من طرائف التاريخ المصري: زرافة محمّد علي باشا

حكايات من خارج مصر عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 35
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    35
    Shares

في متحف التاريخ الطبيعي بمدينة (لاروشيل) الفرنسية، تلاقي عظام زرافة منسوبة للملك شارل العاشر ملك فرنسا (1824 : 1830م) واللي يقرا قصة الزرافة دي يلاقي فيها اسم محمد علي باشا والي مصر، ويعرف انها كانت هدية لملك فرنسا لتلطيف العلاقات الفاترة بين مصر وفرنسا في الوقت دا.. ايه موضوع الزرافة دي؟.. وياترى هل محمد علي باشا قدر يحقق اللي هوا عايزه.. عن طريق الزرافة؟… تعالوا نشوف..

قصر محمد علي باشا في شبرا الخيمه- القاهره 1818.jpg

في بداية العقد الثاني من القرن ال19 كان محمد علي باشا ابتدا يبني في الجيش المصري وكان محتاج للخبرات الأجنبية في تكوين جيشه الجديد، وفي الوقت دا كانت علاقاته بانجلترا تقريبا مقطوعة بعد الحكم بالاعدام على بعض البريطانيين وعرض رؤوسهم على أسوار القاهرة، زي ما بيحكي مايكل آلين في كتابه (الزرافة، القصة الحقيقية – من أعماق أفريقيا إلى قلب باريس)، بيقول ان محمد علي اتجه الى تلطيف العلاقات مع فرنسا عشان يقدر يستعين بخبرات العلماء الفرنسيين في نهضة بلاده، وكان أحد أعيان السودان واسمه (موكر بيه) أهدى محمد علي باشا زرافتين صغيرين وضعهم في حديقة قصر شبرا، لما شافهم قنصل عام فرنسا في مصر وكان اسمه برناردينو دروفيتي (ايطالي الأصل عينه نابليون الأول قنصل في مصر وهوا اللي كان مسئول عن خروج كتير من اثار مصر الفرعونية لأوروبا في الوقت دا) فإقترح دروفيتي على محمد علي باشا انه يهدي الزرافتين لملوك فرنسا وانجلترا، لتلطيف العلاقات وتحسين الأجواء.. وكانت وجهة نظره ان اوروبا بالكامل ماكانتش تعرف حاجة عن الزرافات في الوقت دا ولا أي حد منهم شاف زرافة في حياته واللي بتعتبر افريقيا موطنها الأصلي ومش موجودة في اي حتة تانية في العالم غيرها. فالزرافة هاتكون هدية نادرة وقيمة وهايستحسنها ملك فرنسا، فوافق محمد علي باشا وأمر باعداد الزرافتين كل واحدة في وجهتها كهدايا لملوك فرنسا وانجلترا، بعد تحديد زرافة كل بلد عن طريق القرعة لأن تقريبا الأتنين ماكانوش زي بعض..

وعن الزرافة اللي كانت رايحة على فرنسا، بيقول ميسو دروفيتي لوزيره في فرنسا في رسالة رسمية:

“أنا سعيد باعلام سعادتكم ان القرعة على الزرافتين كانت من حظنا. فقد حصلنا على الزرافة القوية والنشيطة. أما تلك التي جاءت من حظ بريطانيا فهي مريضة ولن تعيش طويلاً “.

وبالفعل، الزرافة الأنجليزية بتموت بعد شهرين من وصولها للأراضي الأنجليزية، فاعتبرها الأنجليز كأن لم تكن!.. ومن ناحيته، بدأ مسيو دروفيتي اعداد الزرافة الفرنسية لرحلتها من ميناء اسكندرية لميناء مارسيليا في عام 1826، وإنقلبت الأسكندرية رأسا علي عقب لما وصل موكب الباشا محمد علي وكان فيه حيوانين أسطوريين (اللي هما الزرافتين) مع صحبة مكونة من ثلاث أبقار بتحلب لبن لرعاية الزرافات اللي كانوا بيستهلكوا 25 لتر لبن يوميا!!.. ومعاهم 2 مختصين برعاية الرزافة سودانيين واسمهم حسن وعُطير، واستقر الموكب في ساحة قصر رأس التين لمدة ثلاثة شهور لغاية ما تخلص إجراءات سفر الزرافتين الي إنجلترا وفرنسا.

