كليبر يخمد ثورة القاهرة الثانية

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    7
    Shares

قلنا في التدوينة اللي فاتت (طالع هنا) ان كليبر بعد فشل معاهدة العريش خرج لقتال العثمانيين في عين شمس، في حين كانت بعض فرق من الجيش العثماني دخلت القاهرة على ضوء محادثات السلام بين الجنرال كليبر والصدر الأعظم يوسف باشا ضيا في العريش وانضم لهم بعض المماليك من رجال محمد بك البرديسي المرابط بقواته جنوب الجيزة، ولما خرج كليبر من البلد بدأ العثمانيين بمعاونة جماعة المماليك تأليب الأهالي ضد الفرنسيين، فانتفض الأهالي في ثورة تعتبر من اشد الثورات دموية ووحشية في تاريخ مصر المعاصر.. ثورة القاهرة الثانية ودي موضوع تدوينة اليوم.. خليكو معانا..

2198_136651023951734a9f16804

المصريون ينتفضون للمرة الثانية..

لما سمع الأهالي صوت المدافع في معركة عين شمس (20 مارس 1800م) انتفضوا وخرجوا في الشوارع حاملين الأسلحة وقتلوا كل من صادفوا من الفرنسيين (على رواية الجبرتي)، وانتفض مهعم الأعيان وكبار المشايخ (بخلاف ما حدث في الثورة الأولى)، وأخرجوا اموالهم وأعدوا مأكولات ومشروبات لشباب القاهرة اللي احتلوا الشوارع ونصبوا المتاريس، وخرج السيد عمر مكرم نقيب الأشراف ومن أكبر زعماء الشعب الوطنيين والسيد أحمد المحروقي شاه بندر تجار القاهرة على رأس جمع كبير من الأهالي، ومعهم أتراك خان الخليلى وبعض المغاربة المقيمين بمصر والمماليك.. الكل راح ناحية التلال الواقعة خارج باب النصر ناحية طوابي الفرنسيين، حاملين النبابيت والعصى وبعض الأسلحة، واحتشد جمع تاني من الأهالي يمشون في الأزقه والحارات ويرددون الهتافات المعادية للفرنسين. واشتبك الثوار مع بعض طوائف الأقليات (الأقباط و الأرمن) بتأليب من الجنود الأتراك بدعوى انحيازهم للفرنسيين. واقتتلوا في الشوارع في معارك راح ضحيتها عديد من نصارى القبط والشوام والأرمن، وتحصن الجنود الفرنسيون بمعسكرهم بالأزبكية والطوابي حول القاهرة وبولاق وقلعة الجبل في انتظار عودة القائد العام كليبر من عين شمس.

ثورة القاهرة الثانية 1800

أما كليبر واللي كانت وصلته الأنباء قبل مايدخل القاهرة، فاعطى تعليمات للجنرال رامبون بتحصين دمياط ورشيد والأسكندرية، والجنرال لانوس أن يجوب الدلتا لأخماد الثورة من الفلاحين ان وجدت، وللجنرال بليار أن يعاونه في اخماد ثورة اهل القاهرة، وكان الجنرال ديبو يدافع عن معسكر القائد العام بالأزبكية بعد ان هاجمه 10 الاف ثائر (حسب رواية التقارير الفرنسية) ففتح النار عليهم ومنعهم من اقتحام المعسكر، واحتل الجنود الفرنسيين اسطح بعض المنازل المحيطة بمعسكر الأزبكية وامطروا الأهالي بوابل من النيران الكثيفة!.. فزاد الأهالي غضبا، وانضم لهم عديد من سكان البلاد المجاورة وبعد أيام قليلة كان قد تجمع في القاهرة اكثر من 50 ألف ثائر بالسلاح والعصي والنبابيت ومعهم طائفة من مماليك محمد بك الألفي والبرديسي وطائفة من الأنكشارية الأتراك، وخرجت النساء والأطفال وتعالت الهتافات واللي وصفتها المراجع الفرنسية انها (تصم الآذان)!.. وهبت عاصفة الثورة ملتهبة في سائر احياء القاهرة.

