نابليون على أبواب الأسكندرية

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    2
    Shares

بعد وقت قليل من الفجر، وقف الجنرال نابليون بونابرت على ربوة عالية بجوار عمود السواري على مقربة من مدينة الأسكندرية (العمود كان خارج الأسوار)، وبعينه المجردة كان يراقب المدينة ويرى مابداخلها.. وابتسم وقال لمن معه: “استعدوا!.. سندخل الأسكندرية قبل الظهر”!.. ياترى ايه اللي جاب الجيش الفرنسي يحاصر الأسكندرية؟.. وهل فعلا دخلوا اسكندرية قبل الظهر زي الجنرال ما قال؟… دا موضوع تدوينتنا النهاردا، وهانجيب الموضوع زي ماحنا متعودين من الأول، عشان نفهم بالظبط ايه اللي حصل.. خليكو معانا..

الثورة-الفرنسية1

اواخر القرن الثامن عشر الميلادي، كانت اوروبا قلقانة من طوفان فكري نبع في فرنسا وانتشر في ارجاء القارة كلها.. الثورة الفرنسية، اللي اسقطت الملكية عام 1792م وحلت محلها حكومة الديركتوار (الإدارة) 1795م، و اجتمعت جيوش ايطاليا والنمسا وبلجيكا تريد وأد الثورة في مهدها، وخرجت لهم جيوش فرنسا واستمرت الحرب سجالا، وخلالها ظهرت عبقرية الجنرال نابليون بونابرت Napoleon Bonaparte في القتال والقيادة لما حقق انتصارات عديدة في معارك مونتونوت ولودي وكاستجليون وأركول (1796م) وريڤولي (1797م) واكتسح سهل لومبارديا ووصلت جيوشه الى ڤيينا، فرضخت ايطاليا والنمسا واضطروا الى قبول الصلح في ابريل 1797م وبموجبه ضمت فرنسا بلاد البلجيك وشمال ايطاليا لغاية بحر الأدرياتيك والجزر الأيونية ونهر الراين.. كل دي انتصارات حققها القائد نابليون واللي كان عنده 28 سنة..!

حروب نابليون في ايطاليا

وانتصرت فرنسا على تحالف الدول الأوربية، ولكن انجلترا (العدو التقليدي والقديم للفرنسيين) مادخلتش الميدان لسه، وكانت حكومة الديركتوار بتجهز جيش كبير أطلقت عليه اسم (جيش انجلترا) لغزو الأنجليز في جزيرتهم المنعزلة!.. فرجع نابليون من ايطاليا وعرض على الديركتوار فكرة تكوين مستعمرة فرنسية شرقية في مصر تقدر تضرب بيها انجلترا في درة مستعمراتها.. الهند!.. كانت خطة بعيدة المدى، اقتنع بيها القائد الفرنسي لما قرأ تقارير قديمة اهمهم اللي كتبه العالم الألماني ليبنيتز عام 1672م (للمزيد من هنا) وكمان تقارير قديمة تعود لعهد الملك لويس الخامس عشر لما كانت دول اوروبا تريد اقتسام تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) وقررت فرنسا غزو مصر وعدلت عن قرارها لإقتناع الملك لويس بموالاة تركيا افضل من معاداتها، فقال انه افضل انه يحتل مصر عن طريق التفاوض مع الأستانة وخصوصا ان سلطتها في مصر اصبحت اسمية، ولكن دا طبعا ماحصلش!.. كما انه قرأ تقارير من شارل ماجالون قنصل فرنسا العام في مصر بتاريخ فبراير 1798، بيتكلم فيها عن خصوبة ارض مصر الزراعية وانها كانت سلة غلال الأمبراطورية الرومانية القديمة، وفي امكان ترقية زراعتها وغرس كتير من المحاصل الأمريكية الجديدة زي البطاطس والطماطم والذرة وغيرها لو كانت هناك حكومة قوية حديثة وادارة صالحة، وبيشاركه الرأي مسيو تاليران ودا كان وزير خارجية فرنسا في الوقت دا ويعتبر مهندس الحملة على مصر.

حكومة الديركتوار - فرنسا 1795.jpg

وعليه، قدم الجنرال نابليون مذكرة طويلة لأقناع حكومة الديركتوار الى غزو مصر بدلا من انجلترا، وتحويل الجيش الغازي نحو الشرق بدلا من الشمال. وفي ابريل عام 1798م وافقت الحكومة وتم تسمية الجيش بـ(جيش الشرق) واسندت قيادته العامة لنابليون، وبينت في مقدمة القرار اسباب الغزو:

“.. إن حكومة الديركتوار لما رأته من ان البكوات المماليك الذين استولوا على حكم مصر قد اتصلوا بالإنجليز بأمتن الروابط وجعلوا انفسهم تحت مطلق تصرفهم، وانهم يرتكبون الأعمال العدائية والمظالم الفظيعة ضد الفرنسيين ويضطهدونهم وينهبون اموالهم ويعتدون على ارواحهم. ولما كان من واجب الحكومة أنت تقتص لأعداء الجمهورية أينما وجدوا..، وكما استولت انجلترا على رأس الرجاء الصالح فجعلت وصول السفن الفرنسية للهند محفوفا بالمخاطر، فقد قررنا فتح طريق جديد لقوات الجمهورية للوصول للهند..” (مراسلات نابليون ج1 – وثيقة 2495)

