طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد

حكايات من خارج مصر عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 39
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    39
    Shares

287

في اواخر القرن الـ19، كانت حركة الصحافة في مصر لسة في البدايات، وبرغم كدا كانت فيه حرية في اصدار الصحف وتأليف الكتب بشرط انك ماتتعداش حدودك (اللي انت عارفها طبعا!). في الأجواء دي، لفت نظر المواطن ورجل الشارع في القاهرة مقالات من نوع ساخن في جرنان اسمه (المؤيد).. كانت سلسلة من المقالات الجريئة، بتتكلم عن موضوع ماكانش حد قبل كدا يجرؤ انه يتكلم فيه أبدا!.. عن طبيعة الأستبداد واثره في انحطاط الأمم!.. يعني ازاي تتحول الشعوب الى “قطيع” يسوقه مستبد أو حاكم ديكتاتور.. وكانت موقع عليها “بقلم: السيد ك”، يعني كمان المؤلف مجهول!.. وكان جهل الناس بالمؤلف دا ساعد على اثارة غريزة الفضول أكتر عند القراء، وبيخلي القارئ يتابع المقالة بتاعته من يوم للتاني، فجذب نسبة كبيرة من القراء، كمان كانت النقط اللي اثارها في المقالات لمست قلوب الناس وطلّعت المكنون اللي جواهم، لأنها قالت اللي هما مش عارفين يقولوه، ولفتت نظرهم لأمور كانت تايهة عن بالهم، وفتحت ابواب اجتهدوا قبل كدا الحكام وبطانتهم السيئة وحاشيتهم المستغلة انها تحط عليها بدل القفل الواحد عشرات، وتحارب اي حد يفكّر انه يفتح اي قفل فيهم. كانت الناس من المثقفين والعامة تقعد على قهوة (متاتيا) المشهورة في ميدان العتبة ماسكين جرنان المؤيد ويسألوا بعض:

  • قريت مقالة السيد “ك” النهاردا؟..
  • شفت السيد “ك” قايل ايه النهاردا؟..
  • ألا يطلع مين السيد “ك” دا؟.. حد يعرف؟..

وكان قاعد معاهم في ركن بعيد من القهوة راجل بدقن ابيضاني لابس عمه وجبة شامي  من الجوخ، واسع العينين وكان رامي ودنه معاهم يسمع بيقولوا ايه وكان ايه رد فعلهم.. ويبتسم، وكان هوا دا عمنا.. السيد “ك”!

45714_1 (1)

ولد المفكر عبد الرحمن الكواكبي عام 1855م في مدينة حلب السورية وكانت ايامها ولاية تابعة للدولة العليّة، وعمل بالصحافة في بدايات عمره في جريدة كان اسمها (الفرات) عام 1877م لكنه اتخنق من رقابة السلطات على مقالاته واللي بسببها كانت بترفض ادارة التحرير نشر كتير من مقالاته، فأسس جريدة لحسابه وسماها (الشهباء)، وبعد صدور اعداد قليلة امرت السلطات العثمانية باغلاقها بسبب مقالات الكواكبي اللي بتتكلم عن الحرية!.. واصدر مع صديق له جريدة تانية اسمها (الأعتدال) 1879م، ولكنها برضه تم مصادرتها وحرق اعدادها والقبض على الكواكبي وقضاؤه لفترة في السجون.

Al-Kawakibi

بعدها درس الكواكبي القانون واتعين في قلم المحضرين في محكمة التجارة في حلب، ورجع تاني يكتب عن الأستبداد، ولكن مع حكام ماتعودوش الا على سماع كلمات الثناء والتمجيد والتعظيم كانت المعيشة صعبة جدا!.. فسافر الكواكبي لأماكن كتيرة واحتك بشعوب اخرى في الصين ووجنوب افريقيا والهند وشرق اسيا، ولما رجع الشام كانت افكاره عن الأستبداد ابتدت تنضج وتتبلور وتخرج في طورها الأخير.. وأدرك انه مش هايقدر يكمل حياته في قيود سلطات مستبدة فقرر انه ياخد بعضه ويسافر على مصر اللي كانت قبلة الأحرار في الوقت دا بسبب خروجها بعض الشيء من عباءة السلطات العثمانية، فسبقه إليها الأفغاني ورشيد رضا وأشاد بها الأمير شكيب أرسلان. وبيقولوا انه كتم وجهته عن أهله وقال لهم انه مسافر على اسطنبول للسياحة، وسافر لمصر سنة 1899م وتقريبا هوا كان بيهرب من رجال المخابرات العثمانية اللي كانوا بيراقبوه وبيقبضوا عليه باستمرار. واستقر في شقة في حي الحسين وتعرف على كتير من طبقة المثقفين والأحرار اللي اعجبوا بأفكاره، وقصد بيته الكثير من طلاب العلم يتعلموا على ايده الحرية، وبعدها بأيام صدرت سلسلة مقالات (السيد ك) واللي كان سماها (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد). بيقول عنه صديقه المقرب الشيخ كامل الغزي:

