نشأة وتطور المسرح في مصر عبر العصور

العصر الحديث عصر النهضة المصري مصر الأسلامية مصر البطلمية مصر الفرعونية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 59
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    59
    Shares

قالوا عن المسرح أنه “أبو الفنون” لأنه أول فن ظهر للناس وبدأت باقي الفنون تطلع لاحقا وتبقى مجرد ادوات لصياغة الفن المسرحي، وانتشر قديما مفهوم بيقول إن نشأة فن المسرح بشقيه المعروفة اليوم كوميديا وتراجيديا كانت في اليونان القديمة، وكانت لها ارتباط ديني بالألهة ديونيسيس وباخوس، ولكن الإكتشافات الحديثة وضحت إن كهنة معبد أمون في مدينة طيبة في مصر القديمة عرفوا فن تشخيص الروايات والقصص الأدبية بصورة مدعومة بالشعر والموسيقى وأمام جمهور من الصفوة (الأمراء والنبلاء والحكام) ودا قبل مايتعرف في بلاد اليونان بقرون عديدة.. ازاي نشأ المسرح في مصر القديمة وازاي تطور لغاية ماوصل للصورة اللي هوا عليه دلوقت؟.. دا موضوع تدوينتنا النهاردا.. خليكو معانا..

L_2894

بيقول المؤرخ الأغريقي هيرودوت (ت 425 ق.م.) إن كهنة أمون كانوا بيعدوا ساحة المعبد المقدس في الأعياد والمناسبات الدينية لتقديم عروض تشخيصية، واحد فيهم بيقوم بدور إله الشر ست، وواحد تاني بيقوم بدور اوزيريس، وامرأة بتلعب دور أيزيس، وطفل بيقوم بدور حورس.. وبتكون العروض مدعمة بالموسيقى لتحفيز المشاهد وتخليه يتفاعل مع الحدث ويعيش معاه، كمان كانت بالملابس والمكياج اللي معروف بيه الشخصيات دي وبنشوفه في النقوش على جدران المقابر، يعني الكلام دا كان بيتم تقديمه لغاية عصر هيرودوت (تقريبا القرن الخامس قبل الميلاد) وبيؤكد دا الدكتور سليم حسن في موسوعة مصر القديمة، وكمان اكتشافات العالمان كورنتس 1932 وكورت 1938 اللي عثروا على برديات بتحوي نصوص مسرحية لعروض كانت من 40 مشهد، في صورة اقرب ماتكون للشعر لتصوير مأساة ايزيس وبحثها عن زوجها في كافة البلاد، وعرقلة الأله ست واللي بيحول دون إلتقاءهم سوا بشتى الصور (اللي هيا أسطورة ايزيس واوزيريس المعروفة) ودا بيؤكد ان الفراعنة عرفوا فن المسرح من ألاف السنين.

large_1238014320

أما المسرح الشعبي اللي كان منتشر بين عامة الناس في قرى ومدن مصر، فكان متمثل في فرق من الرحالة المتجولين منهم الراقصين والموسيقيين والممثلين، بيقدموا روايات قصيرة لا تتعدى اكثر من 10 دقائق وبيلفتوا النظر لهم بالموسيقى والرقص ويلموا من الناس غلة وبيض وأطعمة لأن المصري القديم ماكانش عرف التعامل النقدي في الوقت دا (طالع هنا) يعني صورة قريبة جدا من اللي بيحدث في ارياف وصعيد مصر للوقت الحالي بصورة كبيرة.

445711028

وفي العهد اليوناني الروماني ظهر المسرح الأغريقي بصورته التقليدية، ولكن في مدينة الأسكندرية اللي كانت بتمثل الثقافة الهلينستية وكان بيقدم بصورة اغريقية خالصة في ساحات وقصور امراء وملوك البطالمة والنبلاء، ولاحقا في العصر الروماني تم عمل مسارح بالصورة التقليدية واللي كانت منتشرة في اوروبا وشمال افريقيا وسوريا، وكانت بتبقا في مناطق تجارية وتخصص لإجتماعات الادباء والشعراء والعروض الفنية والموسيقية، زي المسرح الروماني بالأسكندرية واللي تم اكتشافه بالكامل عام 1964. وبدخول العصر المسيحي وبعد اقرارها كديانة رسمية للأمبراطورية الرومانية في عهد الأمبراطور ثيودوسيس (ت 395م) فقضى المسيحيين على اغلب هذه الفنون لأرتباطها بأحداث وثنية، فأندثر الفن دا زي ما اندثرت أمور كتيرة في الوقت دا.

