مصر الفسطاط.. بعيني ناصر خسرو

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 16
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    16
    Shares

ظهر في القرون الأولى من الدولة الأسلامية نوع جديد من الأدب، اشتهر به العرب أكثر من نظراءهم الأوروبيين في الوقت دا، وهو أدب الرحلات. فكانت رحلات التجارة نحو الشرق الأقصى وسفن التجار الأيطاليين التي حطت في الأسكندرية حملت كثير من الشغف مما شجع الكثيرين لركوب البحر غربا وشرقا، واعتلاء القوافل شمالا وجنوبا يجوب البلاد، ويحط في المدن متجولا ناظرا بعين الانبهار ناقلا بكل امانة ما رآه للأجيال القادمة. ولم تكن كاميرات التصوير قد ظهرت بعد، فكانت أداة الرحالة هي الكلمات والعبارات التي تترجم ماتراه عيناه فتتكون الصورة في راس القارئ بانتهاء أخر جملة في العبارات والفقرات.. ومن اشهر من جاء الى مصر في العصر الأسلامي الأول الرحالة الفارسي ناصر خسرو، وقد دون ما رآه في كتابه المشهور (سفر نامه) واللي هاننقل منه بعض الفقرات في تدونيتنا دي.. خليكو معانا..

خسرو يجوب انحاء مصر

زار ناصر خسرو مصر تقريبا عام 1047م، تقريبا بعد قرابة الثمانين عاما من زوال دولة الأخشيد وقيام دولة الفاطميين في مصر. القاهرة المدينة الفتية الجديدة كانت بدأت تاخد مكانتها حاضرة للبلاد لكن مازالت الفسطاط لها مكانتها التجارية والصناعية كأهم تجمع للحرفيين في مصر كلها. بيوصف خسرو مدينة مصر (الفسطاط) بأنها مدينة بنيت على ربوة مرتفعه، يظهر مسجد ابن طولون للناظر لها من بعيد معلما قويا من معالم المدينة، ويتضح لنا ان ناصر خسرو لم يكن يعلم شيئا عن تأسيس القطائع، وأنه برغم الدمار الذي حل بها بعد اجتياح العباسيين للبلاد وزوال دولة بني طولون عام 905م (للمزيد طالع هنا) ألا انه كان نسيج المدينة العمراني قد امتد من الفسطاط للقطائع وامتد ليحيط بالمسجد من جديد. وكان للمسجد سور مزدوج قوي من أقوى ما شاهده خسرو في بلد من البلاد، واسهب في وصف المئذنه الملتويه، وكانت هناك سبعة مساجد بالمدينة، اهمها مسجد عمرو بن العاص وكان اسمه (المسجد العتيق) وكان به محراب مغطى بالرخام الأبيض وموشى بأيات قرآنيه، سقف المسجد من عروق من الخشب يحمل الواح عريضة متراصة بجوار بعضها البعض وبه بعض الفتحات للأنارة، ومعلقه عليه عدد كبير من القناديل تضيء ليلا، وصحنه حافلا على الدوام بطلاب العلم والمشايخ، كان قاضي القضاة يفترش صحن المسجد دائما محاط بالعسكر واصحاب القضايا والمشاكل وكان يرتدي السواد في ايام العباسيين، فلما دخل الفاطميون مصر احدثوا تعديلا على النظام القضائي فصار مجلس القاضي في صحن المسجد الأزهر ويرتدي ملابس بيضاء ويقضي طبقا للعقيدة الشيعية.

شوارع الفسطاط كما رأها خسرو

في خارج ابواب المسجد فكانت توجد الأسواق، وفي شمال المسجد درب القناديل، ويقول ناصر خسرو انه لم يرى مثيله في اي مكان اخر، فكانت القناديل من البلور تضيء الشارع ليلا والجدران موشاه بالبلور الشفاف فتعكس مزيدا من الأنوار في اعين الرائي. والحوانيت (الدكاكين) تعرض الكثير من العاج وريش النعام والأبنوس ومنتجات السودان والحبشة. كما أحصى انواع جميلة من الأزهار والخضروات والفواكه شاهدها في اسواق مصر (الفسطاط): الورد الأحمر والزنبق والنرجس والبرتقال الحامض (البلدي) والحلو (ابو صرة والسكري) والليمون الحلو (الأضاليا) والتفاح والياسمين والبطيخ والموز والزيتون والبلح الزغلول والرطب والعنب على اختلاف الوانه وقصب السكر واليقطين (القرع العسلي) والبصل والثوم والباذنجان والجزر والبنجر. ومع ان هذه الأشياء تظهر في مواسم مختلفه الا ان ناصر خسرو ذكر في غير موضع ان القطر المصري كان ارضا فسيحه تنتج فواكه تنمو في الموسم الحار واخرى تنبت في الأجواء الباردة، كانت تجلبها المراكب من صعيد الأرض (مصر العليا) وأدناها (الدلتا والبراري) الى شواطئ الفسطاط، فكانت اسواقها زاخرة طوال العام بكل ما تشتهيه الأنفس.

