من مهمل تاريخ مصر: الحملة العسكرية على بلاد الحجاز (1)

حكايات من خارج مصر عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاءت الأقدار ان تبقا ارض الحجاز هي ميدان القتال الأول للجيش المصري في العصر الحديث، ودا كان في اوائل سنوات حكم محمد علي باشا والي مصر واللي تولى حكم البلاد عام 1805م، وكانت الحرب دي من اشق الحروب وأصعبها وأطولها على اي جيش في الوقت دا من مطلع القرن ال19، كلفت مصر كتير من الأرواح والعتاد و المال، ناهيك عن المتاعب زي وعورة الطريق وقلة الماء وشدة الحر وكذلك محاربة خصم مستبسل في الدفاع عن ارضه وقضيته بكل غالي ونفيس. ياترى ايه اللي خلى محمد علي باشا يأمر بالحملة دي؟.. ويهتم بيها ويقرر انه ينهيها للأخر رغم الأخفاقات و الهزائم اللي سمع بيها في الأول، بل ويحارب بنفسه فيها في بعض المعارك؟!.. رغم انها حرب غير مهمة بالنسبة لمصر ولا الوهابيين كانوا عدو بيهدد مصر في الوقت دا!.. ودا هايبقا موضوع التدوينة بتاعتنا النهاردا واستحملونا شوية لأن الموضوع طويل حبتين بس شيق جدا.. تعالوا نعرف من البداية..

ظهر في شبه الجزيرة العربية في منتصف القرن 18 داعية ديني اسمه الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت 1792م) كان حنبلي المذهب، ويميل الى المدرسة السلفية ولا يؤمن بالبدع، لاسيما المنتشرة في مكة والمدينة من ضروح للأولياء وشعائر الصوفية المنتشرة في كل ارجاء البلاد بدعم من العثمانيين دولة الخلافة في الوقت دا. وبدأ الشيخ دعوته في العيينة بلدته، يدعو اهلها الى التمسك بسُنّة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ورفض كل تفسيرات القرآن اللي مش جاية من طريق السلف الصالح أو التابعين رضوان الله عليهم، وبالتالي نبذ كل البدع الموجودة في الوقت دا زي شرب الدخان ولبس الحرير والتضرع بالأولياء والقبور.. الخ، ودعا كمان إلى هدم كل القباب والأضرحة الموجودة في مكة والمدينة واعتبرها مخالفة لأحكام الدين بل وخروج عليه، وبالغ أنصاره في التشدد في معاملة الناس اللي رفضوا مذهبهم او دعوتهم.

p16_20131024_pic1.jpg

وانتقل الشيخ ونفر من انصاره الى الدرعية أكبر مدن اقليم نجد في عام 1744م وتعرف على اميرها محمد بن سعود واللي أيّد أراء الشيخ وتعهد بنصرته، فانتشرت الدعوة من الدرعية وبدأ أتباعها يزيدوا في بلاد الحجاز ويشتبكوا مع مخالفيهم، فلفتوا نظر حاكم الأحساء العثماني اللي هدد الشيخ بالأعتقال، فبدأ محمد بن سعود في محاربة بعض القبائل لزيادة رقعة ملكه وبالتالي نشره لدعوة الشيخ بن عبد الوهاب، وخرج لهم شريف مكة يحاربه ولكنه انهزم أمام قوات بن سعود عام 1792م. بعدها خرجت قوات بن سعود للزحف على البصرة عام 1801م ودمروا كثير من مشاهد الشيعة في كربلاء منها مسجد الأمام الحسين رضي الله عنه، وهنا ثارت حفيظة الشيعة في كافة البلاد فجاء الدرعية شيعي متنكر عام 1803م واغتال الأمير عبد العزيز بن سعود اثناء الصلاة. وثار الولاة الأتراك ولكن منعة آل سعود في الدرعية منعتهم من اتخاذ اي موقف مؤثر معهم، وكانت سيطرة آل سعود و الوهابيين على اقليم الحجاز ودخولهم مكة فاتحين عام 1802م وطردهم لشريف مكة وارسلوا للسلطان العثماني سليم الثالث في الأستانة يخبروه باستيلاءهم على الأقليم وينصحوه بتقبّل الأمر وانهم هدموا كل القباب والقبور ومنازل الأتراك في المنطقة المحيطة بالكعبة، ويطلبون منه عدم ارسال “المحمل الشريف” من القاهرة او دمشق لأنه ليس من الدين في شيء!.. وطبعا الكلام دا ماعجبش السلطان سليم الثالث وحس ان سلطته الدينية بتنهار لضياع الحرمين الشريفين من سلطانه، وعشان كدا وقرر انه يواجه آل سعود مواجهة لاهوادة فيها.

ikhwan_army_85_500.jpg

وبدخول الوهابيين للشام عام 1807م اصبحوا اكثر قربا من العثمانيين في الأناضول، ولكن دعوتهم ماحدش أقبل عليها كتير في فلسطين وسوريا، فأرسل السلطان العثماني إلى محمد علي باشا والي مصر يأمره بتجهيز حملة عسكرية لمحاربة الوهابيين وآل سعود، وكمان لإخضاع الأقاليم اللي خرجت من السيطرة العثمانية، ووعده بمنحه ولاية مصر مدى حياته لو نجح في مهمته وكمان عين ابنه ابراهيم باشا دفتردار (وزير مالية) الحجاز.