IMG_4043.jpg

“البشتيلي” يقود الثورة في بولاق

وأحضر الثوار ثلاثة مدافع كان الأتراك قد جاءوا بها إلى المطرية، وجلبوا عدة مدافع صغيرة أخرى كانت مخبأة في بيوت الأمراء، وأحضروا من دكاكين العطارين المكاييل الحديدية وما يزنون بها البضائع وبعض الأحجار الكبيرة واستعملوها عوضا عن الجُلل (الدانات) للمدافع لضرب مقر القيادة الفرنسية بالأزبكية، وأنشأوا مصنعا للبارود بمنطقة الخرنفش، واتخذوا من بيت القاضى وما جاوره من منازل ناحية المشهد الحسيني مقر لصناعة وأصلاح المدافع والقذائف وعمل العجلات والعربات والجُلل وأقاموا معسكر لاحتجاز من يقع في ايديهم من الأسرى الفرنسيين بالجمالية، وبثوا العيون والأرصاد للتجسس على المحتلين واستكشاف خططهم ونوايهم ولم يتوانوا عن أخذ كل من تعاون مع الفرنسين من الخونة بالشدة والعنف.. كانت انتفاضة الشعب في ثورة القاهرة الثانية اشد منها بكثير في ثورة القاهرة الأولى ولكن ايضا مقاومة الفرنسيين لها كانت تفوق الوصف!..

وانتقل لهيب الثورة إلى بولاق فقام الحاج مصطفى البشتيلي (من اعيان بولاق ودعاة الثورة) ومن معه بتهيج العامة ،وانقضوا بعصيهم وأسلحتهم ورماحهم على معسكر الفرنسين بطابية بولاق، وقتلوا حراسه وحصنوا شوارعهم واستعدوا للحرب والجهاد، بيقول الجبرتي عن أحداث بدء الثورة:

«أما بولاق فإنها قامت على ساق واحدة، وتحزم الحاج مصطفى البشتيلي وأمثاله وهيجوا العامة وهيأوا لهم العصى والأسلحة ورمحوا وصفحوا وأول مابدأوا به ذهبوا على وطاق الفرنسيس بساحل البحر (النيل) وعنده حرس فقتلوا من أدركوه ونهبوا جميع مابه من خيام ومتاع وغيره، ورجعوا الى البلد وفتحوا مخازن الغلال والودائع التي للفرنساوية وأخذوا ما أحبوا منها وعملوا كرانك حوالي البلد ومتاريس.. »

photo 4

وبذل أهل القاهرة كل ما في وسعهم من جهد، وواصل المجاهدون الليل بالنهار في قتال عنيف شارك فيه الجميع بحيث لم ينام سوى الضعيف والجبان والخائف (حسب رواية الجبرتي).. وقد راحوا يصلون العدو نارا حامية من بنادقهم، في حين كان عندهم خلف المتاريس ما يحتاجون مؤن. وباشر السيد أحمد المحروقى وباقى التجار ومساتير الناس الكلف والنفقات والمشاريب وأتى أهل الأرياف القريبة بالميرة والاحتياجات من السمن والجبن واللبن والغلة والغنم فيبقونه، ثم يرجعون إلى بلادهم..

