مدينة الأسكندرية في العصر المملوكي

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 4
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    4
    Shares

سبق قبل كدا وتكلمنا عن احوال الثغر من ايام نشأته في العهد البطلمي مرورا بالعصر الروماني والعربي على اختلاف الدول المتعاقبة، والنهاردا بنستكمل كلامنا عن احوال الأسكندرية في العصر المملوكي واللي بيعتبر العصر الذهبي لمدينة اسكندرية، وعملوا ايه سلاطين المماليك للنهوض بأحوال اسكندرية.. خليكو معانا..

%d9%81%d9%86%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%83%d9%86%d8%af%d8%b1%d9%8a%d8%a9

ارتفعت مكانة الأسكندرية في عصر المماليك لمرتبة كبيرة جدا، فاعتبرها السلاطين ميناء مصر الأول، وتاني اهم مدينة بعد القاهرة، ودا كان لسببين اولها حربي وتانيهما اقتصادي. فكان تحول أنظار الصليبيين لغزو مصر في مطلع القرن 13 الميلادي، وفشل حملة الملك جان دي برين والملك لويس التاسع في غزو مصر، وحتى بعد انهيار الوجود الصليبي في الشرق بنهاية القرن نفسه، وبقاء بعض شراذمهم في جزر البحر المتوسط أثر سيء على اسكندرية، لأنهم كانوا بيهجموا على المدينة كل فترة وينهبوا اللي ايده تطوله من اهلها ومحلاتهم وخيراتهم ويسرعوا بالهرب قبل ماتاخد بالها الحماية العسكرية اللي موجودة وتبدأ في مهاجمتها. الموضوع دا تكرر أكتر من مرة كان اهمها هجوم القبارصة بقيادة الملك بيتر دي لويزنيان سنة 1365م. وكان المماليك في عهد السلطان أيبك بدأوا في هدم مدينة دمياط في نهاية عام 1250م والدخول بها ناحية الداخل أكثر ويبعدوها بعيد عن البحر عشان ماتبقاش مطمع لكل غازي، بعد أن كانت ثغر مصر الأول في عهد الأيوبيين، لكن ماقدروش يعملوا كدا مع الأسكندرية فبدأوا  يزيدوا من تحصين اسوارها ويغيروا من اسلوب الدفاع المستخدم من العهد الأيوبي.

بالنسبة للتخطيط العام للمدينة خلال العصر المملوكي نلاقيه ماختلفش كتير عن العهود السابقة، فبدأ المماليك في بناء العديد من المدارس لتدريس العلم الشرعي لأهل الثغر، الى جانب كثير من الربط والزوايا والخانقات اتخذت الشكل الصوفي لاسيما في عهد السلطان قايتباي، زي رباط أتكين الواسطي واللي لسة باقي لغاية النهاردا جزء منه عند مسجد ابو العباس المرسي ورباط سوار ومدرسة عبد اللطيف التكريتي (مازالت موجودة بحي الجمرك) ومدرسة عبد اللطيف بن مسند ومدرسة عبد اللطيف بن الكويك ودار الحديث النبيهية ورباط الهكاري قرب باب رشيد (مازال موجود أمام بوابة ستاد الأسكندرية) وخانقاه بيليك المحسني ومسجد أبو العباس المرسي (وكان زاوية صغيرة تم تجديدها وبناء المسجد الحالي على عهد الملك فؤاد) والمدرسة الخضراء ومدرسة الدماميني وغيرها.

%d9%85%d8%b3%d8%ac%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%84%d9%81-%d8%b9%d9%85%d9%88%d8%af-%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87%d8%a9-%d9%88%d9%82%d8%b7%d8%a7%d8%b9-%d8%b1%d8%a3%d8%b3%d9%8a

وأما السبب الأقتصادي فمرجعه ان تجارة مصر الخارجية مع الشرق والغرب زاد نشاطها جدا في عهد المماليك، وكان فيه فئة من التجار بيلعبوا دور الوسيط بين كبار تجار البهار والحرير في فينيسيا وامثالهم في الهند والصين، الناس دي تمركزت في الأسكندرية واتخذوا من فنادقها ومنازلها سكن ليهم ولعائلاتهم ومخازن لبضاعتهم اللي مكانتش اسكندرية بتخلوا منها ابدا. ومن الناحية السياسية، اهتم سلاطين المماليك على مدار عهداهم بإقامة علاقات قوية مع ممالك جنوا وفينيسيا وكلكتا ودلهي وبومباي وفي افريقيا أكرا وتيمباكتو، لجذب الناس دي لتبادل تجارتهم مع التجار الأوروبيين في مصر وكمان زاد من مكانتهم انتهاء الوجود الصليبي في الشام فإحتكر المماليك التجارة في العالم القديم بالكامل، وكان اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح عام 1498م بداية النهاية لأنهيار دولة المماليك ككل (للمزيد طالع هنا).

