نماذج مشرفة لمقاومة المحتل الفرنسي – الصعيد

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 23
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    23
    Shares

وقف صبي صغير لا يتجاوز 12 عاما امام الجنرال ديزيه قائد القوات الفرنسية في الصعيد ليسأله عمن حرضه على سرقة أسلحة الفرنسيين فقال لهم برباطة جأش: الله!.. واستغرب جدا ديزيه واعجب بشجاعة الشاب الصغير.. لكن هوا ايه الموضوع بالظبط؟.. ومين الولد دا؟.. وعمل ايه الجنرال ديزيه مع ولد صغير متهم بسرقة أسلحة الجيش الفرنسي في صعيد مصر؟.. دا موضوع تدوينة اليوم.. خليكو معانا..

وفي وجه قبلي حيث فر مراد بك بجنوده هاربا بعد معركة الأهرام (امبابة) وتعقبه الجنرال ديزيه بحملة من 5 الاف جندي، ولم تكن مقاومة الجيش الفرنسي اغلبها من قوات المماليك الهاربة ولكن من الأهالي أكثر، وكانت قوات المماليك تشتد أزرا بالأهالي فتهجم ثم تعاود وتنسحب اذا اشتد القتال، فلم يكن لها اثرا قويا في مهاجمة الفرنسيين هناك!.. ثم عاد نابليون واراد التفاوض مع مراد بك توفيرا للقتال، فأرسل له روسيتي Rosetti قنصل النمسا في مصر في 1 أغسطس (وكان صديق لمراد بك) برسالة خطية يعرض عليه الأمان، وأن يترك له الفرنسيون مديرية جرجا وما أدناها الى الشلال الأول (جنوب اسوان) ليحكمها باسم فرنسا على ان يلزمها ولا ينتقل منها لمكان اخر الا بأمر من القائد العام، وأن يدفع خراجا سنويا معلوما، وان يتعهد بحماية القوات الفرنسية ممن يعترضهم من الأهالي على ان يقدم له الفرنسيون بالمثل الحماية من اعدائه!.. وعلى الرغم من ان هذا منافيا لما أشاعه نابليون في منشوراته للأهالي بأنه جاء لمحاربة المماليك والقضاء عليهم، الا ان مراد بك رفض العرض معتزا بقوته في الصعيد، وظانا ان الفرنسيين لن يستطيعوا ان ينالوه!.. فأمر نابليون الجنرال ديزيه بالقضاء عليه ان ظفر به. فنزل ديزيه الى بني سويف اواخر اغسطس فاحتلها بدون مقاومة، واحتل البهنسا يوم 4 سبتمبر فهرب مراد بك بقواته الى اسيوط بعد ان استولى الفرنسيين على مجموعة مراكب للمماليك تحمل ذخيرة وغلال، ووصل الى المنيا (9 سبتمبر) ودريوط (12 سبتمبر) وهناك علم الجنرال ديزيه ان معظم بحارة مراد بك من الأروام فدس بينهم كثير من الرسل لإستمالتهم، ووصل ديزيه لأسيوط (14 سبتمبر) ففر المماليك جنوبا، فتوقف ديزيه عن التوغل أكثر وطلب مزيد من السفن والجنود، وعاد الى الفيوم (21 سبتمبر) حيث كان مراد بك يقوي صفوف جنوده، وكانت الملاحة في بحر يوسف صعبة ومساره المتعرج يسهل للأهالي استهداف سفن الفرنسيين، فاضطر الجنود لجر المراكب بالحبال للدخول أكثر، فرصلوا البهنسا (1 اكتوبر) لقتال قوات مراد بك جهة اللاهون، واشتبكوا مع 300 فارس من طلائع المماليك والعربان، وينزل ديزيه قواته على البر ويحمل على قوات المماليك فتتراجع بقيادة محمد بك الألفي.

