عمرو بن العاص.. صحابي جليل عَشِقَ مصر (1)

مصر الأسلامية مصر الرومانية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 33
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    33
    Shares

بمجرد رؤية القائد عمرو بن العاص لنخيل مدينة لاريس (العريش) ظهر في الأفق البعيد، امر بلقاء رسول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحمل رسالة وهو يتهرب منه منذ وصوله رفح قبل ايام!.. فتح عمرو الرسالة ونظر فيها وابتسم، ونظر مرة اخرى لنخيل العريش وقال: “بل نمضي وعلى بركة الله”!..

ياترى ايه اللي كان في الرسالة؟.. وايه اللي جاب جيش المسلمين وقائده الصحابي الجليل لمدينة العريش؟.. تعالوا نشوف..

جيش بني العباس

هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، قائد عربي اشتهر بالحكمة الدهاء وحسن القيادة والتصرف، دخل في الأسلام بعد هزيمة قريش في يوم الأحزاب مع خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة رضي اللهم عنهم، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوات عديدة في حياته، وبعد رحيله استعمله ابو بكر الصديق رضي الله عنه قائد كتيبة في حروب الردة، وكان له دور عظيم في معركة اليرموك وما بعدها في حصار القدس عام 637م حتى قال عنه الخليفة عمر بن الخطاب: “قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب”.. والأرطبون هو قائد جيش الروم واللي فرَّ ببقية جيشه إلى مصر بعد هزيمته أمام جيش المسلمين وسقوط القدس..

عرف العرب مصر في التاريخ القديم من خلال التبادل التجاري، وبنلاحظ دا في قصص العهد القديم اللي بتحكي عن قافلة الأسماعيليين (العرب) اللي اخدوا النبي يوسف عليه السلام من الجب (البئر) الى مصر وباعوه هناك.  وبيؤكد المؤرخ الأغريقي هيرودوت وجود مراكز تجارية في منف واون (عين شمس) لعرب الجزيرة للتبادل التجاري مع مصر، كذلك نشطت حركة الهجرة من عرب بادية الشام وتيماء، في عصور لاحقة، لصحراء سيناء والأقامة على طرق التجارة، وبيؤكد المفكر والمؤرخ المصري جمال حمدان هجرة كتير من قبائل عرب شمال الجزيرة لشمال ووسط الصعيد، فكان رأيه ان تعريب مصر بدأ قبل دخول العرب بزمن بعيد وليس بعده. وبيقول كمان علماء اللغة ان مابين اللغة العربية واللغة المصرية القديمة اكثر من 10 ألاف كلمة مشتركة رغم تباعد اصول اللغتين دليل على الأحتكاك المباشر والمستمر.

عمر بن الخطاب.jpg

وكان عمرو بن العاص قد جاء لمصر تاجرا قبل اسلامه اكثر من مرة، واحب هواءها واهلها وأدرك قيمتها وثرواتها اللي بتروح للرومان مع الغلال كل عام، وعرف ان اهل مصر بيعانوا من الحكم البيزنطي اشد المعاناة وعلى خلاف عقائدي مع حكامهم من الرومان رغم انهم كانوا مسيحيين!.. وبعد فتح القدس جلس مع الخليفة عُمر وفاتحه في غزو مصر لتأمين حدود الدولة من ناحية الغرب، لآنه بعد دخول العرب للشام صاروا بين جبهتين روميتين: اسيا الصغرى من الشمال، ومصر من الجنوب.. فكان من رأي القائد عمرو هو توحيد جبهات القتال واغتنام مصر كقوة للدولة الأسلامية الوليدة. فقال للخليفة عمر رضي الله عنه:

«إِنَّكَ إن فَتَحْتَهَا كَانَت قُوَّةً للمُسْلِمِين وَعَوْنًا لَهُم، وَهِيَ أَكْثَرُ الأَرْضِ أَمْوَالًا وَأَعْجَزَهَا عَنِ القِتَالِ وَالحَربِ». – ابن عبد الحكم، فتوح مصر واخبارها ص131 طبعة لبنان.

لكن الخليفة عمر بن الخطاب بعد رحيل كثير من العرب للشام كان يخاف ان تتشتت قواته مابين فارس شرقا وافريقيا غربا خاصة بعد طاعون عمواس واللي قضى على الكثير، فكان من رأيه انهم يعيدوا ترتيب الصفوف من جديد ويوقفوا الفتوحات التوسعية لفترة، ولكن عمرو ألح في طلبه وعرض على أهل الحل والعقد من الصحابة فوائد ضم مصر، وضمن للخليفة سهولة فتحها في ضوء المعلومات المتوفرة عنده، فصار التقدم نحو مصر ضرورة بعد التوسع جهة الشام.

