فاروق الأول.. ملك دستوري أم خليفة المسلمين؟

العصر الحديث
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 14
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    14
    Shares

في 8 مايو عام 1936 صدّق البرلمان المصري على ولاية الملك فاروق الأول ملكا على مصر والسودان، وفرح الشعب واستبشر خير بالملك الجديد، وبدأ رجال الحكومة والسراية نسج شباكهم حوالين الملك الشاب، واللي كان لسة راجع من انجلترا من غير مايكمل دراسته في كلية “وولويتش” العسكرية البريطانية علشان يتم تتويجه خلفا لوالده الملك فؤاد الأول، واللي مات في 28 ابريل من نفس السنة.. وقدّم رجال الحكم برنامج مكثف بيرمي الى زيادة شعبية الملك الشاب، ومن ناحية تانية تثبيت لأقدامهم في مناصبهم!.. ياترى عملوا ايه؟… تعالوا نشوف سوا..

HM-King-Farouk-I,-King-of-Egypt-and-Sudan,-and-the-Sovereign-of-Nubia,-Darfur-and-Kurdufan-in-Parliament.-20-November-1942.png

كان عمر الملك فاروق أيامها 16 سنة وشوية شهور صغيرة، عشان كدا اتحط الملك والعرش نفسه تحت الوصاية. وبعد اجراءات مراسم تقديم الملك للشعب، كان من رأي مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء ان الملك الشاب يرجع إنجلترا تاني عشان يستكمل دراسته وينهيها  على خير وبعدها يرجع بلاده، وكمان يكون سِنّه عدّى مرحلة الوصاية ويحكم بنفسه، وأيّده في كدا السفير البريطاني واللي كان ورا ارسال الملك من الأول لتلقى العلوم العسكرية في انجلترا، لكن الملكة الأم كان لها رأي تاني، وهوا ان الملك يفضل في مصر ويتلقى الدراسة في القصر الملكي ومافيش داعي للسفر لأنها كانت خايفة من اطماع مجلس الوصاية في الحكم وبالذات رئيس مجلس الوصاية اللي كان رأيها انه عميل للأنجليز!.. وبعد نقاش وافقها النحاس باشا وتعهّد قدّامها انه يحيط الملك الشاب بعنايته ويبعد عنه “الطماعين” والخونة قدر المستطاع..

ومن ناحية تانية كان علي ماهر باشا رئيس الحكومة السابق (اللي كانت قبل نجاح الوفد في انتخابات 1935 وتولّي النحاس للوزارة) بيحاول يتودد للملك الجديد، ومعاه أحمد حسنين باشا (واللي بعد كدا بقا رئيس الديوان) ومعاهم شيخ الأزهر الشيخ مصطفى المراغي، وغيرهم كتير.. وماعجبهمش انسجام السراية مع الوفد واللي كان بدعم من الملكة الأم، لأنهم كدا مش هايبقالهم نصيب في “كعكة” الحكم اللي هايستولى عليها النحاس في رأيهم!.. فحاولوا انهم يقدموا اي معروف “سريع” للملك الجديد يلفت نظره ويشدّ اسماعه اللي هايستحوذ عليها مصطفى النحاس والملكة الأم.. فطلع في دماغهم انهم يدوّروا على وسيلة لأختصار مدة الوصاية للملك الشاب عشان يستلم الحكم بسرعة (!)، فقال الشيخ المراغي ان عمر الملك “المسلم” لابد انه يتحسب بالتقويم الهجري مش الميلادي!.. وبكدا يتم الملك الشاب 18 عام هجري في يوليو 1937 فيختصر 7 شهور بحالهم!.. ووافق الملك وعجبته جدا وبدأ الكل يستعد لتتويج الملك الشاب تحت قبة البرلمان أمام ممثلي الشعب (النواب) ويتلو الملك القسم باحترام الدستور، ودي طبعا مراسم بتتم لأول مرة في تاريخ مصر.. وفوجئت الحكومة وهيا في غمرة استعدادها لمراسم التتويج، ان الملك الشاب مش عايز تتويج في البرلمان، ولا انه يلبس التاج هناك، ومش عايز يحلف اليمين باحترام الدستور!.. امال عايز ايه الملك الشاب؟