المسرح الروماني بالأسكندرية.JPG.crdownload

وبعد دخول العرب لمصر، ورغم ذيوع الشعراء في انحاء الدولة الأسلامية، وكمان انفتاح العرب على الحضارات التانية ونقلهم كتير من العلوم والأداب الأغريقية والرومانية لكن ماكانش فيه انتشار لفن المسرح بالصورة اللي نعرفها النهاردا، ولكن في العصر المملوكي في مصر في القرن الثالث عشر الميلادي انتشر فن خيال الظل (قَرَة كُوْز) في ربوع مصر، ودا فن نشأ في بلاد القوقاز واغلب الظن انه نشأ في اواسط اسيا، وكان عبارة عن شاشة بيضاء بيلعب وراها خيالات لشخصيات مع اشعار وقصص وموسيقى لتقديم رواية قصيرة ذات مغزى ولاحقا تطور الفن دا واصبحت الشاشة البيضاء خلفية بتلعب امامها الشخصيات اللي كانت عبارة عن عرائس تتحرك امام المشاهدين وانتشر شعبيا بإسم “الأراجوز”، وكان له فنانين ومؤلفين اشهرهم كان ابن دانيال الكحّال (ت 1335م) واللي كان له رواية اسمها “طيف الخيال”. وبيقول المؤرخ ابن إياس الحنفي ان السلطان سليم الأول (يافوز) لما دخل مصر عام 1517م (للمزيد طالع هنا) اعجب بفن خيال الظل وأخده معاه الأستانة لأبنه بايزيد علشان يشوفه، ودا دليل على انه ماكانش موجود في مدن الدولة العثمانية في الوقت دا.

ونجري بالزمن شوية لقدام، وبعد دخول نابليون بونابرت لمصر بجيشه غازيا محتلا سنة 1798م، أنشأ مسرح لجنوده للتسلية وكان الفن اللي بيقدم فيه باللغة الفرنسية، بيقول الجبرتي:

“وفي شعبان سنة 1215 كَمُلَ المكان الذي أنشأوه بالأزبكية عند المكان المعروف بباب الهواء، وهو المسمّى في لغتهم بالكُمِري (لعله يقصد الكوميدي) وهو عبارة عن محل يجتمعون فيه كل عشرة ليال ليلة واحدة يتفرجون به على ملاعيب يلعبها جماعة منهم بغرض التسلي والملاهي مقدار اربع ساعات من الليل وذلك بلغتهم ولا يدخل اليهم أحد الا بورقة معلومة وهيئة مخصوصة..” – تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر ج1، عبد الرحمن الرافعي، دار المعارف 1987

وبعد خروج الحملة من مصر عام 1801م انتهى فن الكوميدي، ولم يعاود الظهور مرة اخرى الا بعد سنوات طويلة.

4264787711

وفي حفل افتتاح قناة السويس عام 1869م أنشأ الخديوي اسماعيل دار الأوبرا في مكانها القديم بميدان العتبة، عشان يتم تقديم عروض اوبرالية امام ملوك وامراء اوروبا اللي كان عازمهم في الاحتفال الكبير، في وقت ماكانش حد في مصر يعرف شيء عن الفن دا نهائي!.. وكلف الخديوي اسماعيل الموسيقار الايطالي فيردي بعمل أوبرا يتم استخلاصها من التاريخ المصري القديم فقدم أوبرا “عايدة” ونظرا لعدم اكتمال التأليف فتم عرض اوبرا “ريجوليتو” أولا وتم عرض عايدة في وقت لاحق، بالإضافة الى ان العروض كانت باللغة الأيطالية ودي ماكانتش لغة منتشرة بين الناس، وبعد انتهاء الاحتفال تم اغلاق دار الأوبرا لفترة طويلة جدا رغم تكلفة انشاءات كبيرة في الوقت دا. لكن في وقت لاحق تم ترجمة اوبرا عايدة للغة العربية وتم تقديمها للجمهور في مصر اللي ماكانش متقبلها في بداية الأمر قبل انتشار المسرح الغنائي في اواخر القرن التاسع عشر.

