فظائع الفرنسيين في اخماد ثورة القاهرة الأولى

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 9
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    9
    Shares

ثارت القاهرة، المدينة الهادئة التي راهن عليها الفرنسيين، والتي خضعت قرونا طوال بلا مناهضة ولا ثورات، صابرين على قمع الترك وذل المماليك. فزال عن وجه نابليون بونابرت قناع الصداقة وحب المصريين واحترام الأسلام الذي جاهد كثيرا ليرتديه!.. وظهر وجه المستعمر الغاشم «الوجه الحقيقي» الذي جاء يبحث عن مجد بلاده على جثث المصريين ودمائهم. النهاردا هانتكلم عن بعض مشاهد من اخماد الفرنسيين لثورة الشعب الأولى ضدهم، وفي المقابل هانشوف ايه اللي عمله بعض المصريين مع الفرنسيين العزل من السلاح واللي كانوا مقيمين معاهم برواية شهود عيان.. خليكو معانا..

في يوم الثلاثاء 23 أكتوبر (ثالث ايام الثورة) بعد ان تم قصف الجامع الأزهر وماحوله بنيران المدافع بلا رحمة ولا هوادة، سكن الثوار في القاهرة وسادت السكينة في اغلب شوارع الأزبكية وبولاق والقلعة والصناديلي والغورية وغيرها من احياء القاهرة، فاندفع الجنود الفرنسيين على خيولهم يجوبون الشوارع ويقتلون كل من يقابلونه من الأهالي وينهبون الدكاكين والمنازل بحجة البحث عن سلاح!.. وفي النهاية اقتحموا ساحة الجامع الأزهر وعاثوا فيه فسادا.. عن تلك الليلة يقول الجبرتي:

«وبعد هجعة من الليل دخل الإفرنج المدينة كالسيل، ومروا في الأزقة والشوارع لايجدون لهم ممانع ،كأنهم الشياطين أو جند أبليس، وهدموا ماوجدوه من المتاريس، ودخلت طائفة من باب البرقية ومشوا في الغورية، وكروا ورجعوا وترددوا وما هجعوا، وعلموا باليقين أن لا دافع لهم ولا كمين، وتراسلوا ارسالا ركبانا ورجالا، ثم دخلوا الى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيول، وبينهم المشاة كالوعول، وتفرقوا بصحنه ومقصورته وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزائن الطلبة، ونهبوا ماوجدوه بها من المتاع والأواني والقصاع، والودائع والمخبئات بالدواليب والخزانات، ودشتوا الكتب والمصاحف وعلى الأرض طرحوها، وبأرجلهم ونعالهم داسوها، وكسروا أوانيه وألقوها بصحنه ونواحيه، وكل من صادفوه به عرُّوه، ومن ثيابه أخرجوه.. »

المراكب الفرنسية في النيل

في حين انتشرت جنود بارتليميو الرومي المعروف عند العامة بـ«فرط الرمان» (للمزيد طالع هنا) تجوب شوارع القاهرة تعتقل كل من شاهدوه بالشوارع ايام الثورة بتهمة التأمر على الفرنسيين، وساقوهم مقيدي الأيدي بالحبال في الشوارع وأودعوهم في سجن القلعة، ونهب فرط الرمان وعصابته في طريقه عديد من الدور والدكاكين (غير نهب الفرنسيين) وصادروا العديد من الأسلحة النارية والبيضاء وكانوا يقتلون من يعترض على افعالهم فيقول الجبرتي: «.. ومات على ايديهم في تلك الليلة خلقٌ لا يُحصيها الا الله»!.. ثم دارت جنودهم تجمع جثث القتلى من الشوارع وتحملها على عربات تجرها البغال والحمير وألقوها في النيل!.. وصدر أمر نابليون بهدم الجامع الأزهر ولكن عادوا وترجعوا خشية من اعادة انتفاض الأهالي بعد قمع الثورة.