وصل لعلم النحاس باشا ان جلالة الملك الشاب عايز التتويج يبقا في القلعة (مقر الحكم القديم لغاية عهد جده الخديوي اسماعيل) وتكون بيعة كخليفة للمسلمين وأمير للمؤمنين مش مجرد ملك على مصر (!) ويتسلم فيها التاج من شيخ الأسلام (الأزهر) ومعاه سيف جده محمد علي باشا، وبعدين يدعو المشايخ له دعاء خاص بالخلفاء العباسيين وسلاطين آل عثمان.. ويكون دا يوم خميس، وفي اليوم التالي (الجمعة) يصلّي الملك الشاب بالناس كلها إمام في الجامع الأزهر، بعد خطبة من شيخ الأسلام يدعو فيها للملك الشاب على المنبر بالعمر المديد والرأي السديد والحكم السعيد.. وفي نفس الوقت عايز الملك الشاب كمان حفل تتويج تاني ويكون عالمي، في احتفال مهيب ويعزم كل ملوك ورؤساء وزعماء العالم، ويتم تتويجه أمامهم بصورة “مدنية” ويبقا خبر عالمي تتناقله كل وكالات الأنباء. كمان فوجئت الحكومة بحملة صحفية بتعمل على توجيه الرأي العام في مصر لرفض التتويج الدستوري وتنادي ببيعة شرعية أو دينية!..

r22_18_8_2010_21_46

وطبعا ماكانش صعب ان النحاس باشا يعرف ان اللي ورا الموضوع دا كان علي ماهر باشا وأحمد حسنين باشا والشيخ المراغي!.. الملكية الدستورية كانت بتنص على ان الملك يملك ولا يحكم زي النظام في بريطانيا، وهما عايزين الملك يملك ويحكم وفي نفس الوقت انه يرفض كل رأي يجرده من صلاحياته اللي ورثها عن جدوده!.. وطبعا قصدهم كان على النحاس باشا.

وبيخرج علينا بعد أيام فضيلة شيخ الأزهر بفتوى “أو رأي” ان ربنا سبحانه وتعالى بيبعت كل مائة عام للأمة الأسلامية رجل يصلح دينها ويجدد عقائدها ويوحد صفوفها، وان “فاروق الأول” هو اللي ربنا اختاره وارسله عشان يكون رجل المائة عام اللي جاية (!).. واستدل على كدا من اسمه، فهو “فاروق” بين الخير والشر.. “فاروق” بين النور والظلام.. والحق يتقال ان الشيخ المراغي طلّع فتاوي أو اراء كتير تخدم الوجود البريطاني في مصر ايام الملك فؤاد، ولكن الفتوى دي بالذات فاقت كل اللي قبلها..

عبدالمجيد-سليم-المراغي-الملك-فاروق

وطبعا انقسم الرأي العام بين مثقفين مصر ونخبتها في الوقت دا بين مؤيد للبيعة الأسلامية ورافض ليها، وكان من ضمن المؤيدين الأستاذ أحمد لطفي السيد، الملقب باستاذ الجيل واول رئيس للجامعة المصرية ودا يمكن لأنه كان من حزب الأمة اللي بيكرهوا بتوع الوفد!.. وكمان الأستاذ والأديب والمفكر والبرلماني السابق عباس محمود العقاد واللي كتب مقالات عديدة وقتها بتتكلم عن اهمية البيعة الأسلامية واهمية وجود خليفة للمسلمين بعد انقطاع الخلافة من أل عثمان عام 1924م ودا طبعا لأنقلابه على مصطفى النحاس. ونشبت معركة حامية الوطيس على صفحات الجرايد كان بيديرها وينسقها من بعيد أحمد حسنين باشا، الى جانب على ماهر باشا اللي استعان بالشيخ حسن البنا رئيس جماعة الأخوان المسلمين وكمان أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة وطلب منهم انهم يقفوا جنب الملك الشاب ويؤيدوا البيعة الأسلامية وينادوا وسط الناس ان اخيرا ربنا بعت “بطل” من ارض مصر يعيد الخلافة ويرجّع للأسلام مجده وعزه!.. ووعدهم بدعم مالي وسياسي لو نجح الموضوع وتم تتويج الملك خليفة للمسلمين!..