Campagne-d-Egypte-Bataille-d-Aboukir--Nelson-Napoléon-Bonaparte-Mamelouk-Aboukir-pierre-de-Rosette-Monge-Berthollet-Geoffroy-Saint-Hilaire-3

وفي 7 اكتوبر وصل الجيش الفرنسي الى سدمنت (بلدة صغيرة على بحر يوسف)، وكان مراد بك قد نجح في جمع قوة كبيرة من اهالي الفيوم وتحصن في سدمنت، وهناك التقى الفرنسيين مع قوات المماليك في معركة من اشد معارك الصعيد هولاً، حيث حمل الفرسان المماليك (حوالي 4 الاف فارس) على اعدائهم بشدة وتحت قرع الطبول العالي وكادوا ان يسحقوا قوة الجنرال ديزيه لولا المدفعية الفرنسية القوية والتي فتكت بهم فتكا ذريعا!.. ويعاود المماليك الهجوم مرتين بعد ذلك وكل مرة يهربون من ضرب المدفعية الشديد. وكان مراد بك قد نصب ثمانية من المدافع الثابتة فغنمها الفرنسيين بسهولة بعد ان تفادوا مرماها المؤثر وهاجموها من الأجناب!.. وانتهت المعركة بانتصار ديزيه بعد ان خسر 500 من قواته بين قتيل وجريح وانسحاب المماليك الى (بركة الغرق) جنوب الفيوم تاركين عددا مهولا من القتلى يفوق الألف، وتعرف الواقعة في تاريخ الجبرتي وتقارير الفرنسيين باسم «معركة سدمنت»، ويعدها كثير من مؤرخي الحملة من المعارك الهامة التي اثرت بشكل كبير على تطور الأمور بالنسبة للحملة في مصر، حيث قضت على أمال مراد بك في ان ينتصر على الفرنسيين عسكريا، فلجأ الى حرب العصابات فأنهك قوى الكتائب الفرنسية وأقلق مضجعهم كثيرا. وأثناء ذلك فتك مرض (الرمد) بالجنود الفرنسيين، وكانت مياة بحر يوسف ورداءة الطقس والرمال الساخنة مترامية الأطراف من اكبر المتاعب التي واجهت الفرنسيين في حملتهم على الفيوم، وكتب ديزيه لنابليون يشكو اليه النقص في جنوده (بلغ 1500 جندي) بسبب الرمد، وتعذره في تعقب ابراهيم بك، فأنشأ مستشفى لتمريض الجنود وارسل للقاهرة اكثر من 400 منهم بحالات مستعصية، وضعف مركزه عند انحسار الفيضان عن بحر يوسف وصعوبة الملاحة فيه.

marengoo

وفي المنيا وقفت سفينة حربية في النيل في 15 اكتوبر ونزل منها بعض الجنود لشراء طعام من البلدة ورفضوا ان يدفعوا مالا مقابل الطعام، فهاج من بالسوق وقتلوا من الفرنسيين 8 جنود وجرحوا 5 فاستل الفرنسيون اسلحتهم وكادت ان تحدث مذبحة لولا ان ديزيه امرهم بالتوقف وأحال منهم من ثبت عليه اغتصاب شيئا من الأهالي لمحاكمة عسكرية، لأنه كان يخشى ان يثور الأهالي عليهم بالمزيد ويفتكون بهم قبل وصول المدد من نابليون، وينتهز مراد بك الفرصة وينقضون عليهم فكان حريصا على عدم معاداة الأهالي!.. أما مراد بك فقد رابط بقواته في الصحراء فلم يستطع الفرنسيين تعقبهم، فاستكان ديزيه وجنوده في الفيوم بعد ان انخفض عددهم لألفي جندي (بعد 5 الاف) وانشغل نابليون عن ارسال مدد لهم باخماد ثورة القاهرة الأولى التي اندلعت في 21 اكتوبر (للمزيد طالع هنا). وفي يوم 8 نوفمبر هاجمهم الفلاحون والأعراب مدعومون بفرسان المماليك (حوالي 3 الاف مقاتل حسب تقدير ديزيه) وقد عزموا على طردهم من البلدة كلها، وتأهب الفرنسيون للقتال وكان موقعهم منيعا، وأمطر الفرنسيون الأهالي الثائرين بوابل من النيران فارتد الثوار منسحبين، وعاودوا الهجوم بعد وصول مزيد من الفرسان، وارتدوا مرة اخرى امام القصف. وكانت خسائر الفرنسيين في معركة الفيوم قليلة جدا لأنهم اتخذوا موقعا دفاعيا، وكذلك كانت خسائر المماليك قليلة لأنهم كانوا في الصفوف الخلفية في الهجوم وأول المنسحبين في حين تحمل الأهالي القدر الأكبر من الخسائر (حوالي 300 بين قتيل وجريح) فأسقطوا الثقة في المماليك ورفضوا الخروج معهم مرة اخرى وكان ذلك ايذانا بالقضاء على نفوذهم وسلطتهم في البلاد.