Napoleon in the Grand Mosque of Cairo

ويعترف المؤرخون الفرنسيون بأن اعمال قمع الثورة قد تجاوزت الغرض منها الى الأنتقام والأرهاب، ففي سجن القلعة تم اعدام كثير من المساجين سرا وبدون محاكمة، وكان الأعدام بوخزهم بالسونكي لتوفير الذخيرة، والقوا جثثهم في الصحراء بمكان بعيد بعد أن قطعوا رؤوسهم وطافوا بها في الشوارع لأعلام الناس بمصير من يعادي جنود الجمهورية الفرنسية!.. يقول الجنرال برتييه في رسالة للجنرال دوجا قومندان المنصورة:

«قد نكلنا بالمتمردين في مذبحة رهيبة بأمر القائد العام فسادت السكينة انحاء المدينة بعد ان قتلنا منهم حوالي ثلاثة الاف.. »

1-545185.jpg

وفي رسالة نابليون للجنرال رينيه قومندان الشرقية يقول:

«وأخيرا عادت السكينة للقاهرة بعد ان فقد الثائرون نحو ألفي قتيل، وكل ليلة نقطع رؤوس نحو ثلاثين رجلا وبعض الزعماء، وأظن أن هذا سيكون درسا قاسيا لهم كي لا يكرروها فيما بعد.. »

تفشي الطاعون بين جنود نابليون.jpg

أما الذين حوكموا رسميا وتم اعدامهم باعتبارهم زعماء الثورة فهم (للمزيد طالع هنا):

  1. الشيخ اسماعيل البراوي، تاجرا بالقلعة مشهور بحسن السمعة والشهامة وكراهية الفرنسيين.
  2. الشيخ يوسف مصيلحي، مدرسا بجامع الكردي
  3. الشيخ عبد الوهاب الشبراوي، مدرسا بالمشهد الحسيني.
  4. الشيخ سليمان الجوسقي (زعيم طائفة العميان) وكان خطيبا مفوها يلهب حماس الثوار.
  5. الشيخ أحمد الشرقاوي مدرسا بالجامع الأزهر وهو خلاف الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع المعروف.

Numérisé à 16-06-2013 17-07.jpg

وكانوا كلهم من اواسط علماء الأزهر وقد ذكرهم الجبرتي باستفاضة وترجم لهم في وفيات عام 1213هـ. أما كبار العلماء من اعضاء الديوان قد ذهبوا يتشفعون الى نابليون صباح يوم الأربعاء 24 يوليو ويسألونه العفو عن سكان القاهرة والأفراج عمن تم اعتقاله من المعممين واخراج جنوده من الأزهر، وكان معهم الشيخ محمد الجوهري الذي قال لنابليون: «والله ما قابلت حاكما قبلك قط، عادلا كان أم ظالما..»!!.. فوعدهم بالعفو وعدا «مشوبا بالتسويف» على حد تعبير الجبرتي، وطالبهم بالأرشاد عمن تسبب في الثورة واثارة العوام من المعممين، فردوا بأنهم لا يعرفون أحدا!.. فقال لهم نابليون على لسان ترجمانه: «ونحن نعرفهم واحدا واحدا.. »!!.. وأمر بإخراج اغلب الجنود من الأزهر وترك حامية صغيرة لحفظ الأمن وسمح لهم بدخول المسجد وازالة اثار العدوان منه. ولم يقبل شفاعة أحدا في المعتقلين وتم تنفيذ احكام الأعدام بهم ليلة 4 نوفمبر، وتولى تنفيذ احكام الأعدام والتخلص من الجثث برتليميو وكتيبته من الروم (اليونانيين). يقول القائد العام في رسالة للجنرال ديزيه في الصعيد:

«ان رجالنا قد قبضوا على نحو ثمانين من اعضاء لجنة الثورة وسجنوهم بالقلعة، وهناك نحو اربعة الاف من سكان القاهرة قد هاجروا منها قبل شروق الشمس قاصدين السويس ليختبئوا بها (وكان الفرنسيين لم يحتلوها بعد) وكذلك اعضاء لجنة الثورة قد تمت محاكمتهم وثبتت ادانتهم فأصدر المجلس العسكري قرارا باعدامهم في نفس اليوم وقد تنفذ فيهم الحكم وتم التخلص من جثثهم.. »

photo 4.JPG

حقا اسرف الفرنسيون في القتل ولم تأخذهم رحمة حتى بالنساء فقتلوا منهن الكثير، وكان هذا من افظع ماسمع في التنكيل وسفك الدماء، قال المسيو بوريين سكرتير نابليون الخاص في مذكراته:

«سيق المعتقلون الى القلعة وكنت اتولى في مساء كل يوم كتابة الأوامر القاضية باعدام اثني عشر سجينا، وكانت جثث القتلى توضع في زكائب وتلقى في النيل، واستمر ذلك عدة ليالي عديدة، وكان كثير من النساء فيمن نفذ فيهم احكام الإعدام الليلية.. »

