من مهمل تاريخ مصر.. ثورة البشموريين

تاريخ قبطي مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 30
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    30
    Shares

300px-Jules_Laurens_13.jpg

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح:

“اسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا ، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا” – رواه مسلم وصححه الألباني

والقبط هم أهل مصر، والتسمية دي جاية من الكلمة اليونانية Αίγυπτος ومنها جات التسمية بكل اللغات اللاتينية EGYPT ومن اول ما دخل عمرو بن العاص مصر عام 642م وطرد منها البيزنطيين وبدأ اهل مصر القبط يدخلوا في الأسلام، وبدأت كمان تحدث هجرات من بعض القبائل العربية وخصوصا من أبناء القبائل اليمنية والقبسية واللي كانت بتعمل في الزراعة في شمال الجزيرة العربية ودول رفضوا استكمال الفتوحات الإسلامية واستقروا في مصر الى وادي النيل، ونلاحظ ان مازال بعض اسماء العائلات في الصعيد (مصر العليا) بتحمل اسماء القبائل العربية اللي جات منها زي جهينة والعبابدة والهوارة وغيرها.. وبدأوا العرب يتزوجوا من اهل مصر واختلطت الأنساب فيما بينهم، فبدأت بنهاية القرن السابع تقتصر التسمية (الأقباط) على نصارى مصر بس تمييزا لهم عن المسلمين، لأن مفهوم قوانين المواطنة الحديثة ماكانتش معروفة في اي مكان في العالم في الوقت دا. وطبعا طبقا للشريعة الأسلامية كانوا النصارى مطالبين بدفع (الجزية) للحاكم، وكانت قيمة الجزية بتتفاوت بين حاكم والتاني.. يعني مالهاش قيمة ثابتة واغلب المؤرخين بيؤكدوا انها (بالإضافة لباقي الضرائب المفروضة على الناس) بتبقا طبقا للتقدير السنوي وهوى الحكام.

432px-FortyMartyrsofSebaste (2)

وبسبب موضوع “الجزية” دا كان بيحصل اعتراضات من اقباط مصر كل فترة والتانية، والأمر بيتطور الى ثورة بتبقا مسلحة في أغلب الأحوال!.. لكن غالبا مابيتم قمعها قبل ماتبدأ في الأنتشار، وطبعا بيروح ضحية الكلام دا ناس كتير وبيقبضوا على ناس كتير والباقي بيسلم أمره لله ويسكت!.. وعلى الرغم من ان الشريعة اللي فرضت الجزية هيا برضه اللي أوصت بحسن معاملة غير المسلمين لكن حكام البلاد في الغالب كانوا بيحكموا الناس بطريقة بعيد عن الشريعة الى حدٍ ما..

201407160201714

في 661م دخل جيش مروان بن الحكم الى مصر ليضمها الى أملاك الأمويين، وعين ابنه عبد العزيز بن مروان والي على مصر، وبيحكي ساويرس بن المقفع المؤرخ القبطي انه فرض ضرايب جديدة على أهل مصر ومنهم الأقباط طبعا فثار البعض في مناطق تنديمى و قربيط و الحوف الشرقى فى الوجه البحرى وبعض مناطق وجه قبلي، وامتنعوا عن دفع الضرايب فبعتلهم الوالى العسكر فقتلوا منهم اعداد كبيره فتم اخماد الثورة..

جيش بني العباس

في عام 750م دخل جيش العباسيين مصر في مطاردتهم للخليفة مروان بن محمد اخر ملوك بني أمية، ولما راح مروان يستخبى في مدينة الفيوم بيحكي ابن المقفع ان ابو العباس “السفاح” و ابو مسلم الخراساني لما دخلوا الفيوم للبحث عن مروان، اعطوا الأمان للأقباط وعاهدوهم انهم هايكونوا حكام عادلين، فلما قبضوا على مروان وقتلوه ووقعت مصر في ايدي العباسيين ساروا لمدة ثلاث سنوات كما وعدوا ولكن بعد كدا بدأ والي مصر يرهق الناس بالضرايب والأقباط بالجزية من تاني فبدأت تحصل كل شوية حركات تمرد زي ما بيقول ابن المقفع:

“.. ولما كان فى ثالث سنة من مملكة الخراسانيين، أضعفوا الخراج وأكملوه على النصارى ولم يوفوا لهم بما وعدوهم.. “

موقع بشمور

وفي عام 824م حدثت ثورة عظيمة الشأن في اقليم “بشمور” وهو اقليم بشمال الدلتا وبالتحديد في المنطقة الساحلية بين فرعي دمياط ورشيد وهي أرض اغلبها موحلة مليئة بالبوص وأهلها بيشتغلوا في إنتاج ورق البردي اللي بيصنع من الحلفا اللي بينمو في البراري وكمان صيد الأسماك من بحيرة بشمور (حاليا بحيرة البرلس). كان الخليفة الحاكم هو الخليفة العباسي المأمون، ووالي مصر اسمه عيسى بن منصور، ودا كان انسان فظ غليظ القلب زي ما اتفق اغلب المؤرخين، فارهق اهل مصر كلهم بضرايب كان بيحصلها بالقوة، وسفك الدماء كان عنده اسهل من الكلام!.. ولأن اهل اقليم بشمور كانوا دائمي الأعتراض على قرارات الوالي فراح بن منصور هناك بجيش وقتل منهم ناس وهدم بيوتهم وهدم كمان كنيستين عشان يخوف أهل البلد، بيقول ابن المقفع:

