مجلس شورى النواب ومراحل الحياة النيابية في مصر

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 13
  • 1
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    14
    Shares

عرفت مصر الحياة النيابية في اول صورها من خلال دواوين نابليون، والتي كانت وسيلته لا لإقرار الديمقراطية في شعوب لم تعهدها، ولكن للسيطرة على البلاد باسم منح المصريين حقوقهم السليبة. ولكن أول صورة فعلية متطورة للحياة النيابية في مصر كانت من خلال مجلس شورى النواب الذي أنشأة الخديوي اسماعيل عام 1866م.. خليكو معانا..

الحاكم بأمر الله في اواخر ايامه

تكلمنا في تدوينات سابقة عن صورة الحاكم في العصور الاسلامية وماقبلها، وقلنا انه كان يجمع في يده السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) فهو خليفة المسلمين الذي يستمد شرعيته من جانب ديني، فيحرم معارضته او الأنقلاب عليه، أو مندوب الحاكم (الوالي مثلا) والذي يحكم البلاد باسم الخليفة او السلطان وله نفس صلاحياته. وهو المشرع الذي يسن القوانين واللوائح التي يراها لازمة لتسيير امور البلاد والعباد، مثل جمع الضرائب والرسوم واقامة المدن الجديدة وتحديد المناطق التجارية والصناعية واحكام السيطرة على الحركة بها لصالحه الشخصي. وهو من يلتزم امام الناس باقامة العدل في الأرض ومحاسبة المخطئ وفض المنازعات بين الناس. وكان الحاكم يمارس تلك السلطات مجتمعة (كما فعل السلطان قايتباي مثلا) أو منفردة، فيمنح جزء منها لوزير أو أكثر، وقاضي أو أكثر يحمكون بين الناس باسمه ومشورته. وقد تنتزع منه صلاحياته، وتكون سلطته اسميه فقط (يملك ولا يحكم) كما حدث في عصر الوزراء في الدولة الفاطمية. ولكن اين الشعب من كل هذا؟.. لايوجد!.. فليس للناس دور في الحكم بأي صورة، فالحاكم الشرقي كان دائما لا يُسأل عما يفعل!..

مجلس المشورة.. وقضايا تهم المجتمع

بعد زوال الحملة الفرنسية عام 1801م وبعد ان تحملت مصر جزء كبير من فاتورة اجلاء الفرنسيين من خلال ثورتين متتاليتين اخمدهما الفرنسيين بهدم احياء كاملة فوق رؤوس من فيها ودفنهم احياء!..(للمزيد طالع هنا) تجلى الشعور القومي لدى اهل مصر بالتدخل في تعيين الوالي العثماني التالي بعد جلاء المستعمر، واشترطوا عليه الا يبرم امرا إلا بمشورتهم وبعد موافقتهم، وان يسير فيهم سيرة حسنة (للمزيد طالع هنا) وهذه ولا شك صورة للحياة النيابية وان كانت بدائية بعض الشيء، تفتقر الى العقد الأجتماعي بين الحاكم والرعية، مما شجع الوالي للانقلاب عليهم وانكار وعوده واعتقال زعماء الشعب في 1807م (للمزيد طالع هنا) فصار يحكم البلاد بلا رادع ولمدة طويلة!.. ولكن هذا لم يكن يمنع انه ميال الى استشارة غيرة في كافة الأمور، فأنشأ عام 1828 مايعرف بـ”مجلس المشورة“.

محمد علي باشا والي مصر

وانعقد المجلس في اول اجتماع له برئاسته في قصر ابراهيم باشا بجاردن سيتي، بعدد اعضاء بلغوا 156 فرد اختارهم محمد علي بنفسه (بالتعيين) من كبار الموظفين والأعيان والمشايخ والعمد ومأموري الأقاليم. وكانت وظيفتهم الأساسية مناقشة اي امر يعرضه عليهم الوالي، وكان رأي المجلس غير ملزما للوالي يعمل به او لايعمل. وان كان المجلس قد أقر عديدا من القرارات أهمها قرار بإنشاء معهد لتخريج الكتبة اللازمين لإدارة مصالح الحكومة فى أنحاء البلاد، وايجاد حل ظاهرة اطفال الشوارع والمتشردين التي انتشرت في مدن مصر وقراها، بجمعهم في معسكرات مغلقة وتعليمهم حرف مختلفة والأستفادة بهم في مصانع كثيرة انشأتها الدولة في مدن وقرى كثيرة. فكان مجلس المشورة هو صورة متطورة للحياة النيابية في مصر عن دواوين نابليون.