181-1

التجارة والأسواق

وكان من اكثر معروضات الأسواق الفخار، وكانت اشكاله ومنتجاته ودقة صنعته موضع اعجاب خسرو فقد اشاد بالأنية الفخارية وتنوع احجامها، كما اشاد بصناعة الزجاج والآنية الزجاجية والبلور، وانه كان يرى يده بوضوح من خلف الأناء دليلا على نقاء الزجاج وشفافيته العالية. كذلك كانت الأنية لمصنوعة من النحاس بجودة عاليه كمثيلاتها في اسواق بغداد ودمشق والمغرب، رغم ان النحاس كان مستوردا من بلاد الشام. وقال خسرو ان دكاكين العطارة والعقاقير في اسواق الفسطاط كانت تبيع منتجاتها في انيه زجاجية فلا حاجة للزبون ان يأخذ معه مايضع فيه مبتغاه، وهذا دليلا على وفرة الزجاج وانتشار اوانيه وبُخس ثمنه. بيقول خسرو كمان ان اغلب التجار كانت بتبيع بأسعار محددة بدلا من المساومة المعروفة في كافة الأسواق في الوقت دا (ولغاية دلوقت طبعا) واذا سولت لأحد التجار نفسه الغش واتضح امرة فكان العامة يطوفون به راكبا حمارا بالعكس وأمامه يدقون الطبول ويقرعون الأجراس في كل الشوارع ليعلم الجميع غشه ويكون عِبره لنظرائه من التجار.

وكانت التجار والعامة على حد سواء تمتطي الحمير في تنقلاتها في الشوارع حصرها ناصر خسرو بأكثر من خمسين ألف حمار، في حين كان ركوب الخيل قاصرا على عسكر الجيش والأمراء فقط، وكان رجال الشرطة يجوبون الأسواق يمنعون تشاجر العامة وسرقة الحوانيت، فلو سوّلت لأحدهم نفسه وخطف شيئا من سوق او دكان، فيكفي لصاحب الحاجة ان يصيح: “حرامي!!” فيظهر رجال الشرطة في الحال ويمسكون بالجاني بمعاونة المارة، بالإضافة لحفظهم الأمن في الشوارع والأزقّة، كما ينفذ رجال الحِسبة احكام القضاء وضبط المجرمين وتنفيذ الأحكام.

The-Orange-Seller,-Outside-Bab-Zuwayla,-Cairo (1).jpg

نظام “غريب” لمياة الشرب في مصر

وكانت المدينة تمتد على طول شاطئ النيل، وكانت الأروقة والأكشاك تشرف على النهر حيث يستطيع ان يحصل على الماء عن طريق الأوعية المربوطة في الحبال المدلاة، وكان السقاءون يحملون الماء في قِرب من جلود الحيوانات فوق ظهورهم وفوق الجمال احيانا، لينقلونه الى دور العامة (المباني السكنية) وكانت بعض الدور تتألف من خمسة او سبعة طوابق احيانا وفي الطابق العلوي يوجد حديقة يزرع فيها الفواكه لسكان الدار، تروى بواسطة ساقية يديرها ثور يُحمل الى السقف وهو عجل صغير (!!) وكان حجم الدور كبير جدا، قدرها ناصر خسرو بأنها تتسع لأكثر من ثلاثمائة وخمسون نفساً، وكانت الشوارع تتسع من ثلاثة الى سبعة اذرع احيانا، وبعد الممرات التجارية كانت تسقف بالخشب فتضاء ليلا ونهارا.

خانات وفنادق بالفسطاط القديمة

ولكي يعبر المرء للجزيرة الخضراء (الروضة) كان ذلك عن طريق جسر من 36 قاربا، غير انه لم يكن هناك جسور بين الروضة والجيزة، ولكن كانت تستخدم المعديات الخشبية، ويحكي خسرو ان عدد القوارب في مصر في ذلك الوقت كان اكثر من بغداد والبصرة، فكان السكان يتمتعون برخاء كبير غير موجود في حاضرة الخلافة بذاتها، يصوره خسرو في وصف ميلاد أحد الأمراء فكان العامة يقيمون معالم الزينات والرايات في الشوارع واعلى الحوانيت، ويوزعون المشروبات والمرطبات السكرية والولائم للفقراء والعامة لأكثر من ستة ايام وحتى ختان الصبي في اليوم السابع حتى ظن خسرو ان القارئ لن يصدق اغلب رواياته عما شاهده!.. ويحدثنا عن تاجر مسيحي موسر (غني) قد التقى به في الفسطاط كان له تجارة ضخمة وضياعا واسعة، وقد حدث أن لجأ أليه احد الوزراء في احدى سنين القحط فقد كان يملك مخازن من القمح تسد حاجة القطر لسنين عديدة، وخانا (فندق) كان يعرف بـ”دار الوزير” بلغت ايراداته أكثر من اثني عشر الف دينار سنويا، وقد كانت بالفسطاط أكثر من مائتي خان.