فتوح_مصر_والنوبة (2)

وبيوافق الخليفة عمر ويرسل جيش قوامه 4 الاف عسكري بقيادة عمرو بن العاص لمصر، وبيختار عمرو جنوده من قبيلتي “عَكْ” و”غافِق” من بلاد اليمن، وكان عارف انهم لهم مهارة في حصار الحصون، وشاركوا قبل كدا في حصار القدس الى جانب انهم كانوا على دراية بالزراعة واختطاط المدن. وبيتخذ القائد عمرو بجيشه الطريق القديم اللي اتخذه قبله قمبيز والأسكندر لمصر، ومن بعده سليم الأول سلطان العثمانيين.. بيرحل من غزة الى رفح للعريش للفرما لبلبيس لعين شمس.. وبيشتبك مع جيش البيزنطيين زي ماهانشوف دلوقت..

عمرو بن العاص

بيدخل القائد عمرو بيجشه لمدينة لاريس أو العريش يوم عيد الأضحى سنة 18هـ (639م) ولقى المدينة تقريبا خالية من قوات البيزنطيين فترك فيها حامية بسيطة وكمل طريقه نحو الفرما (بيلوز) شرق بورسعيد الحالية، وفى الوقت دا وصل خبر زحف المسلمين للمقوقس، فكان رأيه هو عدم الخروج للقاء العرب والتحصن بحصن بابليون وانتظار المدد من القسطنطينية، لأنه ماكانش عنده جنود مستعدين للقتال في الصحراء، كمان هوا عارف ان العريش او الفرما قريبة من قواعد المسلمين في غزة والقدس، فهو قال يستدرجه للداخل ويشتبك معاه بعيدا عن قواعده، وطبعا كان تفكير خاطئ عسكرياً زي ما حصل مع المماليك في معركة الريدانية عام 1517م (للمزيد اقرأ هنا)، كمان المقوقس ماكانش مطمن لولاء المصريين فخاف ينتهزوا فرصة خروج الجيوش ويثوروا عليه ويبقا امام جبهة داخلية واخرى خارجية!.. فتحصن في عين شمس بالإضافة لحامية كبيرة في حصن بابليون. وكانت جيوش العرب فقيرة في الات حصار المدن كالأبراج والمنجنيق وغيرها، وكانوا بيعتمدوا على المواجهات المباشرة وضرب الحصار والصبر لفترة طويلة زي ماعملوا في حصون الشام، وعشان كدا ضربوا الحصار على الفرما شهر ونص لغاية مادخلوها في يناير 640م زي مابيقول ياقوت الحموي في معجم البلدان ج15 ان الأستيلاء على الفرما كان تأمين ودفعة كبيرة لقوات المسلمين في طريقهم لمواجهة قوات الروم.

معركة عين شمس.jpg

توغل القائد عمرو بقواته نحو بلبيس، وانضم اليه بعض قوات البدو من صحراء سيناء والصحراء الشرقية فعوض شوية من فقد قواته في المعارك والحاميات اللي تركها في الفرما والعريش، وبيحكي ابن عبد الحكم في فتوح مصر واخبارها انه دخل القصاصين والصالحية وتنيس وسنهور ومالاقاش مُقاومةٌ تُذكر طوال الطريق لا من جانب السُكَّان ولا من جانب البيزنطيين (!) وضرب الحصار على قوات الروم في بلبيس لأكتر من شهر واشتبك مع قوات ارتيبون (الأرطبون) قائد الجند في قتال شديد فتمزق جيش الروم وقُتل منهُ حوالي ألف جُنديّ وأُسر حوالي ثلاثة آلاف وفرَّ الباقي نحو عين شمس، ووقعت في الأسر بعد معركة بلبيس ابنة المقوقس “ارمانوسة” فأرسلها عمرو بن العاص لأبيها مع قيس بن سعد بن عبادة أحد قادة الجيش ومعها رسالة: «أَيُّهَا المَلِك، لَا بُدَّ لَنَا مِنْكُم» يعني احنا جايين جايين ماتحاولوش!..

800px-Memphis200401

ولما وصل المسلمون لمشارف مدينة طوندونياس (أم ذنين) أدرك المقوقس انه كان مخطئ بعدم المواجهة المبكرة مع العرب، فحشد جيش كبير من الأسكندرية نحو حصن بابليون، فأرسل القائد عمرو للخليفة في المدينة يطلب المدد فأرسل الخليفة له الزبير بن العوام رضي الله عنه على رأس عشرة الاف عسكري كما هو وارد في فتوح البلدان للبلاذردي، اتخذ الزبير طريق تبوك، ايلة، السويس، عين شمس. واشتبك الجميع مع الروم في حصار أم ذنين فقسم عمرو بن العاص قواته الى 3 اقسام وواجه عدوه من 3 نواحي فألقى في قلبه الرعب وأوهمه بكثرة قواته ففرت حامية الروم الى حصن بابليون هربا من مذبحة محققة.

