قناة السويس.. هدية للعالم، وبالا على مصر!

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 9
  • 3
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    12
    Shares

يقول مؤرخو اوروبا، لا سيما الفرنسيين، ان مشروع قناة السويس هو افضل ماقدمت مصر للانسانية كلها (!!) ولكن لو تأملنا قليلا ذلك المشروع الكبير نجد انها كانت وبالا على مصر تسببت في اغرقها في ديون لا طائل من وراءها، فضلا عن القضاء على استقلالها لأكثر من 70 عاما.. تدوينة النهاردا عن قناة السويس، عايزين نتكلم عنها بالتفصيل ونعرف تاريخها، وكالعادة هانجيب الموضوع من البداية.. خليكو معانا!..

كيف نشأت فكرة حفر القناة؟

لم يفكر احد من المصريين على مر العصور ان يوصل البحرين الأحمر والأبيض بقناة مالحة، ففي العهد الفرعوني ولأن الفراعنة كانوا يستخدمون النيل في تجارتهم وتنقلاتهم ولم يبدأوا في ركوب البحر الا في عصور الدولة الوسطى (الأسرة 12). فجاءت فكرة حفر ترعة تخرج من فرع النيل البيلوزي قرب مدينة الزقازيق الحالية وتسير في وادي الطميلات حتى تخترق البحيرات المرة الى القلزم (السويس) تم انشاءها في عهد الملك سنوسرت الثالث (سيزوستريس)، واعيد تعميقها مرات عديدة على مر العصور من عهد سيتي الأول (1310 ق.م.) ثم الملك الفارسي دارا (510 ق.م) قم بطليموس الثاني (285 ق.م.) ثم الأمبراطور الروماني تراجان (117م) ثم في العهد العربي 643م وعرفت في كتابات المؤرخين باسم خليج امير المؤمنين، وظلت تعمل بكفاءة الى ان امر الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور بردمها من ناحية السويس لمنع ايه امدادات تصل من مصر لأهل الحجاز الثائرين على الحكم العباسي!.. كانت البضائع تصل الأسكندرية من مواني اوروبا، وتحملها السفن في النيل عبر ترعة الأسكندرية للقاهرة (ميناء بولاق) ثم تحملها سفنا اخرى للسويس وتسافر الى مواني الشرق، وبعد طمر القناة تحول التجار للنقل بالطرق البرية عبر القوافل لتجارية بالجمال والخيل.

قناة سيزوستريس (خليج أمير المؤمنين لاحقا)

وفي عام 1498 دار الرحالة البرتغالي فاسكو دا جاما حول افريقيا مكتشفا كريق اخر للهند غير الطريق المعتاد المار بمصر والشام، وانتشرت البحرية البرتغالية في خليج عدن والبحر الأحمر تقطع الطريق على السفن التجارية وترغمهم على استخدام الطريق الجديد. وفي عام 1501م جاء الى مصر بعض النبلاء من البندقية (فينيسيا) وعرضوا على السلطان الغوري فكرة شق قناة من البحر المتوسط للبحر الأحمر والأستغناء عن القوافل والطرق البريه، ولكن الصراع المملوكي العثماني في هذه الأيام كان على اشده، فلم يلق السلطان الغوري بالا للفكرة ولا للمشروع اصلا، وطلب من النبلاء البنادقة الدعم في قتال البرتغاليين في معركة ديو البحرية التي دارت قرب سواحل الهند، فماتت الفكرة قبل ان ترى الميلاد.

وفي مذكرة طويلة كتبها الفيسلوف الألماني لايبنيتز للملك لويس الرابع عشر ليصرفه عن فكرة غزو بلاده عام 1672م، عرض عليه احتلال مصر واقامة قناة تربط البحر الأبيض والأحمر والسيطرة عليها لخدمة التجارة العالمية. ولكن لويس وقتها خشى ان يغضب الباب العالي، ولأن افكاره التوسعية الأستعمارية كانت موجهة لأوروبا وليست ماوراء البحار، فماتت الفكرة ايضا، الى ان عثر على تلك الوثيقة نابليون بونابرت عام 1798م فنبتت في رأسه فكرة اقامة مستعمرة فرنسية في مصر لقطع السبيل على انجلترا نحو مستعمراتها في الهند، واقامة القناة واستخدامها تجاريا لحساب فرنسا. وعندما سيطر بجيوشه على الأوضاع في مصر، امر عدد من علماء الحملة دراسة المشروع الجديد، ولخطأ في التقدير اعلنوا صعوبة وصل البحرين لعدم استواء سطح الماء في كل منهما، فعدل نابليون على الفكرة ورحل الى اوروبا تاركا معاونيه يبحثوا امر الخروج من مصر بشكل مشرف.