دخل فن المسرح لمصر بصورته العصرية على يد الفنان يعقوب صنوع (الشهير بابي نضارة) سنة 1876م واللي كان بيجيد اللغة الأيطالية والفرنسية، فقام بترجمة عديد من أعمال الأدب العالمي وتقديمها عن طريق فرق مسرحية من الشام سليم نقاش وأديب إسحق، وكان دا بتشجيع من الخديوي اسماعيل اللي كان سعيد بانشاء فن مسرحي في مصر زي ماشافه في بلاد اوروبا، وحضر بعض مسرحياته واعجب بها ولقبه بموليير مصر، وكان يعقوب صنوع جريء وعنده رغبة جامحة للإصلاح، فانتقد بعض الأمراء وسخر منهم ومن الأداء الحكومية وندد بظلم الخديوي إسماعيل وتعسف حكام البلاد في عهده، لاسيما في مسرحية “الوطن والحرية” مما أثار عليه حفيظة الطبقة الحاكمة وعلى رأسها إسماعيل نفسه فأمر بإغلاق مسرحه!..

وفي الأسكندرية انتشر فن مارون نقاش وسليم نقاش ودول شوام قدموا كتير من العروض المسرحية في بيروت ودمشق، وجاءوا ليقدموا فنهم في مصر عام 1876م وشاركهم الترجمة والتأليف أديب اسحق اللي كان له دور كبير في الحياة الصحفية والأدبية في مصر اواخر القرن 19 (للمزيد طالع هنا) وظهر كمان يوسف خياط عام 1884 ودا كان أديب سوري ساهم في تعريب كتير من مسرحيات الأدب الفرنسي واثراء الحركة المسرحية في بداية نشأتها في مصر. وفي عام 1888م شهد المسرح المصري تطور كبير على يد أحمد ابو خليل القباني وفرقته المسرحية، ودا لأنه نقل المسرح من الأقتباس عن الأدب العالمي الى التأليف المسرحي المستلهم من التراث، وكان التاريخ العربي زاخر باعمال عديدة قدمها القباني على مسارح القاهرة والأسكندرية، زي “عنترة بن شداد” و”هارون الرشيد” و”الأمير محمود نجل شاه العجم” وغيرهم كتير.

وفي بداية القرن العشرين انتشر الفن المسرحي الغنائي (الأوبيريت) بين الناس أكتر من العروض المسرحية التمثيلية واللي كان مشهور بيها في الوقت دا الفنان جورج أبيض واللي كان راجع من دراسته في فرنسا عام 1910 وتولى على عاتقه تأسيس المسرح الدرامي (التمثيلي)، لكن الغلبة كانت للمسرح الغنائي، ودا لأنه كان بيعتمد على العروض الغنائية الراقصة لكتير من الفنانين المعاصرين والمشهورين في الوقت دا زي سلامة حجازي ولاحقا سيد درويش، ولكن في العشرينات بدأ المسرح الدرامي ياخد وضعه بانضمام يوسف بك وهبي لقائمة رواد المسرح، فقدم اعمال لاقت نجاح كبير بين جمهور مصر في القاهرة والأسكندرية وكمان في البلاد العربية زي سوريا ولبنان ومراكش (المغرب العربي).

وكان بينافسهم في الوقت دا رواد المسرح الكوميدي نجيب الريحاني وعلي الكسار، واللي قدموا عروض تميزت بالكوميديا الهادفة وانها كمان مصرية المنبع وغير مقتبسة عن الأدب العالمي، واشتهرت مسرحية “كش كش بك” لنجيب الريحاني واللي تم تقديمها على المسرح لفترة طويلة وحصلت على شهرة واسعة بين الناس داخل مصر وخارجها، كما اشتهرت شخصية “عثمان عبد الباسط” اللي قدمها على الكسار في مسرحياته ولاحقا قدمها للسينما في عديد من الأفلام. وفي عشرينيات القرن العشرين بدأ الرأي العام ينادي بوجود مسرح وطني مصري بعيد عن الادب العالمي، فنشأ المسرح الوطني عام 1921.

وايضا في الفترة دي ظهر المسرح الشعري بعد ما دخل بعض الأدباء في التأليف للمسرح زي أمير الشعراء أحمد بك شوقي، واللي قدم العديد من المسرحيات زي “مجنون ليلى” و”مصرع كليوباترا” و”علي بك الكبير” وغيرهم، كمان في عام 1928 رجع من فرنسا الأديب توفيق الحكيم واللي قدم عديد من المسرحيات زي “أهل الكهف” و”أيزيس” و”نحو حياة افضل” وغيرها، ودي بدأت تخلق مسرح مصري بعيد عن الأقتباس من الأدب العالمي.