بعد نصر أم ذنين اتخذ القائد عمرو من عين شمس معسكر لقواته، وكانت مكان مرتفع وفيه مؤن وماء ويسهل الدفاع عنه، وبدأ في استفزاز قوات الروم لأجبارهم على الخروج من حصن بابليون، واستجاب القائد البيزنطي تيودور للأستفزاز وخرج على رأس 20 ألف مقاتل للقاء قوات المسلمين، وقسم عمرو بن العاص قواته الى 3 اقسام، وانتظر مجيء الروم قرب العباسية الحالية في ثلث الجيش واخفى ثلثيه، ولما جاء تيودور بقواته دار قتال شديد في شهر يوليو 640م لمدة اكثر من يومين، اطبق خلالها عمرو بثلث الجيش الثاني فاصبح الروم بين جيشين فتشتت قتالهم وانهزم تيودور وانسحب بقواته تجاه ام ذنين فاطبق عمرو بالثلث الأخير واوقع خسائر كبيرة بجيش تيودور اللي ادرك كويس جدا انه لا قبل له بقتال المسلمين واشار على المقوقس في استعجال المدد من الامبراطور هرقل في القسطنطينية.

277px-Labarum_of_Constantine_the_Great.svg

وبدأت قوات الرومان تستعد لحصار كبير في حصن بابليون، واللي كان المحطة الأخيرة امام قوات المسلمين قبل الزحف نحو الأسكندرية عاصمة البلاد، وكان حصن منيع عالي الأسوار، وناحية النيل ومحاط بخنادق عميقة. وضرب المسلمين الحصار عليه في وقت فيضان النيل سبتمبر 640م وتراشق الطرفين بالمنجنيق من جهة الرومان والسهام من جهة المسلمين لغاية انحسار الفيضان فتمكن المسلمين من الأقتراب من الأسوار، وبدات المراسلات والمفاوضات بين عمرو بن العاص المقوقس يدعوه للتسليم، وفي الوقت دا وصل رد هرقل برفض الصلح واستئناف القتال، فشدد المسلمون الحصار من جديد، وبيقول الطبري في تاريخ الملوك والأمم انه في ابريل 641م تمكن الزبير بن العوام رضي الله عنه مع نفر من جيش المسلمين من تسلّق اسوار الحصن رغم ارتفاعه وقاموا بالتكبير بصوت عالى فظنّ الروم أنهم المسلمين اقتحموا الحصن، فهربوا نحو الداخل تاركين مواقعهم الدفاعية فتمكن الزبير ومن معه من الهبوط بالداخل وفتح ابواب الحصن امام المسلمين اللي اقتحموا الحصن، فاجبروا الروم على ابرام صلح مع المقوقس بيعترف فيه الروم بسيادة المسلمين على المناطق اللي فتحوها مقابل الأمان لهم ولكل شعب مصر.. وهذا نص الاتفاق:

« بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملَّتهم وأموالهم وكنائسهم وصُلبهم وبرِّهم وبحرهم، لا يزيد شيء في ذلك ولا ينقص ولا يُساكنهم النُّوب وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصُلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف وعليه ممن جنى نُصرتهم، فإن أبى أحد منهم أن يُجيب رفع عنهم من الجزى بقدرهم وذمتنا ممن أبى برية وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رُفع عنهم بقدر ذلك ومن دخل في صُلحهم من الروم والنًّوب فله ما لهم وعليه ما عليهم ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه ويخرج من سُلطاننا وعليهم ما عليهم أثلاثًا في كُلِّ ثُلثٍ جباية ثُلُث ما عليهم على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله Mohamed peace be upon him.svg وذمة الخليفة أميرُ المؤمنين وذمم المُؤمنين وعلى النُّوبة الذين استجابوا أن يُعينوا بكذا وكذا رأسًا وكذا وكذا فرسًا على أن لا يغزوا ولا يُمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة. شهد الزُبير وعبدُ الله ومُحمَّد، إبناه، وكتب وردان وحضر» – تاريخ الملوك والأمم لأبن جرير الطبري ج4 ص108

ونكمل في التدوينة اللي جاية ان شاء الله عمل ايه جيش عمرو بن العاص لغاية ماوصل للأسكندرية واتم فتح البلاد، حصل ايه من جيوش الرومان، وايه كان موقف شعب مصر نحو المسلمين بعد زوال دولة الروم… فتابعونا.

لطفا لو حسيت باستفادة من التدوينة شيرها لغيرك لتعم الفائدة، وماتنساش تتابعنا على حساب تويتر اللي موجود على اليمين تحت.. وشكرا.

مراجع:

  • فتوح مصر واخبارها – ابن عبد الحكم طبعة بيروت
  • الدولة العربية الأسلامية الأولى – عصام محمد شبارو طبعة بيروت
  • فتوح البلدان ج1 – البلاذردي طبعة بيروت
  • الحافظ الذهبي – سير أعلام النبلاء (عمرو بن العاص)
  • فتح مصر – ألفريد بتلر ترجمة محمد فريد أبو حديد – مكتبة مدبولي
  • معجم البلدان ج15 – ياقوت الحموي طبعة بيروت
  • شخصية مصر – جمال حمدان
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 33
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    33
    Shares
  •  
    33
    Shares
  • 33
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

0 thoughts on “عمرو بن العاص.. صحابي جليل عَشِقَ مصر (1)

شاركنا برأيك فيما قرأت!..