“عامل العرب البشموريين علي الأخص في غاية القسوة، فقد ربطوهم بسلاسل الي المطاحن وضربوهم بشدة ليطحنوا الغلال كما تفعل الدواب سواء بسواء ، فاضطر البشموريون أن يبيعوا أولادهم ليدفعوا الجزية ويتخلصوا من آلام هذا العذاب وكان يعذبهم رجل من قبل الوالي اسمه غيث…”

2452516165.jpg

بيقول كمان المقريزي:

“لما كان فى جمادى الأولى سنة 216، انتفض اسفل الارض بأسره عرب البلاد و قبطها.. وما كان من غيث بن سعيد الا ان هدم كنيس كبير قبل ان يرد بن منصور بشمور ويأمر بسجن سبعين رجلا وهدم منازلهم ومصادرة اموالهم…”

وبيقول المؤرخ ابن اياس الحنفي واصفا نفس العام:

وما ان مر العام  الثامن عشر بعد المائتين الا وكانت اغلب البلاد قد آل امرها الى الخراب وقد عانى اهلها العذاب، لما انزله عيسى بن منصور بهم من العذاب، وقل الزرع وجف الضرع وولى الخير…”

ولما وصلت الأنباء للمأمون فأمر بعزل الوالي بن منصور وكافة نوابه وعماله، وعين اخوه المعتصم اللي عين بدوره نائب له على مصر اسمه عمر بن الوليد وأمره باخماد ثورة اهل بشمور لكنه مات في مواجهات مسلحة هناك، فجاء المعتصم نفسه على رأس جيش من 4000 جندي وهاجم منطقة الحوف و قتل اعداد من سكانها و استمرت المعارك لغاية ما قرر الخليفه المأمون انه ينزل بنفسه على مصر عشان يقضى على الثورة نهائيا، ولما شاف الحاله الضنك اللى كانت فيها أهل مصر تبرأ من افعال ولاته زي ما بيحكي المقريزي عن الخليفة المأمون انه قال:

“.. فأنا غير مسئول عن سياسة ولاتي لأني لم أملِ عليهم هذا الموقف الذي اتبعوه ، أنا لم أفكر قط في إرهاق الناس وإذا كنت أشفقت علي الروم أعدائي فكيف لا أشفق علي رعيتي..”

المأمون يستمع للبابا يوساب.png

ولكن بعد فترة أحس المأمون ان الثورة بتزيد، وان القوات اللي كانت محاصرة بشمور مش هاتغير الموقف كتير، فقرر انه يتدخل بنفسه بجيش جديد من بغداد بقيادة واحد تركي اسمه أفشين، ولكن لمناعة موقع بشمور والأراضي الموحلة المليئة بالأحراش فكانوا اهل المنطقة بيعملوا كماين لجند أفشين وقتلوا منهم عدد كبير، ففي مطلع العام 830م أمر المأمون باستدعاء جيش اخر اكبر عددا وارسل الى بطريرك أنطاكية الأنبا ديونيسيوس وبطريرك مصر الأنبا يوساب وطلب منهم بتهديد انهم يتعاونوا معه ضد البشموريين، فكتب البطريرك يوساب رسالة وراء رسالة الي البشموريين بيحاول أنه يقنعهم بوقف القتال لعدم قدرتهم علي مقاومة الخليفة بالسلاح، ويخضعوا لتعليمات السلطة الحاكمة. كان البابا بيكلمهم في إلحاح وخطاباته الى اهل بشمور بيوردها ابن المقفع بالنص، ولكن بلا نتيجة غير أن البشموريين عقدوا العزم علي مواصلة الثورة للنهاية حتي لو كلفهم الأمر فناءهم!.. فصنعوا يدويا  في منازلهم المزيد من الأسلحة وبقوا يطوروا فيها ويعلنوا الحرب على الخليفة المأمون يوما بعد يوم، فأمر المأمون جيشه باقتحام بشمور مهما كانت النتائج!.. ودارت الحرب الضارية بين جيش المأمون وأهل بشمور كان نتيجتها تدمير مساكن البشموريين بالكامل وهدم كنائسهم وحرق البعض منهم أحياء وقتل اعداد كبيرة منهم في المعارك، حتى امر المأمون بوقف القتال، وبعد كدا اصدر مرسوم للبابا يوساب اقره بيه رئيس عام روحانى على الأقباط و اعطاه سلطات على كل الكنايس القبطية فى مصر وماحولها، وطبعا كل اللى بيشتغلو فيها، وأمر المأمون كذلك بتهجير أكثر من 3000 قبطي من اهل بشمور الى انطاكية بالسفن ومنها الى الموصل وبغداد، وهناك عاشوا تحت الأقامة الجبرية، ولما مات المأمون سنة 833م وتولى المعتصم فأفرج عن البشموريين فرجعت منهم اعداد على مصر واستقرت اعداد تانيه منهم فى بغداد والموصل وفضلو معروفين باسم البشموريين.