IMG_8167

بيقول دروفيتي ان الزرافة اللي حصلت على الجنسية الفرنسية (!!) كان عندها شهرين وتم تدريبها على شرب اللبن البقري، وكانت قصيرة القامة، وتم تزويد السفينة ب3 غزلان عشان ماتحسش بالوحدة غير الأبقار الحلوب، وتم عمل فتحة في ارضية السفينة لرأس الزرافة وتبطينها بالقش عشان ماتجرحش رقبتها، وعلقوا على رقبة الزرافة والمركب مجموعة من التعاويذ والتمائم عشان تمنع الحسد والأخطار عنها (حسب معتقدات الوقت دا). وغطوا فوق الزرافة بغطاء أشبه بالكانفاه عشان يحميها من الشمس والمطر، وبدأت السفينة رحلتها في 29 سبتمبر 1826 مع مراسم الوداع العسكرية من قصر رأس التين، بقيادة قبطان ايطالي “ستافينو منارا” ووصلت لميناء مرسيليا في فرنسا يوم 31 أكتوبر (يعني شهر تقريبا في البحر)، حيث كان في استقبالها محافظ مرسيليا واللي وصفها بأنها:

“المصرية الجميلة، الأنثي بمعني الكلمة، والكنز الثمين، وقد خلبت لب الجميع بسحر عينيها الواسعتين وخجلها وطباعها بالغة الرقة..”

وطبعا خضعت حمولة السفينة، الحيوانية والبشرية، للحجر الصحي طبقا لقوانين البلاد لمدة 3 شهور، وبنى الفرنسيين بيت على مقاس الزرافة مخصص لسكنها وزودوه بوسائل تدفئة، لغاية ما تقرر ان يتم نقل الزرافة لباريس في فصل الربيع عشان توقف الأمطار والطقس البارد. خلال الفترة دي كان مكتب محافظ مارسيليا يرسل تقرير شبه يومي لباريس بيتكلم عن حالة الزرافة الصحية ومايتم اتخاذه من اجراءات، وتم الترتيب مع وزير الداخلية الفرنسي لأجراءات نقلها، وتم اعتماد مبلغ 4500 فرنك مايوازي 750$ (وكان مبلغ كبير في الوقت دا) دفعتها الحكومة عن طيب خاطر لزوم نقل الزرافة لباريس، واستعد الجميع وسكان المدن اللي هاتعدي عليها القافلة للحدث الجلل.. انتقال زرافة محمد علي لباريس!..

زرافة-محمد-علي-..-أول-زرافة-في-باريس.jpg

رصدت جريدة illustration الفرنسية اجراءات وصول واقامة الزرافة في مرسيليا ومراسم انتقالها لباريس، وكمان الأحتفالات اللي اقامتها زوجة محافظ البلدة للطبقة البرجوازية لمشاهدة الزرافة، وطبعا معاهم كل الأكاديميين وعلماء الحيوان والفنانين والرسامين اللي سجلوا كل صغيرة وكبيرة عن الزرافة. وكمان كان من حظ الناس في مرسيليا انها يشاهدوها بعد ما قرر المحافظ للزرافة جولة حرة بشوارع المدينة عشان يرفه عنها وماتحسش بالحبس!.. وطبعا في حماية من الشرطة والخيالة، فتجمع الناس من كل انحاء المدينة الكبيرة لمشاهدة الزرافة.

وفي اواخر مايو 1827، تقرر نقل الزرافة سيرا على الأقدام في رحلة تبلغ 425 ميل لغاية باريس، تحت اشراف العالم الفرنسي جوفروا سانت هيلير رغم مرضه، لكنه تحمس لأفتتانه بالزرافة ورغبته في المحافظة عليها، وطبعا بيحكي مايكل ألين في كتابه عن الزرافة قد ايه الناس كانوا بيحتفوا بها في اي مكان تروح له، لدرجة انه بيحكي عن مسمار دخل في قدم الزرافه، فماقدرتش تمشي، فقرروا انهم يريّحوها لفترة، فأمّنوا لها فراشاً في ساحة بيلكور، في قلب مدينة ليون الفرنسية، وراحت الزرافة تتلذذ لمدة خمسة ايام بالاسترخاء على فراش من أوراق الزيزفون المفروش تحتها وحولها، وتاكل الحلوى والجزر من أيدي بعض المتفرجين اللي وقفوا طوابير عشان يأكّلوا الزرافة (والله العظيم مكتوب كدا!)..

زرافة-محمد-على

وفي النهاية وصل موكب الزرافة لباريس في 30 يونيو 1827 وسط أبهة عارمة، جنود الجيش الفرنسي تقدموا الموكب، الجنرالات زينوا صدورهم بالريش وركبوا الخيول وتقدموا الموكب، اساتذة المتحف الطبيعي، وأعيان جامعة باريس، وموظفون في الكليات الجامعية، تجمعوا من كل مكان واختلطوا في الموكب لأستقبال الزرافة!.. أما العالم جوفروا سان هيلير فكان يمشي جانب الزرافة مسافة 15 كيلومتر رغم مرض الروماتيزم لغاية ماكان هايقع من التعب، لكن مارضيش يتخلي عن الحيوان اللي صحبه في رحلته من مرسيليا لغاية مايوصله لملك فرنسا شارل العاشر Charles X واللي كان في استقبال الموكب هوا وكل افراد العائلة المالكة، الدوق أنجولم والدوقة دو بيري، وكان معاها طفلين أعجبوا بالحيوان العجيب، وضع الملك شارل العاشر تاج من الورود بألوان جميلة حول رقبة الزرافة.