ومن ناحيته، قال نقيب الأشراف رأيه هوا كمان بعد الفحص والدرس لسلالات النسب الشريف في مصر ان الملك فاروق بينتهى نسبه لآل البيت الهاشمي!.. ولما كان الثابت تاريخيا ان جده من ناحية الأب يبقا محمد علي باشا الكبير ودا راجل ألباني مش عربي اساسا، فقال انه النسب من ناحية الأم اللي تبقا حفيدة محمد شريف باشا ناظر النظار ايام الخديوي اسماعيل لأن وزير الأوقاف اخبره انه لاحظ في سجلات الديوان الملكي توقيعه باسم “السيد” محمد شريف باشا، فبكدا يبقا بنتمى لآل البيت النبوي وعترة الأمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه!..

Greater-Egypt-YouTube-Video

ولما كان اللي بيجرى دا كتير أوي على الملك الشاب، فكانت أمه الملكة نازلي واللي تعتبر اقرب الناس اليه، هي أول من يقدّم له النصح لما تكاثر عليه المتملّقين والمطبّلين بفتاويهم وارائهم اللي مش هايقدر يناقشهم فيها بعلمه المحدود وخبرته القليلة في عالم السياسة!.. فالملكة الأم ولو كانت قضت اغلب حياتها حبيسة بالقصور الملكية لكنها احتكت بناس كتير اخدت منهم خبرة كبيرة في عالم السياسة علمتها كراهية الأنجليز واعتزازها بأصلها المصري.

الملك فاروق والملكة نازلي.jpg

قالت له الملكة عن تجربة قديمة مر بها ابيه الملك فؤاد لما اقنعوه سنة 1925م ببيعته خليفة للمسلمين بعد سقوط الخلافة في اسطنبول، وعن الشيخ علي عبد الرازق وعن اللي قاله في كتابه (الأسلام وأصول الحكم) اللي دمّر الفكرة من اساسها، وعن رد شيخ الأزهر المراغي عليه واللي ماكانش كفيل باقناع الرأي العام بالعكس بعد ماجابوا كتير من الافّاقين اللي هيأوا لوالده الملك فؤاد انه الأصلح للبيعة والخلافة!.. كمان قالت له ان ابوه اصطفى ناس من رجال السياسة وتقريبا صنعهم من العدم زي علي ماهر باشا، وفي النهاية مالقاش منهم غير الجحود والنكران وانه مات وهو يكنّ لهم اشد الكراهية!.. وانه قبل مايموت جاب النحاس باشا وقال له بالحرف: “انت اخلص واحد عرفته في البلد دي ومن اصدق الزعماء والسياسيين، وانا نادم على اني حاربتك في يوم من الأيام”..

king-foaadelnahas-1928-2.jpg

وطلب رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا انه يقابل الملك الشاب ودا كان بطلب من الملكة الأم، وحاول انه يفتح حوار مبسط مع الملك الشاب يكون له فيه بمثابة الأب الروحي، فحكى له حكاية السراية مع الوفد من البداية، وقال له إن العلاقة دي كل ماكانت قوية كل ما استقرت الحياة السياسة في مصر، وقال كمان ان دي هيا المدخل اللي دايما بيدخل منه الأنجليز وعملائهم لشل ارادة مصر وزعزعة استقرارها، وعرقلة مسيرة الديمقراطية فيها.. وانه الحمد لله بعد الأستقلال والدستور والبرلمان اللي عملهم والده قطعنا شوط طويل لازم نكمله للنهاية باتمام مفاوضات الجلاء، ومانديش لحد الفرصة انه يعرقلها او يطول من امدها..