Cape of Good Hope path

واهتم الظاهر بيبرس بدار الصناعة في الأسكندرية، واللي خرجت حملته منها لغزو قبرص عام 1259م وفي العام التالي أمر بعمارة أسوار الأسكندرية، وحفر خنادقها وتعميق فوهة خليجها واصلاح واضافة الكثير من الشواني (السفن الحربية)، وزار الأسكندرية أكتر من خمس مرات في عهده، أولهم كانت في 1262م واخرهم كانت في 1274م وكل مرة كان بيضيف اليها الجديد من المنشات أو يعيد انشاء الكثير مما تهدم من مبانيها ومنشآتها زي الجامع الغربي والفنار دا غير اصلاح العديد من أبراج الأسوار ونصب أكثر من مائة منجنيق لأحكام الدفاع عنها.

وفي عهد السلطنة الثانية للناصر محمد بن قلاوون وتحديدا عام 1302م وقع زلزال شديد في مصر فأصاب مدينة الأسكندرية منه اضرار كثيرة.. بيقول المقريزي في حوادث سنة 702هـ:

(وقدم الخبر من الأسكندرية ان الفنار قد انشق وسقط من اعلاه نحو اربعين شرفة، وأن البحر هاج وألقى الريح العاصف موجة حتى وصلت الى باب البحر وصعدت المراكب على البر وسقط جانب كبير من السور يقدر بست وأربعين بدنة وسبعة عشر برجاً، وهلك خلق كثير..)

فأمر الناصر محمد بعمارة ماتهدم من الأسكندرية ورصد مبلغ كبير، وجاء بعده بيبرس الجاشنكير سنة 1303م واعاد ماتهدم من الفنار، وبيرصد الحدث دا الرحالة ابن بطوطة في رحلته الثانية للمشرق عام 1325م . أما أكبر هدية للأسكندرية من الناصر محمد بن قلاوون فكانت عام 1310م ايام السلطنة الثالثة وكانت اعادة حفر خليج الأسكندرية بالكامل وتوسعته لتدخل فيه المراكب التجارية الكبيرة وأسماه (الخليج الناصري)، فازدهرت التجارة وعمرت المدينة واعيد زراعة ماخرب من بساتينها واراضيها الزراعية، فأمكن زراعة ألف غيط (حسب رواية المقريزي) وغرس العديد من نخيل البلح.

edward_daniel_clarke_the_courtyard_of_the_attarine_mosque_in_1798_after_vivant_denon_from_the_tomb_of_alexander_cambridge_1805

وفي نهاية عهد الناصر محمد وتحديدا عام 1327م، حدثت فتنة كبيرة بالأسكندرية بين أحد التجار الأوربيين وآخر من اهل الأسكندرية واتسع الجدال الى ان استقوى كل منهم بشيعته، واقتتلت الفئتان خارج الأسوار قتالا شديدا خرج والي الأسكندرية لأخماده، وخاف السلطان في القاهرة لما علم بالأمر فسافر للأسكندرية ليشارك في اخماد الفتنة مخافة ان يستولي الثوار على سلاحليك الأسكندرية (مخازن السلاح) عند الباب الأخضر، أو يقتحموا السجون ويطلقوا مابها من امراء خارجين على طاعة السلطان. فاحتاط السلطان وزاد الحراسة على السلاحليك وعاد للقاهرة وقد نقل الأمراء المسجونين الى سجن القلعة. ويبدو ان الفتنة دي كانت كبيرة لدرجة ان اخبارها وصلت البلاد اللي خارج مصر وتحدث عنها المؤرخين والرحالة المعاصرين حديثا مطولا.

n02751_10

وفي عهد الأشرف شعبان حصلت واقعة هجوم القبارصة عام 1365م وخربوا الأسكندرية خرابا كبيرا كتب عنه النويري في كتابه (الألمام بكل ماجرت به الحوادث المقضية في وقوع الأسكندرية) ودون لها تفصيليا (للمزيد طالع هنا) وبعد خروج القبارصة بدأ الشرف شعبان يشعر بأهمية الأسكندرية فجعل فيها نائبا له فيها (يعني زود من صلاحياته) الى جانب واليها وأميرجندها، وجعل لها ديوانا منفصلا ومحتسب يختلف عن محتسب القاهرة، وأمر بعمارة اسوارها وابراجها ونصب المدافع (وكانت حديثة الأختراع) عليها وبيقول القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى) عن الموضوع دا:

(وفي عهد الأشرف شعبان بن حسين وفي نيابة الأمير صلاح الدين بن عرام بني مدفعا عظيما قد صنع من نحاس ورصاص وقيدت اطرافه بالحديد، رمي عنه في الميدان ببندقة عظيمة (لعله يقصد دانة مدفع) من الحديد محماه، فوقعت في بحر السلسلة خارج باب البحر وهير مسافة بعيدة.. )

