قصة غرام فاطمية

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 18
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    18
    Shares

تحكي لنا كتب التاريخ على العديد من قصص الحب التي نشأت بين جدران قصور الخلفاء والأمراء، وتسربت من بين ابواب القصر التي يقف عليها العديد من الحراس الأشداء، فالتقطها العامة وزادوا فيها من خيالهم الخصب وتناقلوها بينهم وكتبوا فيها الأشعار، الى ان وقعت في كنف المؤرخين ودونوها لتصير جزءا من تاريخ تلك الفترة وإن كان المحدثون منهم يتناول تلك القصص على مضض لما يتمتع به منصب الخلافة من قدسية دينية لدى البعض!.. واليوم نروي قصة تحمل درجة عالية من الرومانسية والخيال من بين جنبات القصر الفاطمي، رواها لنا المقريزي في خططه ونقلها الباحث محمد عبد الله عنان في دراسته الرائعة (مصر الأسلامية وتاريخ الخطط المصرية).. خليكو معانا..

screenshot-174

الوزراء يستبدون بالدولة

تولى الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله منصبه الرفيع وهو لا يزال طفلاً في السادسة من عمره عام 1102م وكان وزيره هو أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الدين الجمالي وكان وزيرا لأبيه وجده من قبل، والذي كان مستحوذا على كافة سلطات الحكم في يده فنشأ الخليفة صبياً في كنف وزير مستبد، وكما ينشأ الملوك الذين ليس لهم من المُلك غير اسمه، كان “الآمر” محدد الأقامة في قصره ومغمورا بأنواع الملاهي، ولكنه كان طموحا يطمح إلى سلطاته وقد ضاقت نفسه باستبداد وزيره الأفضل.. فلما بلغ أشده تربص به واستطاع أن يدبّر أمر مصرعه عام 1121م، وتولى مكانه المأمون البطائحي الذي سار على نهج سلفه الأفضل، فلقي نفس مصيره عام 1125م..! وهكذا ظل الآمر بلا وزير لفترة من الزمن فاستأثر بكل السلطة وأطلق العنان لأهوائه وبذخه.. ففى سنة 1126م أمر بتجديد قصر القرافة التي بنته جدته الأميرة تغريد وأقام تحت ذلك القصر مصطبة لشيوخ الصوفية، وكان مغرما بمشاهدة شيوخ الصوفية وهم يرقصون ويتغنون أمامه، وقد شجع التصوف الشيعى وجعله رافدا من روافد التشيّع. وكان مُحِبَا للمرح ولكنه مضطرب الأهواء شغوفا باللهو والطرب، وكان يهيم بالجواري والجميلات في كل مكان ولا تطيق نفسه المغرمة العيش لفترة بلا حبٍ ولا هوى، ولكنه كان شغوفا بشكل خاص بفتيات البادية، فكان يرسل إليهن رُسُله وعيونه يبحثون عن الجميلات الحسناوات في كل بادية، ولكنه ايضا كان سرعان ما يسأم المرأة إذا تعلقت به فتغيرت طبيعتها قليلا فيهجُرُها إلى بدوية أعرابية أخرى لا تزال تحتفظ بخشونة الصحراء وغلظتها.