خيانة “مراد بك” لأهل المحروسة

ويدخل كليبر القاهرة بعد ثمانية أيام من اشتعال الثورة فيجدها قد تحولت إلى ثكنة عسكرية، فأمر جنودة باغلاق ابوابها على من فيها وتشديد الحصار عليها ومنع المؤن من الوصول للمجاهدين والثوار، ومن ناحية أخرى بدأ في الاتصال بـ مراد بك أحد زعماء المماليك المعروفين (للمزيد طالع هنا) وعرض عليه الصلح فوافق، وأبرمت بينهما معاهدة بمقتضاها أصبح مراد بك حاكمًا على جنوب الصعيد في مقابل أن يدفع مبلغًا إلى الحكومة الفرنسية، وينتفع هو بدخل هذه الأقاليم، وتعهد كليبر بحمايته إذا تعرض لهجوم أعدائه عليه، وتعهد مراد بك من جانبه بتقديم النجدات اللازمة لمعاونة القوات الفرنسية إذا تعرضت لهجوم عدائي أيًا كان نوعه، وكان هذا يعني أن مراد فضل السيادة الفرنساوية على السيادة العثمانية. وعليه بدأ مراء في الأتصال بمحمد بك الألفي والبرديسي وغيرهم في معسكرهم بجنوب الجيزة وطالبهم بسحب قواتهم من القاهرة وإقناع زعماء الثورة بالسكينة والهدوء والكف عن الهياج والثورة، وقدم للفرنسيين بعض المؤن والذخائر، وسلمهم العثمانيين اللاجئين له، وكان دا تحول كبير في سياسة مراد بك تجاه الفرنسيين.

ثورة القاهرة الثانية
رسم تخيلي لثورة القاهرة الثانية

كليبر يدك القاهرة بلا رحمة!!

ومن ناحيته بدأ كليبر في دك القاهرة بالمدافع بلا رحمة، وشدد الضرب على حى بولاق اللي قتل الحامية الفرنسية اللي كانت فيه، فاندلعت ألسنة النيران تأكل المباني، والتهمت الحرائق عددا من المباني والقصور في الأزبكية وبركة الرطلى، ومع ذلك فقد ظلت الروح المعنويه للشعب قوية، وخرج المشايخ والفقهاء والتجار يحرضون الناس على القتال، ويدعونهم للجهاد ويعدوهم بالشهادة والجنة.. واستشار كليبر “صديقه الجديد” مراد بك في شأن اخماد الثورة فأشار عليه بإحراق القاهرة لينشغل الثوار باخماد الحريق عن الشغب!.. وأرسل له بعض الحطب والمواد الملتهبة لأشعال النيران، وانتشر بعدها الجنود الفرنسيين بالمشاعل والمواد الملتهبة في الشوارع يعاونهم كتيبة برتليميو (فرط الرمان) فأصابوا دورا عديدة، فصارت (على وصف الجبرتي) خرائب وكيمان أتربة!!.. وتغلبت القوة الغاشمة على الأسلحة البيضاء، واستطاع الفرنسيين من جديد احتلال شوارع القاهرة والطوابي التي غنمها الأهالي، وانتقموا منهم شر انتقام وبالذات حي بولاق.. بيقول الجبرتي:

«إن الفرنسين فعلوا بأهل بولاق ما يشيب من هوله النواصى(!).. فنزلوا بهم ذبحا وتقتيلا حتى صارت الطرقات والأزقة مكتظة بجثث القتلى، وأشعلوا النيران في الأبنية والدور والقصور، ونهبوا الخانات والوكائل والحواصل والودائع والبضائع، وملكوا الدور وبابها من الأمتعة والأموال والنساء والخوندات والصبيان والبنات ومخازن الغلال والسكر والكتان والقطن والأباريز والأرز والأدهان والأصناف العطرية، ومالا تسعه السطور، ولا يحيط به كتاب ولا منشور.. »