انزال قوات نابليون

وفي عام 1832م زار مصر عدد من المهندسين الفرنسيين من أنصار سان سيمون وقابلوا حاكمها محمد علي باشا، وعرضوا عليه بعض الأفكار لتحقيق نهضة شاملة في البلاد، واستحسن الوالي تلك الأفكار عدا فكرة وصل البحرين بقناة بحرية الا بشروطه: وهي ان يتم تنفيذ القناة بالكامل من الخزانة المصرية، وأن تقر كلا من انجلترا وفرنسا والدولة العثمانية مبدأ حيادية القناة وعدم تبعيتها لأي منهم، وإلا “ستصير بسفورا أخر” على حد قوله!.. وقوبلت اقتراحاته بالرفض من الجميع فأهمل المشروع الى اجل غير مسمى..

محمد علي باشا يقابل قناصل الدول في رأس التين

وعندما تولى سعيد باشا السلطة، كان على علاقه طيبة بصديقه ومعلمه السياسي الفرنسي فيردناند دليسبس قنصل فرنسا في الأسكندرية، فعرض عليه عام 1854م احياء الفكرة القديمة بوصل البحرين بقناة بحرية، وأكد له مبدأ حيادية القناة وعدم تبعيتها لأي دولة، ليخلع من صدره اي مخاوف قديمة، فاقترح عليه تكوين شركة عالمية لأدارة القناة تملك الحكومة المصرية 51% من اسهمها والباقي يطرح بسندات ويكون هو (ديلسبس) رئيسا لها مدى الحياة!.. ووافق سعيد، وتعهد بتوفير العمال اللازمين للحفر وان تتحمل مصر نفقات العمالة المهندسين وكافة مايقتضيه العمال من اعاشة وسكن واطعمة وعلاج وخلافه، وكذلك تقديم الحراسة اللازمة من الجيش المصري للسيطرة على عملية هروب العمال من موقع الحفر!.. وتعتبر القناة امتياز لشركة قناة السويس لمدة 99 عاما بدءا من افتتاحها للسفن التجارية، على ان تؤول ملكيتها بعد ذلك بالكامل للحكومة المصرية.

مشروع قناة السويس قيد التنفيذ

استمر العمل بمشروع القناة عشر سنوات كاملة بدءا من عام 1859م، استخدمت مصر فيها قرابة المليون فلاح مصري، اجبرتهم السلطات على ترك حقولهم والعمل بالسخرة في موقع العمل مقابل اجر قرش صاغ الى ثلاثة قروش يوميا، في ظروف شاقة وصعبة. مات منهم قرابة 120 الف عامل من اثر الأمراض والظروف الشاقة وتم دفن معظمهم في مقابر جماعية في رمال الصحراء او تحت مياة القناة الحالية. ونصت لائحة العمل بمشروع القناة على فرض عقوبات على العمال الهاربين من موقع الحفر، فكان العمال يقبضون رواتبهم كل خمسة عشر يوما، والعامل المهمل كان يخصم من أجره بما يتناسب مع مقدار إهماله، أما العامل الذي يهرب فيفقد أجر الخمسة عشر يوماً المحفوظة بخزينة الشركة.