Muhammad-Ali-Pasha-at-his-office-in-Cairo

وبعد ما خلص محمد على باشا على اعداؤه بالداخل من المماليك في مذبحة شهيرة (للمزيد طالع هنا) عام 1811م خرج جيش بقيادة ابنه الأمير أحمد طوسون باشا (كان عنده 17 سنة) من 8 ألاف مقاتل وكانوا من الشركس والأناؤود (الألبان) والبدو، وخرجت في شهر مارس من السويس بالمراكب لميناء ينبع، وكان دا اول اسطول حربي بناه محمد علي في وقت قصير جدا في الأسكندرية وحمل قطع المراكب على ظهور الجمال مفككة وجمّعها في السويس زي مابيقول الجبرتي. وكان بيصاحب الحملة طائفة من الصناع والسيد أحمد المحروقي شاهبندر تجار مصر مديرا للمهمات، وعلماء على المذاهب الأربعة وبعض الأعيان كالشيخ حسن كريت اللي كان له فضل كبير في مقاومة الحملة الإنجليزية في رشيد عام 1807 (هانتكلم عنها بالتفصيل بعدين.. فتابعونا). وبصراحة أخد محمد علي باشا بكل اسباب النجاح لحملته العسكرية الأولى ملتمسا النصر، لكن ايه اللي حصل للحملة دي بعد ماراحت لأراضي الحجاز؟.. تعالوا نكمل..

إحتلت الحملة ميناء ينبع بدون اي مقاومة تذكر، واسرت نفر كتير من الحامية الوهابية هناك بعد هروب قائدها وبعض رجاله، وواصل بعدها طوسون باشا المسير الى منطقة بدر (واللي كان عندها غزوة بدر الشهيرة) فاستولى عليها في اكتوبر 1811 بعد اشتباك قصير (حوالي ساعتين) مع قوات الوهابيين هناك، وواصل المسير نحو وادي الصفراء لكن هناك كان فيه كمين لقوات الوهابيين اللي هاجموا الجيش عند بعض الطرق الضيقة وضربوهم بالمدافع فقتلوا صفوفه الأولى وفر الباقي متراجعين فأعاقوا تقدم طوسون باشا وقواته، وكانت دي أول هزيمة للجيش المصري في ارض الحجاز. وكتب طوسون باشا لوالده محمد علي باشا اخبره بنبأ الهزيمة وانه خسر فيها اكثر من 600 قتيل وكثير من المدافع والأرزاق (الأكل وخلافه) مما ادى الى وفاة عدة الاف من جيشه عطشا ومن شدة الحرارة، فكان عدد من انسحب الى ينبع يفوق الثلاثة ألاف بقليل!.. وبيلقي تبعة الهزيمة على عدم اتفاق قواد الجيش وبيتهمهم بالتقصير، وتأثر محمد علي باشا بالهزيمة وارسل يستدعي قواد الجيش وعزلهم جميعا من مراكزهم ونفاهم لأقاصي البلاد وكان منهم صالح قوش باشا بطل مذبحة القلعة.

hqdefault (2)

وأرسل الباشا حملة تانية بعد مافرض ضرايب جديدة جمعها رجاله بمنتهى القسوة من المصريين، ووصل المدد لطوسون باشا في اكتوبر عام 1812م فتجهز لأعادة احتلال وادي الصفراء والأجهاز على قوات الوهابيين اللي مافكروش ينتهزوا فرصة انتصارهم الأول ويهاجموا الجيش المصري في ينبع ويقضوا عليه، وبيعزي المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي سبب دا لقلة دراية الوهابيين بفنون القتال والكر والفر فهم اصلا محاربين بالفطرة وليسوا جنود نظاميين، وفي الوقت دا استمال طوسون باشا كثير من قبائل الأعراب في الطريق الى الصفراء بالأموال والهدايا لتزويد الجيش بالماء والطعام، فإنضم لهم كثير من مقاتلي الأعراب ضد الوهابيين كجنود مرتزقة يحاربون من أجل المال والعطايا والكسايا اللي ارسلها محمد علي باشا من مصر، فلما وردت انباء اقتراب الجيش المصري من الصفراء تركها الوهابيون فدخلها طوسون باشا بدون قتال، وأرسل لمحمد علي باشا بالنبأ ففرح وأمر بضرب المدفعية في كل انحاء القاهرة ابتهاجا بتقدم ابنه على الوهابيين زي ما بيحكي الحبرتي.