Pierre-Narcisse_Guérin_Napoleon_Pardoning_the_Rebels_at_Cairo

نهاية الثورة

وتحرك علماء الأزهر واستأنفوا مساعيهم لحقن الدماء، ووقف عمليات الإحراق والتدمير، فذهبوا لمعسكر القائد العام، واستقبلهم كليبر وحدثتهم من موقع القوة، وصار يوبخهم على عدم تحركهم طوال شهرين وحملهم مسئولية ماحل بالقاهرة واهلها من الخراب!.. ودارت مفاوضات التسليم وانتهت بعقد اتفاق في 21 أبريل 1800م وقع عليه ناصف باشا عن الأتراك العثمانيين، وعثمان أفندي عن مماليك مراد بك، وإبراهيم بك عن المماليك، وفيه تعهد كلا من العثمانيون والمماليك بالجلاء عن القاهرة خلال ثلاثة أيام مع أسلحتهم وأمتعتهم ما عدا مدافعهم!.. وأن يخرجوا إلى حدود سوريا، في مقابل أن يعفو كليبر عن سكان القاهرة بمن فيهم الذين اشتركوا في الثورة. تولى المشايخ الوساطه، وأخذوا من كليبر عفوا وأمانا شامل، ولكن كليبر تنكر للعفو بعد اخماد الثورة وكان اقتصاصه رهيبا، وعلى الرغم من انه مكانش قبل كدا من انصار فرض الغرامات الفادحة ألا انه فرض غرمات كبيرة على عدد من العلماء والأعيان، وصادر أملاك السيد أحمد المحروقى كلها، وقبض على الحاج مصطفى البشتيلى واعدمه في ميدان الرميلة، وسجن الشيخ السادات بالقلعة، وفرض على الدور والممتلكات بالقاهرة أجرة سنة كاملة، وقرر المغارم على كل الملتزمين وأصحاب الحرف حتى على الحواة والقرداتية والقهوجية والتجار والنحاسين والدلالين والقبانية وقضاة المحاكم وغيرهم..

3678

“ان مصر أصبحت لي”..!!

وفي الأقاليم قام الجنرال بليار بطرد العثمانيين من دمياط وأسر بعض من جنودهم وساقهم أمام الأهالي في الشوارع ليقتل الأمل في نفوسهم، كما فرض غرامة حربية على الأهالي تقدر ب200 ألف فرنك!.. وتابع باقي جنرالات الفرنسيين باعتقال عديد من اعيان البلاد وأعدموا بعضا منهم وسجنوا البعض الأخر فتم ارهاب الأهالي وخلدوا للسكينة، فجاءت التقارير واحد بعد الأخر من اغلب البلاد بسيادة حالة الهدوء والسكون معظم الأنحاء!.. وأدرك كليبر مناعة موقفه وموقف جنوده في مصر، وكانت المراكب الأنجليزية تتابع الأحداث من البحر فأدركت هي الأخرى تغير الموقف لصالح كليبر وضغطت عليها المساعي العثمانية للقبول بمعاهدة العريش لإخراج الفرنسيين من مصر بعد ان فشلت كل الطرق. واتصل حسين قبودان باشا قائد البحرية العثمانية بكليبر في يونيو 1800م وعرض عليه استئناف مفاوضات الصلح والجلاء تنفيذا لأتفاقية العريش، وجاء رد كليبر قاطعا بأنه لا ينوي الحديث بشأن الخروج من مصر لأنه اصبح يعتبر ان مصر صارت له (كتب كدا في الرد)!!!.. وأرسل تعليماته لحكام الأسكندرية ورشيد ودمياط بعدم السماح لأي من العثمانيين او الأنجليز بالنزول للبر المصري والتعامل بالضرب في المليان لمن يرفض ويصر على النزول!..

وانصرف كليبر إلى إجراء بعض الأصلاحات الأدارية والمالية وتحصين الثغور ولكن في نفس الشهر كان على موعد مع طعنه قاتله من أحد طلبة الأزهر السوريين وهو سليمان الحلبي بأيعاز من السلطات العثمانية (للمزيد طالع هنا)، فقضت على امال الجيش الفرنسي بالبقاء في مصر، وعلى هذا بدأ الجنرال مينو من جديد المفاوضات مع الأنجليز للخروج والعودة لفرنسا..

مراجع

  • حسين فوزي، سندباد مصري جولات في رحاب التاريخ، الهيئة العامة للكتاب 1995
  • جمال بدوي، مصر من نافذة التاريخ، الهيئة العامة للكتاب 1995
  • عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم في مصر ج2، دار المعارف 1987
  • عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الأثار في التراجم والأخبار، دار الكتب المصرية 1988

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    7
    Shares
  •  
    7
    Shares
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

2 thoughts on “كليبر يخمد ثورة القاهرة الثانية

شاركنا برأيك فيما قرأت!..