hjjjj.jpg

الخليفة يهيم بالأعرابية

وذات يوم أخبره أحد الرسل أنه عثر على فتاة أعرابية ببعض احياء صعيد مصر، وكانت مثال للجمال وآية في الحسن والرشاقة، تقول الشعر وتهوى الأدب، شديدة الذكاء والسحر.. عندما سمع الخليفة بأمرها قرر أن يراها بنفسه قبل أن يتخذ بشأنِها أمراً، فارتدى زيّ الأعراب وغادر قصره بالقاهرة واتجه نحو الصعيد، وفي الطريق هاجمه اللصوص دون ان يعلموا بأمره ونهبوا أمواله، فاضطر للاعتماد على نفسه واحتمال الضائقة التي حلت به، وظل يرتحل بين الأحياء الى ان وقف على حيّها، واستطاع أن يتصل بأهلها دون أن يعرفوه، وظل يحتال إلى أن وصل إليها ورآها فقد كانت عالية منزهة (كإسمها) عن الناس كعادة بنات البادية الأشراف، وما أن وقعت عيناه على محاسنها حتى خفق قلبه لها وحدثها فلم تلق إليه بالا، فأسرع بالعودة إلى قصره وقد عزم امره، فأرسل رسولا من القاهرة يخطبها له، ففرح أهل الفتاة وحملوها إلى القصر وغدت زوجة الخليفة وسيدة القصر الغربي والشرقي ايضا. وسكنت “العالية” إلى حياة القصر حينا، ولكنها أفاقت من دهشتها الأولى وبدأت تشعر بثقل الحياة الناعمة على مافيها من متاع وترف، وبدت لها جدران القصر العالية وجنباته الفخمة وكأنها سجن كبير، فأخذت تحن إلى فضاء الصحراء وهوائها النقي حنين الطائر بين جنبات القفص الى عنان السماء، أو كما تحن الوحوش الحبيسة الى احراشها وأدغالها.

06-04-2015 06-55-24 م.png

رسائل شعرية متبادلة..

وصارحت زوجها الآمر بمكنونها فاصطحبها إلى قصر القرافة لتشاركه بهجته برقص شيوخ التصوف أمامه، ومع ذلك ظلت نظرتها حزينة ساهمة، فلما رأى الخليفة ما أصاب حبيبته من الاكتئاب والوحشة، أمر أن يقام لها على النيل في جزيرة “الروضة” متنزها عظيما يضم بستانا ساحرا واجنحة ملوكية للأقامة وسمي بـ”الهودج” ليشبهه بخبأ السفر في البادية وجلب لها نافورة جميلة تحاكى بها الشعراء من قصر القاضي مكين الدولة بن حديد من الأسكندرية (للمزيد طالع هنا)، ولكن كل هذا لم يذهب الملل الذي كانت تشعر به حبيبته أو يزيل مسحة الحزن التي كانت تطل من عينيها كلما رآها. فحقيقة الأمر أن “العالية” كان قلبها البدوي المضطرم يخفق منذ أيام البادية بهوى فتى من بني عمومتها يدعى “ابن مياح” والذي تربت معه في الحي منذ الطفولة، وفي أحد الأيام داعبها الشوق اليه فأرسلت إليه تقول:

يا بـنَ مياحٍ إليكَ المُشتَكَي

مَالَـك مِـن بُعـدِكُم قَـد مَلَكَا

كنتُ في حُبّي مُطَاعاً آمِرَاً

نَائِلاً مَا شِــئتَ مِنـكَ مُدرِكَا

فأنَـا الآنَ بقَــــصـرٍ مُرصَـــدٍ

لا أرَى إلا حَبِـيـبَا مُمسِـــكَا

كَم تُثنِينَا بَأغــصَان اللـَــــوَا

حَيثُ لانَخشَى عَلـينَا دَرَكَـا

وتلاعَبنَا بـــرمــلات الحِمَى

حَيثُمَا شَـاء طَلِيـقٌ سَلـَــكَا

فجاء الرد من حبيبها الأعرابي يحمل نفس الوزن والقافية:

بِنـتُ عَـمــى والتـِي غَـذَيــــتـُهَا

بالهَوَى حَتى عَلا واحتَبَــكَا

بُحتِ بالشَــكوَى وعِندِي ضِعفُهَا

لَو غَدَا يَنفَعُ مِنـَا المُشتَكَي

مالـِــكُ الأَمــرِ إلَيــــهِ المُشتَكَي

مَالِكٌ وهُوَ الــّـذِي قَد مَلَــكَا

شـأنُ داوُودَ غـَــدا فِـــي عَصرِنَا

مُبدِيَــاً بالتّيــهِ مَا قَـد مَلَــكَا

_44208_a3.jpg

الغرام يشيع بين الناس!..