وزحف الجيش المصري بعد كدا للمدينة المنورة اللي تحصن بها الوهابيين، وكان الزحف ليلا والراحة بالنهار لشدة الحرارة، وصل الجيش للمدينة بعد 3 ايام وضرب عليها الحصار وتجنب ضرب المدفعية حتى لا تصيب الحرم الشريف واستعاض عنها باشعال الألغام في بعض المناطق أسفل السور المحيط، وانذر السكان بإلتزام بيوتهم ومنحهم الأمان، ولما نسف السور اقتحم الجنود المدينة وقتلوا كل من بها من الوهابيين ونفذوا وعدهم بالأمان لأهلها اللي اعتصموا بمنازلهم، وكان دا في نوفمبر 1812م.

29c3vgl

ورجع طوسون باشا الى ينبع بعد انتصاره في معركة المدينة، وركب البحر بحامية من 1000 جندي الى جدة فاحتلها وسار منها الى مكة المكرمة ودخلها فاتحا في يناير 1813م بعد استمالة شريف مكة وكثير من قبائل الحجاز ببذل كثير من المال، وأرسل بانباء انتصاراته الى مصر ففرح الباشا وزين القاهرة كلها وضرب مدافع لأيام عديدة، وفي الأثناء دي اكمل طوسون باشا المسير للطائف واحتلها في نهاية يناير 1813م.

معركة عين شمس

وفي الأثناء دي كان الأمير سعود بن عبد العزيز بيراقب الموقف من الدرعية، وطبعا ازعجه تقدم الجيش المصري واستيلاؤه على اماكن حيوية مقدسة، وكان بيدرس اسلوب قتال الجيش المصري واساليبه في استمالة القبائل والبدو (الأعراب)، فلما بلغه نبأ احتلال الطائف أمر رجاله بالمسير في جيشين: الأول كان بيقوده بنفسه والثاني كان بقيادة ابنه الأمير فيصل بن سعود، ووصلت الأنباء لطوسون فقرر يخرج لمقابلة الجيشين وأدرك حرج موقفه.

bulaq02

اتخذ الأمير فيصل من مدينة تربة معسكر لجيشه، وحوطها بالخنادق (هوا طبعا أسلوب دفاعي قديم شوية لكنه كان مؤثر ايامها) وضرب المصريين الحصار على المدينة لكن هاجمهم الوهابيين بأعداد كبيرة فانسحب اغلب القوات المصرية من الحصار وسابوا مدافعهم وارزاقهم وارتدوا بغير نظام للطائف فاتقتل منهم عدد كبير ووقعت هزيمة كبيرة. وفي الوقت دا كان الأمير سعود بن عبد العزيز بيهاجم الحناكية بجيشه، ورغم دفاع الحامية عن مواقعهم لكنهم اضطروا للتسليم والأنسحاب واخلاء المدينة فاحتلها بن سعود في يوليو 1813م. وطبعا وردت الأنباء لمحمد علي باشا في القاهرة فغضب جدا وقرر انه يسافر بنفسه لقيادة الجيش المصري والمحافظة على الأنتصارات اللي حققها ابنه قبل مايستولي بن سعود على مكة والمدينة بعد النفقات العظيمة اللي تحملتها الحملة لغاية دلوقت! (بيقول الجبرتي انها وصلت 35 ألف كيس، والكيس 500 قرش، يعني حوالي 175 ألف جنيه).

ياترى عمل ايه محمد علي باشا مع قوات الوهابيين اللي اتخذت مواقع حصينة وكان عددها وعدتها وموقفها الحربي في الوقت دا اقوى من الجيش المصري؟.. وهل قدر انه يكمل حملته للنهاية؟.. دا موضوع التدوينة اللي جاية ان شاء الله فتابعونا..

لطفا لو عجبتك التدوينة او استفدت منها معلومة جديدة تشيرها لأصدقاءك عشان الفايدة تعم، وماتبخلش علينا بالمتابعة للمدونة واللايك لحسابنا على الفيس وجوجل بلس والفولو لحساب تويتر كمان.. وشكرا

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، عصر محمد علي، دار المعارف 2009
  • المعرفة – الموسوعة الحرة

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

0 thoughts on “من مهمل تاريخ مصر: الحملة العسكرية على بلاد الحجاز (1)

  1. ربنا يبارك في حضرتك….أنا مكنتش متوقع أن حد بيكتب تاريخ بالعامية ممكن يتكلم بشكل كويس عن الشيخ محمد عبد الوهاب رحمة الله عليه
    بجد ما شاء الله عليك…..كل مواضيع المدونة رائعة جدا جدا
    ربنا يزيدك علم نافع كمان و كمان

شاركنا برأيك فيما قرأت!..