مجلس شورى النواب.. وحياة نيابية وليدة

ثم مرت مصر بعد ذلك بعقود لا تختلف كثيرا عن بعضها أو عن سابقتها، حيث كان الحاكم ايضا لا يُسأل عما يفعل، فألغى عباس باشا الأول مجلس المشورة، وتلاه محمد سعيد باشا الذي اقر سابقه على فعله بحكم البلاد منفردا، حتى جاء عهد الخديوي اسماعيل والذي اعجب بنظم الحكم الغربية الاوربية، فكان حلمه ان يجعل القاهرة قطعة من باريس، فأراد استحداث نظاما دستوريا يقضي بمشاركة الشعب في الحكم (بشكل صوري طبعا) فأصدر لائحة مجلس شورى النواب ونظام العمل به في 22 اكتوبر 1866 ، فكان أول نص منظم لمجلس نيابي تمثيلي عرفته مصر،  وكانت هذه اللائحة كانت عبارة عن “منحة” أو “تكرّم” من الجناب الخديوي على المصريين بإنشاء مجلس نيابي تمثل فيه بعض طوائف الشعب المحددة جغرافيا لمشاروته في امور الحكم، مع قبوله السماع لآراء ممثلي الشعب في بعض الشؤون التي تحددها حكومته مسبقا، وذلك طبعا دون التزام على الخديوي أو الحكومة بالأخذ بتلك الآراء!.. ورافق ذلك المجلس طبعا ظهور نظام مجلس النظار (الوزراء حاليا) والذى كان الصورة العصرية للحكومة التي يعينها طبعا افندينا ولي النعم، وقام نوبار باشا بتأليف أول نظارة (وزارة) فى مصر في ذلك الوقت.

وعلى الرغم من ان مصر كانت احدى ولايات الدولة العثمانية، تسري فيها كافة القوانين والأنظمة التي تقرها حكومة الصلطان، ولكن حقيقة الأمر ان الخديوي كان يطمح في الأستقلال عن الأستانة، او أن يجعل تبعتها لها اسمية فقط!.. فكان مجلس شورى النواب احدى وسائل هذا الأستقلال والذي لم يوجد مثله في هذا الوقت في تركيا، وكان ايضا مجلس النظار وسيلة اخرى واستحداث وزارات مثل الخارجية والتي تعتبر التمثيل الدبلوماسي لمصر بصورة مستقله عن الأستانة، وهذا ولا شك اعتراف منها لمصر بالحكم الذاتي أو الاستقلال.

وفي اللائحة الأساسية لمجلس شورى النواب الصادرة في 22 أكتوبر 1866، نص نظام المجلس على أن يتألف من عدد لا يزيد عن 75 عضواً يتم انتخابهم لمدة ثلاث سنوات، عن طريق الأعيان في القاهرة والإسكندرية ودمياط وليسو من عامة الشعب!.. وايضا لى ان يكون للقاهرة 3 أعضاء، وللإسكندرية عضوان، ولدمياط عضو واحد، ويقوم ايضا عمد باقي البلاد ومشايخها بانتخاب ممثلي المديريات، بحيث ينتخب عضو أو اثنان عن كل قسم من أقسام المديريات حسب تعداد سكانه. وكان نظام المجلس أن تكون دورة الاجتماع لمدة شهرين، من منتصف ديسمبر إلى منتصف فبراير، وان يعين الخديوي بنفسه رئيس المجلس دون ان يكون لأعضاءه دورا في الأختيار، وايضا اقر الحصانة النيابية للأعضاء فلا يصح مقاضاتهم او شكواهم الا في حالة التلبس أو جناية القتل، وان يتم اخذ الأراء بشكل علني، وان يتم احترام رأي الأغلبية، وان يلتزم النواب في مظهرهم العام الحشمة والوقار وان يلتزمون الأدب في حورهم داخل الأجتماعات الرسمية. وقد اجتمع المجلس في دورته الأولى بالقلعة برئاسة إسماعيل راغب باشا، يوم الأحد 25 نوفمبر 1866.