الجيش الفرنسي في صعيد مصر

ووصل المدد أخيرا بني سويف بقيادة الجنرال داڤو Davout فقرر ديزيه ان يكتسح الصعيد، واستكمل الزحف الى جرجا في 16 ديسمبر، وفي قرية الفقاعي (مركز ببا) حيث توقفت قوة من 200 جندي لحماية المواصلات للقاهرة في انتظار المدفعية وباقي الجيش فتقدم احد اهالي القرية وكان فتى لا يتجاوز 12 عاما وغافل الجنود واستولى على اسحلتهم، ورآه جندي اخر يجري حاملا البنادق، فأدركة وضرب ذراعه بالسيف وأخذه للجنرال ديزيه فسأله عما دفعه لهذا فقال الفتى بشجاعة “ان الله قادر على كل شئ، وقد أمره بذلك”!.. فعاود الجنرال السؤال عمن حرضه، فأعاد الفتى ماقال بتأكيد، فدهش الجنرال من شجاعته وأمر بجلده بالسوط 30 جلده فأتمها الجلاد دون ان يتأوه الشاب ولا مرة واحدة!.. فعفى عنه الجنرال ديزيه اعجابا بشجاعته ولم يأمر بعقابه. عرفت هذه الحادثة بحادثة الفقاعي ووراها بدقة كلا من الجنرال بليار Belliard في يومياته ومسيو فيفان دينون Vivant Denon أحد مؤرخي الحملة، وقد رسم للحادثة صورة شهيرة وضمنها في كتاب (رحلة لمصر السفلى والعليا اثناء حملة الجنرال بونابرت Voyages dans la Basse et la Haute Egypte pendant les campagnes de Jenerale Bonaparte) – طالع هنا.

ووصل الفرنسيون الى الفشن في 17 ديسمبر، وتراجع مراد بك أكثر بقواته هربا من الفرنسيين تاركا سفنهم احداها محملة بالذخيرة فغنمها الفرنسيون، واستأنف الجيش السير فوصل الى ملوي وكانت واحدة من اهم مدن وجه قبلي وهناك غنم الفرنسيون 8 مدافع كان الأهالي يستخدمونهم في قصف سفن الفرنسيين في النيل، واستمر الجيش في زحفه الى طوخ وفتانوف ودريوط والقوصية، ثم احتل اسيوط في 25 ديسمبر، وكانت (ولا زالت) مدينة كبيرة وعظيمة بها شوارع واسعة ومستقيمة وبيوت منتظمة ونظيفة، فاتخذها الجنرال ديزيه معسكرا عاما للجنود واختار احد منازل المماليك الخاوية سكنا له. وفي 26 ديسمبر استأنف الجيش المسير جنوبا، وفيما بين جرجا واسيوط واجه الفرنسيون ثورة عارمة ولكن ديزيه قمعها قبل ان يتجمع الأهالي بصورة اكبر، وفي سوهاج في 3 يناير 1799م دارت معركة كبيرة (عرفت باسم معركة اسيوط) بين 4 الاف من الأهالي مسلحين بالبنادق والحراب يشد أزرهم 700 من الفرسان وبين جيش ديزيه الزاحف، وكان انتشار الأهالي خاطئا فكانوا فريسة سهلة لمدافع الفرنسيين التي قصفتهم بلا رحمة، فارتدوا مخلفين اكثر من 800 قتيل!.. واحتشدوا مرة اخرى في 8 يناير قرب اسيوط وقصفهم الفرنسيين بالمدافع ثم حملوا على القرى المجاورة لوأد المقاومة في قلوبهم فأضرموا النيران في عديد من المنازل وقبضوا على اكثر من 150 شخص واعدموهم!.. ووصلت سفن فرنسية قادمة من القاهرة تحمل مزيدا من الجنود والعتاد الى جرجا في 18 يناير، فانطلق ديزيه ليخوض معركة فاصلة ضد المماليك.