وخرجت الحملة في سرية تامة تقصد سواحل مصر في 10 مايو 1798م من ميناء تولوز، تتكون من خيرة قواد فرنسا وضباطها، برتييه وكليبر وكافاريللي ورينييه وديزيه ودوجا وڤوبوا وبون ومورا وبليار ومينو.. الخ، على رأس 36 ألف جندي تحملهم حوالي 35 سفينة وعدد كبير من القوارب الصغيرة بكامل معداتهم وسلاحهم ومدافعهم وأكلهم وشربهم. كمان ضمت الحملة مجموعة من انبغ من أنجبت فرنسا في مجالات الرياضيات والهندسة والعمارة والري والكباري والطب والجغرافيا و المساحة والجيولوجيا وعلم الحيوان والأثار، ومفكريها وأدباءها وموسيقييها وفنانيها من رسامين ونحاتين ومصورين ونقاشين.. الخ، أكتر من 146 عالم ومهندس وأديب وطبيب وغيره. ومرت الحملة بجزيرة مالطة في يونيو (بعد شهر تقريبا من اقلاعها) فاحتلتها واعتقلت افراد حكومتها من قوات القديس يوحنا الأورشليمي (بقايا الحروب الصليبية) وقضت عليهم وأكملت طريقها قاصدة شواطئ مصر.

440px-Belle-poule-napoleon-morel-fatio.jpg

في الوقت دا كان الأسطول الأنجليزي الموجود في البحر المتوسط شعر بتحركات الجيش الفرنسي ورصدها وعرف انها خارجة لهدف كبير لكن ماقدرش يعرف بالظبط وجهة الحملة فين، وان كان توقع انها رايحة تحتل مصر، فوصلت قوة من الأسطول الأنجليزي بقيادة الجنرال نيلسون يوم 28 يونيو، واتصلت بحاكم الأسكندرية السيد محمد كريم ونبهته بأن فرنسا خرجت قاصدة جهة ما أغلب الظن انها بلاده، فلو كان الوضع كذلك فإنه يعرض عليه الأشتراك في الدفاع عن المدينة مقابل بعض الدعم اللوجستي مدفوع الأجر (طعام وشراب وذخيرة) من حامية الأسكندرية العثمانية، وكمان السماح للأسطول الانجليزي بالرسو في المياة الأقليمية المصرية. وخاف السيد محمد كريم لما شاف الأسطول الأنجليزي الكبير وشعر انها خدعة لأنه ماكانش عنده فكرة عن الوضع السياسي في اوروبا في الوقت دا فرفض عرض نيلسون وقال له كلمته الشهيرة: “هذه بلاد السلطان، وليس للفرنسيس ولا غيرهم سبيل عليها، فاذهبوا عنا!..” وانسحب نيلسون بقواته ووقف في عرض البحر ينتظر اسطول الفرنسيين!..

la route a Alexandrie.jpg

وفي يوم 30 يونيو وصل الأسطول الفرنسي قرب الأسكندرية، ووقف في عرض البحر يطلب لقاء قنصل فرنسا العام في مصر، واللي شرح لهم حالة الهياج العامة في المدينة جراء زيارة الأسطول الأنجليزي للسيد محمد كريم، وانتفاضة اهل الثغر للدفاع عن مدينتهم وخاصة ان عدد كبير منهم مسلحين، وكمان ارسلوا للأستنجاد بفرسان الأعراب من البحيرة ومطروح. وعندها امر نابليون بانزال قواته قرب طابية الشيخ العجمي (العجمي البيطاش حاليا) حوالي الساعة 11 مساءا يوم 2 يوليو 1798م وكانوا 5000 مقاتل بقيادة الجنرالات بون ومينو وكليبر، وسارت الكتائب على الأقدام حتى وصلت لأسوار الأسكندرية بعد الفجر بوقت قليل، وبدأ الجنرالات الثلاثة يحكمون الحصار على ابواب الأسكندرية سدرة (كليبر) وشرق (بون) وغرب (مينو) بعد ان نصب نابليون معسكرة عند قاعدة عمود السواري واخذ يرقب الموقف داخل المدينة مطالبا القوات بسرعة العمل عشان مايعطيش اهل الأسكندرية فرصة لتنظيم الدفاع عنها، خاصة وانه لمح بالسور على الرغم من ضخامته وعلو ابراجه، الا ان به الكثير من الفتحات نقاط الضعف.