وطبعا ساهمت الزرافة فى حركة رواح اقتصادى في باريس وفرنسا كلها، حيث تم صنع اعداد لا تحصى من الاشياء والقطع الفنية المصنوعه من السيراميك عن الزرافة. كمان تم تصنيع اطباقاً وصحوناً منقوشة بالزرافة. وطبع ونُقش رسم الزرافة على الاوراق والمكاوي والمحابر والمراوح وأدوات التدخين والمطبوعات من كل نوع. كمان اتخذ اكثر من ثلاثين صاحب فندق صغير ومكتب بريد ومخزن في فرنسا، اختاروا الزرافة شعار لهم في الوقت دا، ومازال الشعار دا موجوداً لغاية النهاردا في اماكن متعددة من فرنسا!.. كمان ظهرت ألوان على القماش زي لون جلد الزرافة، وظهرت كرافتات مرسوم عليها الزرافة وأطباق ماركة الزرافة، وتسريحة شعر قرون الزرافة للسيدات والبنات. كما تم اطلاق إسم الزرافة علي بعض الشوارع والميادين. وتحولت إلي مادة للأغاني والاستعراضات والمقطوعات الشعرية، وصار فيه حاجة للأطفال اسمها (كعكة الزرافة)، كما أعلنت صحيفة “النساء والموضة” عن عقد الزرافة بأشكال متنوعة.. واحتوت مجلة Le Jour علي إرشادات لطريقة ربط كرافتة الزرافة! وانتشر ذلك في كل فرنسا تقريباً. وأطلق على آلة موسيقية ظهرت في الوقت دا اسم “البيانو – الزرافة”.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

وفي يوليو 1827م تم تخصيص مكان للزرافة في حديقة النباتات بباريس في مكان مخصص لنباتات المنطقة الحارة، وتم تنظيم رحلات لزيارة الزرافة أدرت على الخزانة الفرنسية ايامها ارباح طائلة!.. زارها من يوليو ليناير 1828 اكثر من 600 ألف شخص، بالأضافة الى ان ملك فرنسا لويس العاشر كان بيزورها يوميا، وتهكم عليه افراد المعارضة  في بلاده وقالوا انه بيهتم بشئون الزرافة أكثر من اهتمامه بشئون الحكم، وظهر مثل فرنسي في الوقت دا ان “فلان” بيسرّح للزرافة (il est peigner la girafe) وصار بيطلق على الشخص الفاضي اللي مش لاقي حاجة يعملها وبيشغل نفسه بأي حاجة!..

fa209086_d01.jpg

وشاخت الزرافة بهدوء، بعد ان عاصرت الملك شارل العاشر والعالم جوفروا هيلير، ولويس فيليب امبراطور فرنسا وماتت في بداية سنة 1845 عن واحد وعشرين عاماً، وطبعا دي مدة كبيرة لحيوان في الأسر ومش عايش في بيئته الطبيعية، كمان لم تتزوج زرافتنا الجميلة وطبعا لم تنجب لأن ماكانش فيه غيرها في فرنسا كلها. تم حفظ عظامها في متحف التاريخ الطبيعي بمدينة لاروشيل.

أما بالنسبة لمحمد علي باشا فاستطاع بالفعل، عن طريق الزرافة، تحسين العلاقات مع فرنسا، وارسال بعثات علمية تعليمية لأفراد اسرته وبعض النابهين من ابناء مصر للدراسة في مختلف المجالات لتحقيق نهضة شاملة في مصر، كمان استطاع شراء كثير من قطع الأسطول المصري من فرنسا، لكن دا ما منعش فرنسا انها تنضم للتحالف اللي اقاموه الدول الأوروبية ضد محمد علي باشا والسلطان العثماني، وانتهي بتحطيم الأسطولين العثماني والمصري في نفارين باليونان أكتوبر 1827 .

رجاء لا تبخل علينا بتقييم المقال اعلى الصفحة وكمان المشاركة مع اصدقاءك ومتابعة المدونة، وكمان صفحاتنا على مواقع التواصل الأجتماعي.. وشكرا..

مراجع:

  • Allin, Michael (1999). Zarafa: A Giraffe’s True Story ترجمة: محمد شرشر (زرافة محمد علي من مجاهل افريقيا الى قلب باريس) طبعة 2009
  • مقال (زرافة محمد علي) للكاتبة أمل الجيار، الأهرام المصرية 31 ديسمبر 2011
  • المعرفة، الموسوعة الحرة (زرافة محمد علي باشا).

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 35
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    35
    Shares
  •  
    35
    Shares
  • 35
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..