نمو القاهرة في العهد المملوكي

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 14
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    14
    Shares

قالوا عنها انها “بلد الألف مئذنة”، بناها المعز القادم من إفريقية لتكون سكنا لجوقته وحرسه ورجال دولته، وظل اهل مصر يقطنون الفسطاط حتى كان حريقها الشهير عام 1168م بأمر الوزير شاور وجند الملك عموري قاب قوسين أو أدنى من اقتحام المدينة (للمزيد طالع هنا)، فهرع أهل مصر يحتمون بأسوار القاهرة ويفترشون شوارعها ومساجدها وحماماتها لتعمر بهم وبأبناءهم واحفادهم على مر العصور.. تدوينة اليوم عن اتساع وعمران مدينة القاهرة في عصر المماليك.. العصر الذهبي للمدينة الألفية الزاهرة.. خليكو معانا..

11325642_365756463622243_853233712_n

في العصور القديمة، كان الحاكم يبعد عن الناس لأسباب امنية بالدرجة الأولى، بعد أن اتخذ الأمير عمرو بن العاص دارا للإمارة ملاصقة للمسجد، وسط خطط القبائل التي بنت مدينة الفسطاط (أو مصر) ولكن في عصور لاحقة كانت المدينة قد اكتظت بالسكان فصار سكن الحاكم فيها معرضا للخطر من جراء الثورات وغضب العامة، فاتخذ الأمير عبد العزيز بن مروان والي مصر في العصر الأموي ضاحية حلوان سكنا له بعيد عن الفسطاط، ومن بعده جاء الأمير صالح بن علي العباسي واتخذ مدينة جديدة له ولجنوده القادمين من الشرق وسماها “العسكر” 752م ومن بعده اتخذ الأمير أحمد بن طولون مدينة “القطائع” عام 869م ومن بعده اتخذ المعز لدين الله مدينة “القاهرة” في 972م، ولما جاء صلاح الدين الأيوبي انتبه لمناعة موقع جبل المقطم في تأمين القاهرة والأشراف عليها من علِ، فبنى عليها قلعة الجبل لتأمين القاهرة عسكريا بالمقام الأول واتخذها سكنا ومقرا للحكم، وزاد من بعده آل البيت الأيوبي فيها حتى ابتعدت عن الشكل الحربي وتزينت بمظاهر العز والأبهة فصارت قصرا للسلطان والمحيطين به في العصر المملوكي، وصارت المناصب العليا من نصيب مسئولي بواباتها كوالي باب القَلّة (بفتح الـ ق وتشديد الـ ل) مثلا.

17353361_985045341595237_4326354437589618260_n.jpg

وقد تبدلت معالم المدينة كثيرا في العصر المملوكي، ففي خلال مائة عام تقريبا هي عمر الدولة الأيوبية في مصر، خربت دور الفاطميين كقصور الخلفاء الشرقي والغربي ودار الوزارة وقصور الامراء والنبلاء وابتنى العامة دورا لهم فيها أو مكانها، وماتبقى من القاهرة الفاطمية الا شارع بين القصرين والأزهر وبعض المساجد كجامع الحاكم والصالح طلائع وغيره، حتى بوابات القاهرة في العهد الفاطمي والتي ابتناها وزراءهم تبدلت بصورة كبيرة على العهد المملوكي وان كانت احتفظت بمكانها. ثم حدث في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي وعلى مدار نصف قرن تقريبا، أن تراجع نهر النيل مغيرا لمساره من ناحية الغرب فتكونت جهة الشرق بولاق حوالي عام 1300م تقريبا والتي اتخذها المماليك ميناءا تجاريا على النيل بدلا من المقس أو الفسطاط للقادم من الأسكندرية عبر النيل، كما تحطمت سفينة عظيمة على شاطئ النيل اسمها الفيل عام 1200م تقريبا (طبقا لرواية المقريزي في خططه) فتجمع حولها الطمي والرواسب من كل جهه وحبست بعض المياة خلفها تتجدد مع سريان النهر اولا بأول فعرفها العامة ببركة الفيل. وإلى الجنوب ابتنى بعض الأمراء قصورا صيفية يهرعون اليها في ايام الأوبئة وعددا من المقابر لهم ولذويهم فعرفت بصحراء المماليك.