medium-1248080052853170030

ومن اورع ماشهد ناصر خسرو في الفسطاط على حد قوله، احتفالات جبر الخليج (وفاء النيل) وكان يشهدها الخليفة الفاطمي بنفسه (المستنصر بالله) فكان يركب على رأس عشرة ألاف فارس، كل منهم فوق سرج موشى بالذهب والأحجار الكريمة، وفوق غطاء حريري للفرس منقوش عليه اسم الخليفة، وعدد من الجمال تحمل هوادج مرصعة بالأحجار الكريمة وفصائل الجنود تمشي الواحد يلو الأخر تجاه مصب الخليج (الخارج من النيل الى البحر الأحمر) بأجسادهم القوية وكان اغلبهم من المغاربة والأتراك والفرس والبدو من بادية الشام (مشارقة) والسودانيين (مماليك)، ثم العبيد والحجّاب والموظفين على اختلاف طبقاتهم، والشعراء والأطباء والأمراء الصغار وغيره..

A81fHzN.jpg

أحد سلاطين دلهي “الهند” في مصر!

وكان احد سلاطين دلهي (الهند) كانت امه تقيم في مصر وكان يسير من ضمن الركاب. وكان للخليفة طلعة بهية فيصفه ناصر خسرو بأنه كان حليق الذقن أبيض البشرة يرتدي ثيابا بيضاء ناصعة وعمامة بيضاء موشاه، يسير أمامه الديلم (المماليك المغاربة) يرتدون الملابس اليونانية الموشاه بالقصب وهم حرس الخليفه، والى جانب الخليفة يسير الوزراء وكبار رجال الدولة ترفرف بينهم البيارق الخضراء (شعار الفاطميين) ومن بينهم حاملي المباخر، والناس ينحنون في اجلال وخشوع من الجانبين. بجوار الخليفة كان يسير الديلم حاملي صناديق خشبية تحمل الدنانير التي ينثرها الخليفة على الناس في طريقة الى النيل قد قدرها ناصر خسرو بأكثر من خمسة عشر صندوقا!.. وبعد الموكب يذهب الناس للتنزه في النهر وركوب القوارب والتمتع بالطقس الجيد في هذا الوقت من اغسطس من كل عام. بيعلق السير ستانلي لينبول في دراسته الرائعة “سيرة القاهرة” بيقول:

“وليس هناك شك في ان الخلفاء الفاطميين كانوا أكثر الملوك الذين حكموا مصر جلالا وعظمة وبهاءا، ولم يكن المعز نفسه يحيط نفسه بسياج من الترف والأبهة والجلال فحسب، بل كان يمارس بنفسة كل كبيرة وصغيرة وشئون الحكم، فيشرف على الأحكام في ساحة القضاء ويدير شئون الجيش الذي يستمد منه قوته وسلطته ويشرف بنفسه على الأصلاحات والأنشاءات والخطط بالحاضرة الجديدة ويستمع لشكاوي الناس ويؤلف قلوبهم بالدنانير الذهبية الذي ينثرها عليهم في كل موكب وكل احتفال..” – ستانلي لينبول (سيرة القاهرة) ص129

وعلى الرغم من ان النظم الأدارية في الدولة الفاطمية الناشئة قد فَصَلت القاهرة عن الفسطاط منذ أكثر من 80 عاما قبل زيارة ناصر خسرو، ولكن على مايبدو ان الفسطاط لم تفقد قيمتها ولا اهميتها التجارية ولا العقارية بعد. في تدوينات لاحقة نروي ما وصفه رحالة أخرون للقاهرة في عصور لاحقة لنتعرف أكثر على قيمة تلك البلاد في تلك الأزمان التالدة.. فتابعونا..

%d9%83%d9%8a%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d9%86%d8%b4%d8%a3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%b7%d9%85%d9%8a%d8%a9

مراجع:

  • ناصر خسرو – سفر نامه – طبعة Schefer
  • ستانلي لين بول – سيرة القاهرة – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997
  • Stanley Lane Pole, History of Egypt in middle ages, Dublin 1902

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 16
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    16
    Shares
  •  
    16
    Shares
  • 16
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

22 thoughts on “مصر الفسطاط.. بعيني ناصر خسرو

  1. Eu verdadeiramente amo seu site … Muito bom cores e tema.
    Você fazer este site você mesmo? Por favor
    responda quando volto olhando para criar minha
    própria site e adoraria aprender onde você pegou isso de ou o que o tema é chamado .
    Apreciá-lo !

  2. Many thanks for sharing this story. I am certainly fed up with desperate for relevant
    and intelligent commentary on this subject. Everyone nowadays seem
    to go to extremes to either drive home their perspective or suggest
    that everyone else in the world is wrong. thank you for your
    concise as well as relevant understanding.

شاركنا برأيك فيما قرأت!..