الملك فاروق والنحاس باشا

قال كمان النحاس باشا ان الشعب المصري ماقابلش ملك في العصر الحديث بالحب اللي قابل بيه الملك فاروق لما رجع من الخارج يتولى العرش، وان دي في حد ذاتها فاتحة خير على الجميع، ولا بد انها تتم للنهاية بالتتويج من الشعب بكل فئاته وطبقاته والمتمثل في البرلمان.. وانه يبقا ملك الشعب وبياخد سلطته من الشعب فيؤكد بكدا على الوحدة الوطنية وعلى إلتفاف الشعب حول الملك.. وقال كمان ان الدستور بيعتبر درع بيحمي الدين والأخلاق والتقاليد والحقوق والحريات، وبيكفل حرية الأعتقاد لكل الناس وبيساوي بين كل المصريين، وقال له كمان ان الأسلام هو دين الشورى وان الشورى دي مظهر من مظاهر الديمقراطية اللي كلنا بندور عليها، وانه مافيش كهنوت في الأسلام أو من يدعي الحق الألهي في سلطة روحية او زمنية.. وان اعظم ماحققته الحركة الوطنية المصرية من طليعة القرن العشرين وتجلت في ثورة الشعب سنة 1919م هي الوحدة الوطنية والروحية والسياسية للجميع، مما يكفل التعايش السلمي لكل طبقات وفئات المجتمع، ودي في حد ذاتها بتعتبر مدرسة بتدرَّس لكل الوطنيين في كل الأنحاء.

وقال كمان النحاس باشا ان السياسيين ورجال الدين اللي بيحاولوا يزيّنوا للملك البيعة و الخلافة والأمامة مش عايزين الخير للملك ولا لمصر، وانهم بيدوروا على مناصب او سلطة. وانهم حاولوا قبل كدا مع والده الملك السابق وفشلوا، وان من سنين والأنجليز بيحاولوا (عن طريق عملائهم) انهم يحوّلوا الأزهر من جامعة عريقة الناس تُدرَّس فيها الدين والعقيدة الى مؤسسة سياسية بتهيمن على السلطة (فاتيكان يعني بس على النسق الأسلامي) وانهم ينقلوا لنا الصراع اللي هما كانوا بيعانوا منه في القرون الوسطى وتحرروا منه اخيرا!..

وحكى النحاس باشا للملك الشاب حكاية الشيخ المراغي وتبريره للوجود الأنجليزي في مصر السودان واستخدامه للفتاوي الدينية في كدا. وقال له كمان على تاريخ علي ماهر باشا وتنقله وسط الأحزاب وهو بيدور على منصب، من وفدي متطرف لكاره لسعد زغلول في بلاط الملك فؤاد!..

سعد زغلول ومصطفى النحاس

وأكد النحاس للملك الشاب ان الجماهير اللي منحت الملك كل الحب والتقدير بتتطلع لملك عصري شاب ديمقراطي مؤمن بالديمقراطية ومتشبّع بيها وعايز بلاده عصرية يغرس جدور المدنية الحديثة في اعمق منطقة فيها، ومش عايزين خليفة عثماني يرجع بيها قرون للوراء لعصور الأستبداد والرجعية!.. وقال له ان مصر بعد ما استردت استقلالها سنة 1922 وألغت الأمتيازات الأجنبية في 1937م عايزة تثبت للعالم انه قوانينها المعاصرة لا تقل عن ارقى الأمم تحضر ومدنية، ومش عايزين حاجة تثبت للخارج ان مصر رجعت لورا بدل ماتتقدم للأمام.

وتقريبا ماسابش النحاس باشا خلال مقابلته مع الملك الشاب اي حجة او ذريعة عشان مايرجعش الملك ويقول ماحدش قال لي، او ان حد غرر بيه وضلله، فكان طبيعي ان الملك الشاب يتم تتويجه في 29 يوليو سنة 1937م في البرلمان وان يضيع مشروع البيعة الشرعية والخلافة وللأبد!.. وان كان بعدها الملك الشاب ماقدرش ينسى ان النحاس باشا وقف قصاد اول مشروع له في الزعامة!.. وبدأ فاصل من الصراع اللي امتد مع حكومة الوفد بزعامة النحاس طوال فترة حكم الملك واللي انتهت في يوليو 1952.

 رجاء لو استفدت من التدوينة اخدت معلومة جديدة شيرها لأصدقائك عشان الأستفادة تعم، وكمان ماتبخلش علينا بالفولو للمدونة وحساب تويتر اللي ظاهر تحت على الشمال.

مراجع:

  • موقع الملك فاروق (فاروق مصر)
  • محمد عودة – كيف سقطت الملكية في مصر (فاروق بداية ونهاية)

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 14
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    14
    Shares
  •  
    14
    Shares
  • 14
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..