بركة الفيل
قصور مملوكية تطل على بركة الفيل

واذا تتبعنا اتساع المدينة في السجل القديم الذي وضعه المقريزي عن بناء المساجد مما يستلزم بطبيعة الحال وجود سكان مجاورين، لوجدنا مسجد يونس 1319م ومسجد ابن الطباخ 1345م في باب اللوق، ان نهر قد ارتد عن المكان الذي كان يجري فيه قديما، وكذلك يؤكد مواضع مساجد ابن غازي 1340م ومسجد الطواشي 1344م الى الخارج من باب البحر (أو باب غرب) ثم زاوية أبو السعود 1323م خارج باب القنطرة. في حين انه حدث اتساع عظيم ناحية الغرب واقتربت المياه من اراضي كثيرة لم تكن تغمرها فيما مضى. ويصف لنا المقريزي كيف كانت تؤخذ المياة من النيل بواسطة السواقي مما يدل على ان تراجع النيل قد ثبت نسبيا بعد عام 1350م تقريبا، وظهرت احياء سكنية جديدة كحي الحسينية وأقوش وابن المغربي وغيرها مما تشهد باستساع المدينة اتساعا عظيما ناحية الشمال. نلك هي نفس الأجواء التي استمرت لقرون مضت حتى النصف الأخير من القرن التاسع عشر حينما تغير عمران المدينة بفعل الأحياء الجديدة التي اضافها الخديوي اسماعيل فغيرت وجه القاهرة تغييرا تاما.

وكان القادم من الأسكندرية راكبا السفينة عبر النيل للقاهرة يرسو ببضاعته في ميناء بولاق، ثم يحملها بالجمال مسافة ميلا واحدا تقريبا حتى تقترب من باب الحديد (ميدان رمسيس حاليا) حيث يدخل القاهرة من ناحية شمال غرب عبر طريق رئيسي بين بولاق والقاهرة فيبيت التاجر عددا من الأيام في احد فنادق القاهرة قبل استكمال رحلته للسويس فيركب البحر قاصدا شرق افريقيا أو الهند، وقد اكتسبت القاهرة في العصر المملوكي مكانة رائعة على موقع التجارة العالمية لما يقوم بها تجارها من الوساطة بين تجار المشرق والتجار الأوروبيين (تجارة الترانزيت)، وبلغ عدد الجاليات الأوروبية المقيمة في القاهرة والأسكندرية عددا كبيرا (لاسيما البنادقة والجنويين واهل بيزا والقطلان)، وكان لهم امتيازات رائعة حافظوا عليها كثيرا على مر العهود لا سيما في عهد الملك العادل والظاهر بيبرس، فكان مسموح لهم ان يبنوا فندقا خاصا بهم في الأسكندرية واخر في القاهرة، وان يعيشوا حياتهم بحرية دون التضييق عليهم من ناحية انشاء الحانات والمراقص وغيره، فكونوا مايشبه المستعمرة الخاصة بهم وكان محظورا على العامة دخولها او الأختلاط بهم الا من يسمحون له بذلك. وكانت السفينة الواحدة التي تفرغ حمولتها في بولاق تدفع ما قيمته 10 ألاف دينار قبل ان تذهب لأي وجهة شاءت، كما ابتنى المماليك عديد من المواني على اساحل البحر الأحمر لتكون بمثابة استراحات للمسافر كي لا يقطع الرحلة طويلة شاقة، فكانت عيذاب ومصوع وسواكن (السودان) وجدة (الحجاز) والقصير وينبع (مصر). وكانت تفرض رسوما تقدر بحوالي 10% من قيمة البضائع رسوما جمركية وضرائب، كما احتكر بعض كبار التجار بعض السلع لا يتاجر فيها غيرهم كالفلفل والسكر والخشب والمعادن فلا يباع الا في مستودعات حكومية بأسعار رسمية .

الأزبكية
الأزبكية وبركة الفيل

وكانت خانات القاهرة في القرن الخامس عشر تعتبر اسواقا يتلقي فيها التجار من الشرق او الغرب، وقد فطن امراء المماليك لأهمية الأستثمار العقاري في هذا الوقت فابتنوا كثيرا من الخانات والوكالات الأنيقة كوكالة الغوري ووكالة قايتباي وخان الخليلي وخان دوادار وخان مسرور وغيرهم مما تعمر بها القاهرة الى اليوم، وكان ايجار الغرفة الواحدة فيها مرتفع نسبيا عن مثيله في بلاد الشام او جنوب اوروبا. وكانت تعج بالعديد من السماسرة الذين يسعون للتوفيق بين مختلف التجار، فازدهرت الحالة الأقتصادية مما انعكس كثيرا على عمارة تلك الفترة في قصور الأمراء كقصر بِشتاك ومقعد الأمير ماماي (بيت القاضي) وكثير مما يحكي عنه المقريزي ولكنه لم يعد باقيا لليوم، كما لايزال عناك العديد من الشوارع في العصر المملوكي لاتزال باقية لليوم في نفس مكانها وتحمل نفس الأسماء القديمة التي ذكرها المقريزي منذ أكثر من خمسة قرون مضت، كشارع الصليبة وبين القصرين وحارة برجوان وسوق السلاح (بالقلعة) وخان الخليلي والدرب الأصفر والحبانية والخرنفش.

مقعد الأمير ماماي

مراجع:

  • ستانلي لين بول، سيرة القاهرة ترجمة حسن ابراهيم حسن، الهيئة العامة للكتاب 1997.

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 14
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    14
    Shares
  •  
    14
    Shares
  • 14
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

1 thought on “نمو القاهرة في العهد المملوكي

شاركنا برأيك فيما قرأت!..