوون لباقي الأمراء: «أنا ما خلعت الملك السعيد طمعاً في السلطنة، والأولى ألا يخرج الأمر عن ذرية الملك الظاهر.. »، فحكم في البداية أتابكا (أميرا) للجيش مدبرا للدولة ومعه قاضى القضاة برهان الدين السنجارى وزيراً وعز الدين أيبك الأفرم نائبا للسلطنة وكان السلطان هو سلامش بن الظاهر بيبرس وكان في السابعة من عمره. وكُتب إلى الشام بما تم فحلف الناس بدمشق كما وقع الحلف بمصر فأصبح قلاوون هو الحاكم الفعلى للبلاد وأمر بأن يُخطب بإسمه واسم سُلامش معاً في المساجد وبأن يُضرب اسمه مع اسمه على السّكة (النقود). وأيضا كعادة كل الأمراء المماليك، شرع في اعتقال الأمراء الظاهرية (مماليك بيبرس) وإيداعهم السجون بينما راح يستميل باقي المماليك الصالحية ويمنحهم الاقطاعات والوظائف والهبات بهدف سيطرته الكاملة على البلاد تمهيداً لاعتلاءه تخت (عرش) السلطنة. ولما أحس قلاوون أن البلاد قد صارت في قبضته بالكامل استدعى الأمراء والقضاة والأعيان بقلعة الجبل وقال لهم: «قد علمتم أن المملكة لا تقوم الا برجُلٍ كامل..» فوافقه المجتمعون وتم خلع سُلامش في هدوء بعد أن ظل سلطاناً اسمياً لمدة مائة يوم ونُصب قلاوون سلطاناً.

وبعد ان فرغ السلطان قلاوون من الجبهة الداخلية فشرع في محاربة الخارجين عليه كالأمير سنقر الأشقر في الشام، فأرسل اليه جيشاً بقيادة الأمير سنجر، وظلا في سجال من القتال حتى توالت الأنباء بقرب عودة المغول فكتب السلطان المنصور إلى سنقر «.. إن التتار قد أقبلوا، والمصلحة أن نتفق عليهم، لئلا يهلك المسلمون بيننا وبينهم، وإذا ملكوا البلاد لم يدعوا منا أحدا.. »، فكتب إليه سنقر بالسمع والطاعة، ودخل في لوائه لدفع الخطر الخارجي، وذهبا معا عينتاب شمال سوريا لقتال منكوتمر بن هولاكو والذي كان دخل حماه وخربها في أكتوبر 1281م، والتقى الجمعان في نهاية الشهر نفسه قرب حمص، وفي البداية اضطربت ميمنة المماليك في البداية ثم اعقبتها الميسرة، وثبت السلطان ومن معه ثباتاً عظيماً، ما حمل الأمراء والقادة على الانقضاض على جيش المغول وكسروهم كسرة عظيمة، وجرحوا ملكهم وكاد أن يؤسر، وقتلوا منهم الكثير، وكانت مقتلة تفوق الوصف، وانتهت المعركة بانتصار المماليك نصرا عظيما، ودخل السلطان المنصور دمشق في أبهة النصر في أوائل  نوفمبر 1281م وبين يديه الأسرى، وحاملين معهم رؤوس قتلى المغول على أسنة الرماح.

ثم عزم السلطان المنصور بعد ذلك على استكمال طرد الصليبيين لدفع الأخطار عن دولته، ففي 1275م استولى حصن المرقب وبانياس (شمال سوريا) وفي سنة 1289م استولى على طرابلس بلبنان الحالية بعد حصارها واستعمال المنجنيق وغنم جيشه فيها غنائم عظيمة. ثم عزم السلطان على المسير إلى عكا (اخر معقل للصليبيين في الشام) إلا أن عمره لم يمتد، فاستولى عليها ولده الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون عام 1291م، بعد معارك عظيمة خلال حصار لمدة عام تقريبا، جاء للصليبيين دعما من قبرص وانجلترا (الملك أدوارد الأول) ودعما من فرسان المعبد والأسبتارية (فرسان المستشفى) والذين كانوا يدركون تماما أنه لا وجود لهم بانتهاء الوجود الصليبي في عكا. وبالرغم من ذلك دخل الجيش المملوكي عكا في مايو 1291م فتم تحرير ساحل الشام بالكامل، ثم ذهب الى قلعة الروم بالرها (أورفا) للقضاء على مملكة ارمينيا الصغرى (أو كليكيا) وكانت أعدى اعداء المماليك (للمزيد طالع هنا) فاستولى عليها في 1292م وطردوا الصليبيين من الشرق الأسلامي بعد احتلال دام قرابة المائتي عام.

وتوفي السلطان قلاوون بقلعة الجبل بالقاهرة في نهاية عام 1290م، ودفن في ضريحه الملحق بمدرسته العظيمة في شارع بين القصرين (شارع المعز حاليا) ، ولا تزال المدرسة شامخة شاهدة على عظمة هذا السلطان وازدهار عهده. وخلفه ولده السلطان خليل وكان قوي الشخصية، استطاع قيادة الجيوش واسترداد عكا وحكم البلاد لثلاثة اعوام قبل أن يغتاله أمراء أبيه (البحرية) عام 1293م لتفضيله مماليكه (الجراكسة) عليهم، وكان في الثلاثين من عمره، قال عنه المقريزي: «كان مع ما فيه من شدة البادرة حسن النادرة، يطارح الأدباء بذهن رائق وذكاء مفرط..»، سك نقودا باسمه وظهرت فيها ألقابا لم ينقشها المماليك قديما مثل (السلطان الملك الأشرف صلاح الدنيا والدين قسيم أمير المؤمنين) و(السلطان الملك الأشرف صلاح الدين ناصر الملة المحمدية محيي الدولة العباسية) دليلا على قوته وعظمته. ثم حكم من بعده أخوه الناصر محمد بن قلاوون والذي تنازع السلطة مع بعض الأمراء كبيبرس الجاشنكير والعادل كتبغا، حتى 1341م فظل الحكم في ولد قلاوون نحو قرن من الزمان. يوجد له مسجد كبير في شارع المعز عند بوابة الفتوح.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

لطفا، لا تنسى تقييم المقال بأعلى الصفحة والمشاركة مع اصدقائك لتعم الفائدة.. وشكرا

مراجع:

  • المقريزى، السلوك لمعرفة دول الملوك، دار الكتب بالقاهرة 1996.
  • جمال الدين الشيال، تاريخ مصر الإسلامية ج2، دار المعارف 2007
  • ابن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور، الهيئة العامة للكتاب 1982
  • ستانلي لينبول، سيرة القاهرة ترجمة حسن ابراهيم حسن، الهيئة العامة للكتاب 1997

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 25
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    25
    Shares
  •  
    25
    Shares
  • 25
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

4 thoughts on “أسرة «قلاوون».. شذوذ عن القاعدة!

شاركنا برأيك فيما قرأت!..