المراكب الفرنسية في النيل

واستقدم مراد بك عددا كبيرا من عرب الجزيرة العربية من جدة وينبع (قدرهم ديزيه بألفين مقاتل) وانضم اليه عثمان بك وحسن بك الجداوي من مماليك الصعيد (قدرهم ديزيه بسبعة الاف فارس والفين من المشاة)، الى جانب 1500 فارس قوة مراد بك فتجمع لدية مايفوق 12 الف مقاتل رابط بهم في سمهود على ترعة بهجورة، فانتقل الى هناك بجيش يتكون من 5 الاف مقاتل مزودين بالمدفعية والبنادق الحديثة، والتقى الجمعان في صباح يوم 22 يناير ونشبت معركة حامية لا تقل عن موقعة الأهرام وسدمنت اهمية، وقد استعد لها كلا من الطرفين، ولنقص المدفعية والقيادة السليمة انهزم مراد بك ومن معه وانسحابه بشكل مهين قاصدا فرشوط، وعرفت المعركة في السجلات الفرنسية باسم «معركة سمهود»، ليستأنف ديزيه المسير جنوبا ويصل الى اسوان في اول فبراير 1799م.

وفي اسوان انبهر الفرنسيون بأثار دندرة القديمة حتى قال عنها الكولونيل لاتورنيريه Latournerie قائد المدفعية في يومياته:

“منذ ان اتيت الى مصر وانا اعيش مريضا وحزينا، ولكن دندرة قد شفتني من سقمي.. والأن صرت لا أأسف على شيء وأنا في مصر، ومهما لاقيت فيها بعد الأن فإن تلك المشاهد ترد الى الحياة والسرور..”

وفي اسنا تجددت المعارك من جديد في يوم 9 فبراير بين الفرنسيين بقيادة الجنرال بليار وقوات عثمان بك، وحمل بليار على اعدائه واضطرهم الى الفرار ناحية النوبة، وترك كتيبة في دراو لأعتراض المماليك فكانت مهمتهم بعد ذلك ان يظلوا هاربين في بلاد النوبة ولا يتجدد املهم في العودة الى مصر، فيتسرب اليأس الى نفوسهم في بلاد بعيدة، وعزم بليار على تخريب المنطقة كلها حتى لا يتقوى بها المماليك فاقتلع مزروعاتها وغور ابارها واحتل جزيرة (أنس الوجود) للمحافظة على سلامة مواصلات الجيش الفرنسي.

philaeile

وعلى الرغم من انتصارات الجيش الفرنسي ونجاح قواده ديزيه وبليار في ابعاد المماليك واضعاف سطوتهم ومكانتهم في نفوس الأهالي، ولكن مقام الجيش الفرنسي في صعيد مصر ابدا ماكان هانئا هادئا يوما واحدا حتى خروجهم من مصر عام 1801.. ولنا في ذلك العديد من التدوينات القادمة.. فتابعونا.

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر ج1، دارالمعارف 1987
  • عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الأثار في التراجم والأخبار، دار الكتب المصرية 1988

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 23
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    23
    Shares
  •  
    23
    Shares
  • 23
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

2 thoughts on “نماذج مشرفة لمقاومة المحتل الفرنسي – الصعيد

شاركنا برأيك فيما قرأت!..