واستخدمت الشركة الى جانب العمالة اليدوية، الات متطورة في الحفر تعمل بالبخار، ولكن في هذا الموقت كان اداءها ليس متطورا، فكان الأعتماد على العمالة اليدوية والفاس والقفة والجاروف بشكل كبير. كان مدينة الزقازيق مكتب للشركة مسئول عن عملية فرز العمال واستبعاد النحيل والمريض واختيار الأصحاء الأقوياء منهم وارسالهم الى مواقع العمل. حيث عانى العمال كثيرا من الأنهيارات الرملية الى جانب العطش، فبدلا من ان تشق الشركة قناة صغيرة من النيل ليشرب منها العاملون بمواقع الحفر كانت تحمل لهم الماء في عربات تظل بالأيام في الشمس فسببت للجميع امراض قضت على حياة الكثير. وطبقاً للعديد من التقارير الطبية، كما يقول الباحثان وليد فاروق ومحمد شعبان، كان أكثر الأمراض انتشاراً بين العمال هي النزلات الشعبية والأمراض الصدرية والرمد والإسهال الشديد الناتج عن دوسنتاريا وأمراض الكبد والجدري والسل، ثم جاءت الكوليرا في صيف عام 1865 وقضت على عدد كبير من بالعمال دفنتهم الشركة في الصحراء، وقرب منطقة البحيرات المرة تعرض العمال خلال الحفر لمادة طينية سائلة كانت تحتوي على فوسفور حارق أدى إلى إصابة الآلاف منهم بأمراض غير معروفة أدت إلى وفاة كثير منهم.

اسماعيل يتدخل لتخفيف شروط الأمتياز

وفي عهد الخديوي اسماعيل 1863م، اطلع على شروط امتياز حفر القناة التي وافق عليها عمه الوالي السابق محمد سعيد، وهاله فداحة المزايا التي منحها لدليسبس وقلة استفادة البلاد منها، فسعى جاهدا الى تخفيفها لصالح مصر، وهي ملكية الشركة لكافة الأراضي اللازمة لأقامة المشروع واعفائها من الأموال الأميرية السنوية (الضرائب)، وتحمل مصر وحدها دون الشركة مهمة توريد العمال واعاشتهم ودفع رواتبهم بالكامل. وفاوض اسماعيل ديلسبس لتخفيف تلك الشروط بأثر رجعي، وجهز مذكرة بأسباب وجيهة عرضها عليه نوبار باشا، ولما رفض دليسبس وتمسك باتفاقيته الموقعه مع سعيد باشا، لجأ اسماعيل الى نابليون الثالث امبراطور فرنسا للتحكيم وقبل بحكمه من البداية مهما يكون، فحكم نابليون بأن تدفع مصر للشركة مبلغ 3.36 مليون جنيه مقابل تنازل الشركة عن تلك الشروط التي طلب اسماعيل التنازل عنها!.. ورغم انه كان حكما ظالما بكل معاني الكلمة، الا ان اسماعيل قد قبل به لأرضاء نابليون الثالث ولكي يحصل على لقب فاتح قناة السويس!.. فوقع في يناير 1866 اتفاقية قناة السويس والتي نصت على قيمة الأقساط التي تدفعها الحكومة المصرية للشركة مقابل تنازلها عن بعض حقوقها المنصوص عليها في تحكيم نابليون، كما نصت على حق الحكومة المصرية في احتلال اي موقع حربي على ضفاف القناة للدفاع عن نفسها ضد اي عداء خارجي بشرط عدم تعطيل المرور بالقناة. وصدق السلطان العثماني على الأتفاقية في ابريل 1869م

وفي نوفمبر عام 1869م تم انتهاء العمل رسميا في مشروع القناة، واتصل البحر الأبيض بالبحر الأحمر بشكل فعلي لأول مرة في التاريخ، واستعد اسماعيل لافتتاح القناة بأكبر احتفال تاريخي عرفه العالم في ذلك الوقت.. ودا موضوع تدوينتنا القادمة، فتابعونا..

لو اعجبتك التدوينة واضافت الى معلوماتك التاريخية، لطفا شيرها لأصدقاءك للفائدة، ولا تنسى ان تشارك برأيك في تعليق والأشتراك بحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة الموجودة جانبا.. وشكرا.

مراجع: عبد الرحمن الرافعي، عصر اسماعيل ج1، الهيئة العامة للكتاب 2001


شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 9
  • 3
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    12
    Shares
  •  
    12
    Shares
  • 9
  • 3
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..