وحمل جواسيس القصر الأبيات الى يد الخليفة، فوجم وقال: “لو أنه لم يسيء إلى في البيت الرابع، لرددت اليه الجارية وزوجته اياها”..! وسرعان ما تسرب نبأ الغرام من بين جنبات القصر الى مسامع أحد شعراء البادية ويدعى “طرّاد ابن مهلهل”، فأنشأ يلوم الآمر:

ألا بلّـغوا الآمــرَ المُصطَفى

مقــالَ طـــرَّادٍ ونِعــمَ المَقـَـالِ

قطـعتُ الأليفينِ عَـن أُلــفَةٍ

بها سَمَرُ الحيَ بَيــنَ الرِجَـــالِ

كَـذَا كَــانَ آبَــاؤُكَ الأكـرَمُونَ

سَألتُ فَقل لِي جَوَابَ السُؤالِ

bgnqnv4imaex0yt

فغضب الآمر وقال: “جواب السائل قطع لسانه على فضوله!”، وارسل في طلب الشاعر الذي فرّ منه واختفى خشيةً على لسانه.. وظلَّ الآمِر بعد ذلك لسنوات ينعم بجوار حبيبته “العالية” ويتنزه معها فى متنزه “الهودج”، ولكن الخليفة الشاب كان يثير سخط فريق من رجال الدولة بسبب تمكينه لبعض النصارى من مناصب عليا، وبسبب لهوه واستهتاره بالرسوم والتقاليد، وذات يوم من عام 1130م ركب الآمر من القصر كعادته إلى الهودج، فوثب عليه قوم أثخنوه بخناجرهم، فحُمِل جريحا إلى قصر اللؤلؤة، وما لبث أن توفي ولم يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره. وكان الآمر بأحكام الله شاعرا له قصائد قوية منها قوله:

دَع اللّومَ عَنِي لَستُ مِني بمَوثِقٍ

فلابُدَّ لِي مـِـن صَدمَةِ المُتَحَقّقِ

وأَسْقِي جِيـَادي مِن فُرَاتٍ ودِجلَةٍ

وأجمَعُ شَملَ الدِّينِ بَعدَ التَّفَرُّقِ

405659_10150487393938375_358983947_n

هل تصلح القصة للدراما..!

تلك كانت قصة الخليفة الأمر بأحكام الله مع حبيبته العالية، اميرة البادية، كما نقلها المقريزي عن مؤرخي وشعراء العصر الفاطمي، والذين ولا ريب ادخلوا في حواشيها ألوانا خلابه من نسج خيالهم وان كانت لا تحول دون احتفاظها بطابعها التاريخي، وتمثل احدى جوانب سيطرة الجواري على رجال الحكم والسلطة (للمزيد طالع هنا). ويتساءل الباحث عبد الله عنان: “لقد عرج كثير من كتاب المسرح عندنا الى بعض الوقائع والمأسي التاريخية واتخذوها موضوعا لرواياتهم ومسرحياهم.. ألم يقفُ أحدهم على تلك القصة الفاطمية الشائقة التي وقعت بمصر في خلافة تنثر من حولها أيات الفخامة والبذخ الرائع؟.. ان صحف التاريخ الأسلامي تقدم الينا الكثير من القصص الرقيق المؤثر، فهل فكر كتاب المسرح في أن يرِدُوا من هذا المنهل الغزير ويقتبسوا من طرائفه؟.. فإن المسرح المصري سيبدو أكثر روعة وابداعا وأوفر سحرا وفتنة لو استطاع كتابنا ان يتحفوه ببعض هذه المناظر القوية الشائقة التي نَبَعَت من بيئتنا المصرية الأصيلة منغمسة في حاضرها العربي البدوي بدلا من النقل من تراث المسرح الغربي”..

يحيي-الفخراني-مسرحية-الف-ليلة-وليلة.jpg

مراجع:

  • محمد عبد الله عنان – مصر الأسلامية وتاريخ الخطط المصرية – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998
  • المقريزي – الخطط – مطبعة بولاق 1960

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 18
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    18
    Shares
  •  
    18
    Shares
  • 18
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

3 thoughts on “قصة غرام فاطمية

شاركنا برأيك فيما قرأت!..