ولما ازدهرت السينما في الثلاثينيات، اتجه اغلب فنانين المسرح للأفلام السينمائية لكن مازال المسرح له جمهوره اللي كان بيحب يتفرج على الرواية أمامه ويتفاعل مع الممثلين بشخصهم مش على شاشة العرض، ولكن ظلت الحياة الفنية قاصرة على الهواة والموهوبين الى أن تأسس المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1944 وتأسس جيل من الرعيل الأول للمسرح واللي أخد على عاتقه تأسيس جيل جديد بيعتمد على الدراسة أكثر منها اعتمادا على الموهبة زي الجيل اللي قبلهم، وكمان تغيير نظرة المجتمع للفن واللي كان لغاية الوقت دا لا يحترم الممثلين ولا يأخذ بشهادتهم في المحاكم!.. ولكن النظرة دي تغيرت بعد ثورة 1952 ولما بدأت الدولة ترعى الفن وتنشئ المسرح القومي وتنتج افلام سينمائية بنفسها، فتحولت الفرقة القومية المصرية اللي تأسست عام 1935 الى فرقة المسرح القومي، وظهرت كمان فرقة المسرح المصري الحديث وكل دا خلق جمهور كبير للمسرح زي ما هانشوف دلوقت.

سيدتي الجميلة

وشهدت فترة الستينيات بعد ثورة يوليو 1952 طفرة مسرحية غير مسبوقة علي صعيد الإخراج والتأليف والتجريب والترجمة، وبرزت في المرحلة دي كوكبة كبيرة من المخرجين والمؤلفين اللي قدموا معظم عروضهم علي خشبة المسرح القومي، ومن هؤلاء سعد الدين وهبة ويوسف إدريس ونعمان عاشور وصلاح عبدالصبور وعبدالرحمن الشرقاوي ورشاد رشدي وألفريد فرج وميخائيل رومان ومحمود دياب ونجيب سرور وعلي سالم، ومن المخرجين كرم مطاوع وعبدالرحيم الزرقاني، وجلال الشرقاوي وسمير العصفوري، وظهرت كمان حركة نقدية قوية.. لغاية ماجات الضربة القاصمة للفن عموما في مصر والمتمثلة في: الأولي نكسة 1967، والأنفتاح الأقتصادي في اواسط السبعينات. واللي كان له اثر كبير في العروض المسرحية المقدمة في الوقت دا.

انها حقا عائلة محترمة

مدرسة المشاغبين

وشهدت فترة الثمانينات والتسعينات اتجاه العروض المسرحية لكوميديا الفارس (وهي الضحك للضحك بدون هدف) لما سيطر القطاع الخاص على المسرح وجري المنتجين ورا المكسب وشباك التذاكر بعيدا عن تقديم فن هادف، وقل كمان دور مسرح الدولة، وقلت العروض الدرامية أو العروض الكوميدية الهادفة اللهم الا مسرحيات محمد صبحي أحيانا، وشهدت الفترة ظهور وتألق ممثلين كوميديان كتير زي محمد نجم وسمير غانم وسيد زيان وغيرهم.

مسرحية الهمجي

سمير غانم أخويا هايص وأنا لايص

محمد نجم

ومازال المسرح في مصر بينتظر انتشاله من كبوة تطول أو تقصر في ظل عودة الحديث عن مسرح الدولة بعد ثورة 25 يناير 2011، ولكن مازلنا لغاية وقت كتابة السطور دي مافيش اي حركة نهوض او تجديد في المسرح المصري.

لطفا لو عجبتك التدوينة دي تشرها لأصدقاءك على مواقع التواصل الأجتماعي عشان تعم الفايدة، وكمان ماتنساش تتابعنا على حساب تويتر وصفحة الفيسبوك وصفحة جوجل بلس وطبعا الفولو للمدونة.. وشكرا

المراجع

  • مصر القديمة ج13، سليم حسن، الهيئة المصرية العامة للكتاب
  • تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم في مصر ج1، عبد الرحمن الرافعي، دار المعارف 1987
  • الموقع الرسمي لوزارة الثقافة المصرية
  • فجر المسرح “دراسات عن نشأة المسرح” ، إدوار الخراط

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 59
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    59
    Shares
  •  
    59
    Shares
  • 59
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

1 thought on “نشأة وتطور المسرح في مصر عبر العصور

شاركنا برأيك فيما قرأت!..