harbor_large.jpg

أما السيد محمد كريم فأرسل يخبر مراد بك ويطلب النجدة، وأمر بتحصين الأسوار وشحن مزيد من الذخيرة، واختبروا المدافع القديمة الموجودة على طابية قايتباي والسلسلة وبعض ابراج الأسوار، واحتشد الأهالي بسلاحهم، وبدأ الفرنسيين باطلاق نيران المدفعية الكثيفة على النقاط الضعيفة في الأسوار فلم تقاوم طويلا، واندفع الجنود الفرنسيين الى المدينة ليهاجمهم الأهالي من منازلهم بالبنادق، وكاد نابليون نفسه انه يموت لولا القدر، بيقول سكرتيره الخاص بروين:

“دخل بونابرت المدينة من حارة لا تكاد لضيقها تساع مرور اثنين معا، وكنت ارافقه في سيره، فاوقفتنا طلقات الرصاص صوبها علينا رجل وامرأة من احدى النوافذ، واستمرا يطلقان النار علينا الى ان تقدم جنود الحرس وهاجموا المنزل وقتلوا الرجل والمرأة..” – (مذكرات بروين سكرتير نابليون الخاص ج1)

وبيقول كمان الجنرال برتييه عن اقتحام الأسكندرية:

“ان الأهالي دافعوا عن مدينتهم دفاعا مستميتا، وقد أصيب الجنرال كليبر بعيار ناري في جبهته، فجرح جرحا خطيرا، واصيب الجنرال مينو بحجر ضخم سقط عليه من أعلى السور فناله برضوض، واصيب الجنرال إسكال بطلق ناري، وقتل اللواء ماس وخمسة ضباط اخرون..، بلغت خسائر الكتائب حوالي 40 قتيلا و85 جريح ” – (رسالة برتييه رئيس اركان حرب الحملة لوزراة الخارجية في 6 يوليو 1798)

ومن شدة القتال راح ضحيته من اهل الأسكندرية سبعمائة مابين قتيل وجريح، خشى نابليون حدوث مذبحة بالثغر، فأمر جنوده بالكف عن ضرب النار واتصل بإدريس بك قومندان الحامية العثمانية وطلب منه اقناع الأهالي ان يتوقفوا عن المقاومة لأنه جاء لمحاربة المماليك ليس أكثر (!!) فتوقف القتال في مناطق كثيرة ودخلت الكتائب الثلاثة المدينة وانتشرت بالعديد من مناطقها المعمورة، واعتصم السيد محمد كريم بطابية قايتباي رافضا التسليم، حتى نفدت ذخيرته فاستسلم وتلقاه نابليون لقاءا كريما عندما علم بموقفه من الأنجليز وأبقاه حاكما على الأسكندرية لشجاعته. كما أمر بدفن جنوده من ضحايا الأقتحام بحفل مهيب عند قاعدة عمود السواري وأمر بنقش اسماءهم على حجر بجوار قاعدة العمود (غير موجود الأن).

view_of_pompeys_pillar_with_alexandria_in_the_background_in_c-1850.jpg

واجتمع نابليون بأعيان الأسكندرية وقال لهم انه يتمنى السعادة والرفاهية للشعب المصري، وانه لا يقصد سوء وأمنهم على حياتهم وأموالهم طالما لايحاربون الجيش الفرنسي، وخاطب السيد محمد كريم امام الناس قائلا:

“لقد اعتقلتك والسلاح في يدك، ولي أن اعاملك معاملة الأسير، ولكنك استبسلت في الدفاع والشجاعة مظهرا الكثير من الشرف ولذلك أعيد اليك سلاحك آملا ان تظهر للجمهورية الفرنسية الإخلاص الذي كنت تمنحه لحكومة فاسدة..” – (مذكرات مسيو فيفيان دينون “رحلة في الوجة البحري ومصر العليا”)

napoleon-enter-the-city-of-alexandrai.jpg

ووزعت القوات الفرنسية منشورا عاما على الأهالي (لنص المنشور طالع هنا) طبعه نابليون باللغة العربية وبأسلوب ركيك يشرح السياسة العامة للحملة، ويطلب من الأهالي التعاون الجنود الفرنسيين وعدم مقاومتهم، وأذعن الأهالي للأمر لا اقتناعا به ولكن نزولا على حكم القوة، كما أمر نابليون قواته بعدم معاداة المصريين واحترام شعائرهم ومقدساتهم الدينية وعدم التعرض لنسائهم ولا لبيوتهم واموالهم، وفرض عقوبات قاسية لعصيان اي من الأوامر!.. وأمر الجنود بالتأهب لأستكمال الزحف نحو القاهرة.. ودا موضوع التدوينة القادمة ان شاء الله، نتعرف على موقف المماليك وازاي استقبلوا خبر استيلاء الفرنسيين على الأسكندرية، وايه كان رد فعلهم .. فتابعونا..

4_-720x375

برجاء مشاركة التدوينة للفائدة، وماتنساش تقييم المقال اسفل الصفحة (رأيك يهمنا) وماتبخلش علينا بالمتابعة للمدونة وحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة.. وشكرا

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر، دار المعارف 1987م

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    2
    Shares
  •  
    2
    Shares
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

4 thoughts on “نابليون على أبواب الأسكندرية

شاركنا برأيك فيما قرأت!..