وقد حضر الخديوي إسماعيل حفل افتتاح المجلس، يرافقه محمد شريف باشا ناظر الداخلية والأشغال ونظار (وزراء) آخرون، وتُليت خطبة العرش، أو الافتتاح كما اطلقوا عليها في عدد من المراجع التاريخية، جاء فيها:

“كثيرًا ما كان يخطر ببالي إيجاد مجلس شورى النواب؛ لأن من القضايا المسلّمة التي لا يُنكر نفعها ومزاياها أن يكون الأمر شورى بين الراعي والرعية كما هو مرعي في أكثر الجهات. ويكفينا كون الشارع حث بقوله تعالى «وشَاوِرهُم في الأمرِ»، وبقوله تعالى «وأمرُهُم شورى بينَهُم»، فلذلك استنسبتُ افتتاح هذا المجلس…”

وانتهى دور الأنعقاد الأول  في جلسة الأربعاء 24 يناير 1867م، ثم بدأت على الفور الدورة الثانية للمجلس في 16 مارس 1868، متأخرة عن الموعد المقرر لها (شهر ديسمبر) لمرض الخديوي، وانتهت في 23 مايو 1868، وكانت برئاسة عبد الله باشا عزت، الذي رأس أيضًا الدورة الثالثة لانعقاد المجلس في الفترة من 28 يناير إلى 22 مارس 1869.

المجلس في عهد الخديوي توفيق

ولكن، وبعد فترة وجيزة، أُهمل الخديوي أمر المجلس، إذ أكمل الصورة الشكلية التي يريدها امام امراء وملوك اوروبا خلال زياراتهم المتكررة له. ولم يعد يتابع انعقاد الجلسات أو يسند اليه بعض الأمور. وبعد رحيل الخديوي اسماعيل الى منفاة عاد المجلس إلى الوجود مرة ثانية سنة 1880 في عهد الخديوي توفيق، بسعي وزيره الأول محمد شريف باشا، الذي أراد أن يُشرك الأمة بالبحث في المسائل المتعلقة بالضرائب والسخرة وتأسيس مجالس المديريات.

وقد استمر هذا النظام إلى أن أُصدر (بضغط الحزب العسكري بقيادة احمد عرابي) قانون نظامي بتاريخ 7 فبراير 1882 يقضي بوجود مجلس نواب حقيقي ذي سلطة فعلية، فأصبح الوزراء مسؤولون بالتضامن أمام المجلس وصار بيد المجلس تقرير الميزانية ومراقبة الموظفين والفصل في المسائل التشريعية والمالية. غير أن هذا النظام لم يعش طويلًا؛ إذ سقط بسقوط عرابي.

حادثة تاريخية “لا أصل لها” في مجلس شورى النواب

كتب العديد من قناصل الدول والمفكرين الاوروبيين عن مجلس شورى النواب بمصر، وكانت اغلب كتاباتهم تهكمية على شعب لم يعرف الديمقراطية، مثل الذي كتبه احد الكتاب الأنجليز قائلا ان محمد شريف باشا في اول جلسة انقعاد للمجلس قال للاعضاء انهم عليهم ان يشكلوا من انفسهم حزبا مؤيد للخديوي وكلامه وتصرفاته، وحزبا اخر معارض له كما جرى العرف في المجالس النيابية الأخرى. وان يجلس نواب الخديوي (او الحكومة) الى اليمين ونواب المعارضة الى اليسار. فاستنكر النواب ان يكون بينهم معارضا لأفندينا ولي النعم، وجلسوا جميعا ناحية اليمين!!..

هذه الرواية لا يقبلها المؤرخ عبد الرحمن الرافعي، ويؤكد على انها “مزحة من الخيال”، فلم تكن في مصر احزاب في ذلك الوقت ليكون بها معارضين ومؤيدين، كما ان اختصاصات المجلس المنصوص عليها لم يكن منها الاعتراض على رأي الخديوي، فقرارات المجلس كما قلنا شورية وليست ملزمة له. كما انه لا يوجد لهذه الروايه، على حد قول الرافعي، اثر في مضبطة المجلس في اي من جلسات الأفتتاح وما بعدها، ولو حدثت لتمت الإشارة لها من قريب او من بعيد.

لو اعجبتك التدوينة واضافت الى معلوماتك التاريخية، لطفا شيرها لأصدقاءك للفائدة، ولا تنسى ان تشارك برأيك في تعليق والأشتراك بحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة الموجودة جانبا.. وشكرا.

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، عصر اسماعيل ج2، الهيئة العامة للكتاب 2001
  • مجلس شورى النواب، الهيئة العامة للاستعلامات.

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 13
  • 1
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    14
    Shares
  •  
    14
    Shares
  • 13
  • 1
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..