وبيقول المؤرخ محمد النويري (السكندري) ان الأشرف شعبان كان يولي عناية خاصة للأسكندرية، ووصف زيارته لها عام 1396م وصفا مسهبا نستطيع ان نرسم منه صورة دقيقة عن طبوغرافية المدينة وشوارعها واسوارها ومعالمها واهم المباني فيها. بيقول ان السلطان دخل من باب رشيد (الشرقي) وذكر الشوارع اللي مشى فيها موكب السلطان حتى خرج من باب البحر المقابل للميناء الشرقي (بين محطة الرمل والمنشية حاليا) مرورا بالمحجة العظيمة (شارع فؤاد حاليا) وعطوفا على المسجد الشهابي فنثر هناك دنانيرا كثيرة التقطها الناس في مشهد كبير..، وبيذكر النويري تطوير الأشرف شعبان لدار الطرز (مصنع الغزل والنسيج في الوقت دا) واللي كانت الأسكندرية لها الصدارة على كل مدن الدلتا في صناعة قماش الملابس عن تانيس ودمياط وتونة وبورة وغيرها، فزود من انوالها وصُنّاعها، ووكانت ملابس السلطان و الأمراء والخاصجية (حرس السلطان) تنسج وتصنع فيها، وعن شهرة قماش الأسكندرية وجودته بيقول النويري:

(كانوا يشترون القماش الخام الأبيض من بلاد مختلفة مما يشبه قماش الأسكندرية ويقصرونه ويصبغونه ويبيعونه على انه اسكندراني، وهذا غش لأن المشتري لو علم ذلك لما اشتراه ولا دفع فيه مالا.. )

ونفهم من وصف النويري ان الأسكندرية في الوقت دا كان بيحيط بها سورين كنوع من زيادة الحماية، وكان لها ثلاثة ابواب عظيمة مصفحة بالحديد، وهي باب رشيد شرق المدينة وباب البحر جهة الشمال وباب سدرة (العمود) في الجنوب، بالإضافة لباب القرافة ودا كان صغير ويفتح يوم الجمعة فقط لزيارة المقابر. وكانت العادة في الوقت دا اذا زار المدينة احد سلاطين المماليك تخلع ابوابها وتوضع جانبا ويعاد تركيبها مرة تانية عند رحيل السلطان، وبيذكر النويري اهتمام الأشرف شعبان بزيادة الخنادق حول المدينة، واهتمامه بدار الضرب (سك العملة) بها وزيادة سلاحليك المدينة عند الباب الأخضر وزيادة الحراسة عليه.

عملات ذهبية ضربت في الأسكندرية

ودا كان حال الأسكندرية في نهاية القرن 14 الميلادي، بيقول النويري وغيره من المؤرخين ان غزوة القبارصة كان لها عظيم الأثر على اهل الأسكندرية، فقضت على معظم سكانها قتلا وتنكيلا، أما من فروا من المدينة فلم يعودوا بعد رحيل القبرصي الا قليلا، فقل سكانها واتضعت احوالها، الى ان عادت من جديد لسابق عهدها في عهد الأشرف قايتباي فزاد في عمارة المدينة واسوارها ومبانيها الأميرية (الحكومية) كما شيد طابية (قلعة) جديدة محل الفنار المتهدم لا تزال باقية لليوم وتعتبر من اهم معالم المدينة، وان كانت تاريخيا لم تصمد امام اي هجوم على المدينة!!.. وفي صحوة الموت، أدرك السلطان الغوري أهمية وخطورة الدفاع عن مصر ضد المعتدين، فأمر بزيادة حامية الأسكندرية خلال زيارته للمدينة عام 1515م واصدر قرار بعدم خروج البارود من طابية الأسكندرية نهائيا، وبيقول ابن اياس (المؤرخ المعاصر للمرحلة دي) ان الغوري أمر بتحصيل قيمة العشر من تجار الأسكندرية ضريبة دفاع، فامتنع تجار الفرنج والمغاربة من الدخول للثغر وتلاشى امر المدينة وآل الى الخرابحتى قيل: (طلب الخبز بها فلم يوجد ولا الأكل، ووجد بعض الدكاكين مفتوحة والباقي خراب مابها من احد وقد كانت من قبل من اجمل بلاد الدنيا..)، حتى وردت انباء بتحرك جند ابن عثمان (السلطان سليم الأول) ففزع الغوري ورحل عن الثغر في اكتوبر 1515م وامر بحشد الجنود للقائه في الشام حيث كانت نهايته المعروفة..

GreceAncienne_070_s

لطفا ماتنساش نشر التدوينة لأصدقائك لعموم الفائدة وماتنساش كمان تقييم المقال اعلى الصفحة لأن رأيك يهمنا، وماتبخلش علينا بالمتابعة للمدونة وحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي.. شكرا

مراجع:

  • جمال الدين الشيال، تاريخ مدينة الأسكندرية في العصر الأسلامي، دار المعارف 2000
  • ابن عبد الظاهر، الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر، الرياض 1396هـ
  • جمال الدين بن واصل، مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، المطبعة الأميرية 1957

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 4
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    4
    Shares
  •  
    4
    Shares
  • 4
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

1 thought on “مدينة الأسكندرية في العصر المملوكي

شاركنا برأيك فيما قرأت!..