54885555

يقول ساويرس ابن المقفع واصفا نهاية الثورة:

“.. وأخيراً رضخ الأبطال للأمر وسافروا على سفن إلى أنطاكية حيث أرسلوا إلى بغداد وكان يبلغ عددهم ثلاثة آلاف، مات معظمهم في الطريق أما الذين أسروا في أثناء القتال فقد سيقوا كعبيد ووزعوا على العرب، وبلغ عدد هؤلاء خمسمائة، فأرسلوا إلى دمشق وبيعوا هناك.. “

أما المقريزي بقا فبيقول:

“.. انتفض القبط فحكم فيهم المأمون بقتل الرجال وبيع النساء فبيعوا وسبي أكثرهم حينئذ ذلت القبط في جميع أرض مصر…”

وبكدا انتهت ثورة البشموريين واللي كانت اخر ثورات الأقباط الكبيرة ضد الحكام، ومن وقتها ابتدت اعدادهم تقل بعد ما دخل في الاسلام منهم أكتر من ربعهم وعلى نهاية القرن التاسع كان الأقباط هم الأقلية في مصر، كمان بدأت اللغة العربية تنتشر بين الأقباط في تعاملاتهم اليومية، وتحل محل اللغة القبطية واليونانية، وكمان تدخل في الصلوات بالكنايس لغاية النهاردة..

147508 (1).jpg

قصة ثورة البشموريين كانت موضوع رواية (البشموري) للكاتبة الروائية المصرية والناقدة السينمائية سلوى بكر، واللي تناولت فيه موضوع ثروة البشموريين بالتفصيل.. وقالت في تعليقها على الأحداث:

“ثورة البشموريين لم تكن ثورة دينية كما يراها البعض بل هي ثورة اجتماعية كان سببها تزايد ضريبة الأرض الزراعية، لأن العرب عندما فتحوا مصر لم يكن لهم دراية بالنظم الزراعية المعمول بها منذ عهد الفراعنة حيث كانت غلة الأرض توزع علي أربعة أنصبة.. ربع للفرعون وربع للمعبد، وربع للفلاح وربع لإعادة الإنفاق علي العمل الزراعي، وعندما جاء العرب لم يطبقوا هذا النظام وكانوا يطالبون بزيادة غلة الأرض وزيادة الضريبة الزراعية ومن هنا أصبح هناك إجحاف بالفلاح الفقير، وثورات الأقباط بدأت منذ عصر الولاة وحتي العصر العباسي الأول وكانت هذه الثورات تخمد وتقمع حينا لكنها كانت تعود حينا آخر وتتجدد حتي جاء الخليفة المأمون في القرن التاسع الميلادي وقمع هذه الثورة لأنه كان يري أنها تهدد نظام الحكم العربي في مصر…”

وتضيف الأديبة سلوى بكر نقلا عن مؤرخين، ان ثورة البشموريين ماكانتش ثورة قبطية بحتة بل انضم لهم فلاحين مسلمين وعربان (بدو) من سكان شمال الدلتا، وبالتالي فهي مش ثورة دينية، وبتقول كمان:

“.. ورغم عدم نجاح ثورة البشموريين إلا أنهم استطاعوا أن يسجلوا بطولات خالدة ضد الظلم والطغيان وقدموا درسا رائعا في الصمود والتضحية..”

كمان اللي تأثر بقصة أهل بشمور المخرج الأمريكي المعروف ميل جيبسون ووصفها بأنها “مأساوية” وانه متعاطف جدا مع اهلها، ونقلا عن مصدر لجريدة “الدستور الألكتروني” في الولايات المتحدة انه بيحضر لعمل فني جديد بعنوان (مأساة شعب) سيعالج فيه قصة البشموريين من وجهة نظر درامية والكلام دا كان في 2011، كمان صرح الكاتب والسيناريست بشير الديك لجريدة “اليوم السابع” انه بيفكر يكتب مسلسل مأخوذ عن رواية البشموري للكاتبة سلوى بكر يعالج فيه المتاعب اللي واجهها الفلاح المصري عبر العصور، والكلام دا كان في 2012 وحتى الأن مافيش اي اخبار عن انتاج اي اعمال بتتكلم عن موضوع اهل بشمور.

مصادر:

  • سيرة الأباء البطاركة – ساويرس ابن المقفع
  • بدائع الزهور فى وقائع الدهور – ابن اياس الحنفي
  • السلوك لمعرفة دول الملوك – المقريزي
  • سندباد مصرى، جولات فى رحاب التاريخ – حسين فوزي

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 30
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    30
    Shares
  •  
    30
    Shares
  • 30
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

7 thoughts on “من مهمل تاريخ مصر.. ثورة البشموريين

شاركنا برأيك فيما قرأت!..