Pierre-Narcisse_Guérin_Napoleon_Pardoning_the_Rebels_at_Cairo

وأصدر نابليون قراره بإبطال العمل بالديوان يوم 24 يوليو عقابا لسكان القاهرة على ثورتهم، وأصدر تعليماته الى الجنرالات بون وكافريللي بتدبر كل الأمور لزيادة عدد الحصون وتحصينها بالمدافع داخل وحول القاهرة خشية وقوع تمرد اخر، فأزالوا العديد من المساجد والدور بصحراء المماليك والروضة وغرب الأزبكية، ولم يمض ستة اسابيع على اخماد الثورة الا وكان بالقاهرة 19 طابية وحصن مدججين بالجنود والمدافع والأسلحة، واطلقوا على بعضها اسماء قتلاهم من الجنرالات ديبوا وسكولسكي وموريرو وكامان وغيرهم.

plan du caire en 1798

في حين يذكر الرسّام ڤيڤان دينون في كتابه (رحلة الى مصر العليا والسفلى ..) ان سلوك المصريين مع الفرنسيين العزل من السلاح لم يكن كذلك، بل كان يتسم بالكثير من الشهامة والمروءة!.. فيحكي ان اصحاب المنازل الذيم كانوا يقطنون بها قد آووهم ومنحوهم الحماية والأمان، فيقول عن العجوز صاحبة المنزل الذي كان يسكن به وكان لا يفرق منزلهما الا جدارا، فطلبت منهم هدمه والفرار عندها حيث تولت حمايتهم حينما طاف الثوار الغاضبون في الشوارع يقتلون الفرنسيين. ويزيد بأن جارا لهم قد منحهم عشاءا وافطارا لليوم التالي وجلس أمام باب الدار يدخن الشوبك (الغليون) في هدوء ليمنع عنهم الغاضبين. كما يحكي ان اثنان من الفرنسيين المدنيين العاملين في المجمع العلمي كانوا هاربين في الشوارع من مطاردة الثوار فأدخلهما الجار لمنزله وآواهما الى ان حلت السكينة وعادا الى عملهما. هذا غير كثير من الوقائع التي تدل على رقة الشعور وتبرهن على ان العواطف الأنسانية لدى الشعب المصري تتجلى في أشد الساعات يأسا.

Description-egypte-01-fr

أما مدينة السويس فقد خرج نابليون في أوائل شهر ديسمبر 1798م لأحتلالها بعد ان هرب اليها العديد من اهالي القاهرة، وكانت مدينة ذات اهمية كبيرة لموقعها على البحر الأحمر، فقد سعى لتأسيس قاعدة بحرية بها للسيطرة لاحقا على كل مواني البحر الأحمر. وقد هرب اهالي السويس لما علموا بمجيء الفرنسيين ولما سمعوا بفظائعهم في الصالحية وبلبيس والقاهرة والأقاليم، فذهبوا الى الطور وتركوا المدينة لنهب الجنود الفرنسيين فنهبوا الدكاكين وصادروا مابها من بضاعة وفتشوا الدور ونهبوها وخلعوا ابوابها ونوافذها واستخدموها في التدفئة ليلا. وفي السويس كلف نابليون المهندس لوپير كبير مهندسي الطرق في الجيش الفرنسي بدراسة امكانية حفر قناة من البحر الأحمر للبحر المتوسط وأطلق عليها اسم (قناة الفراعنة) وبدأ العمل مع كتيبته في هذا الأمر، وهناك وصلت الى نابليون أخبار باحتلال جيش أحمد باشا الجزار والي عكا للعريش، فعلم ان جيشا عثمانيا يستعد للهجوم على مصر، فقرر الخروج لمقابلته بصحبه 13 الف جندي لأحتلال الشام والوصول للأستانة وفتح الطريق لأوروبا الذي اغلقه الأنجليز عن طريق البحر بمحاصرة الشواطئ بعد غرق الأسطول.. ودا ان شاء الله موضوع تدوينة اخرى فتابعونا..

3678

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم في مصر ج1، دار المعارف 1987
  • عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الأثار في التراجم والأخبار، دار الكتب المصرية 1988
  • جمال بدوي، مصر من نافذة التاريخ، الهيئة العامة للكتاب 1995
  • Vivant Denon, Voyages dans la basse et la haute Égypte pendant les compagnes de Bonaparte – اطلع على نسخة من الكتاب من هنا.

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 9
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    9
    Shares
  •  
    9
    Shares
  • 9
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

4 thoughts on “فظائع الفرنسيين في اخماد ثورة القاهرة الأولى

شاركنا برأيك فيما قرأت!..