” وبعدما أمضى على مبارحته حلب نحو بضعة عشر يوما لم نشعر إلا بصدى مقالاته في صحف مصر، وأخذت جريدة المؤيد تنشر له حلقات كتاب طبائع الأستبداد الذي لم يطلعنا عليه مطلقا بخلاف كتاب جمعية أم القرى فقد اطلعنا عليه مرارا، ثم انه طبع الكتابين المذكورين وقام لهما البلاط السلطاني ضجة عظيمة وصدرت ارادة السلطان بمنع دخولهما الى الممالك العثمانية، وبلغنا انه بعد دخوله مصر بأيام قلائل قد التف حوله جماعة من أدباء أتراك زعموا انهم من طائفة تركيا الفتاة وماهم في الحقيقة الا جواسيس يراقبون حركاته وسكناته ويكتبون الى اسطنبول..” – عبد الرحمن الكواكبي سيرة ذاتية

وطبعا السلطان اللي بيتكلم عليه الشيخ كامل كان السلطان عبد الحميد الثاني اللي كان، رغم انجازاته الكتير وشهرته الكبيرة طوال فترة حكمه اللي بتتعدى 30 سنة، زي اسلافه من السلاطين الأتراك بيرفض دعوات التحرر وبيطلق ايدي رجاله انهم يسكتوا اي صوت معارض لا يسبح بحمده في أي بلد.

قصر الخلافة (يلدز) - اسطنبول.jpg

وفي مجتمعات كانت بتتخانق مع بعضها في قضية “مشروعية استخدام الحنفية (الصنبور) في الوضوء” كان لازم تنتشر أفكار عبد الرحمن الكواكبي زي النار في الهشيم، وخرجت بره الحدود المدينة والدولة لحدود الوطن الكبير، فوصلت العراق وباكستان واليمن وشمال افريقيا وعبرت البحار والمحيطات عند الشوام في المهجر (امريكا) وهانحاول في السطور اللي جايه اننا نشرح باختصار مجمل أفكار الكتاب، فنرجو القراءة بتركيز..

  1. الأستبداد هو تعريف للحكومات المطلقة العنان، واللي بتتصرف في رعيتها وبلادها كما تشاء، من غير ماتخاف من مسائلة حد أو على حد، ودا بييجي من كون الحكومة دي مطلقة التصرف مافيش حاجة (قانون أو دستور أو لوائح) تحكم تصرفاتها تجاه البلد او تجاه الشعب. أو ممكن تكون الحكومة مقيدة بأي حاجة من دي بشكل صوري، ودا بيسمح لها انها تكسر القوانين دي في اي لحظة وتعمل اللي هيا عايزاه من غير خوف من المسائلة أو الرقابة. والحكومات عادةً ميالة للأستبداد، واللي بيصدها عنه حاجتين: انها تبقا تحت رقابة شديدة من قوانين او خلافه، وانها تخاف من حساب بلا تسامح ولا رحمة..
  2. المستبد عدو الحق، ومايحبش اللي بيتكلموا عن الحرية، ونفسه تبقا الرعية كلها “بقر” وهو بس اللي يحلبها، أو “كلاب” تتذلل له هوا بس!.. والرعية اللي تفهم كدا بتعرف مقامها عنده، وبتسأل نفسها: هوا مين اللي المفروض يخدم التاني؟.. الحاكم ولا المحكوم؟.. يعني هيا اختارت الحكومة عشات تخدمها وتشوف مصالحها ولا تتملقها وتتذلل لها؟.. وعشان كدا “الرعية العاقلة” مستعدة تقف أمام الظلم والأستبداد وتقول له: “لأ!.. ماينفعش!”.. وتقدر تقول له كدا باللسان وبالفعل كمان!.. فالظالم لما بيشوف المظلوم قوي قدامه، مش هايقدر يظلمه بأي حال من الأحوال..
  3. الأنقياد للمستبد شرك بالله تعالى، لأنه وحده تعالى هو المنزه عن السؤال عما يفعل، وهو وحده المنوط بالعبادة والتعظيم والثناء والرهبة (فلا تَخْشَوْهُم واخْشَوْنِ..)، وعشان كدا بيميل المستبد انه يتعالى على الرعية ويحب انه يقهر البعض منهم بالاعتقال وسلب الأموال فيخاف البعض الأخر، فتقوم الرعية ماتلاقيش وسيلة تحميها من بطش المستبد الا الخوف منه والتذلل اليه وتملقه (من باب انها تتقي شره) وشوية بشوية بيتمادوا ويقولوا ان مش من حقهم انهم يحاسبوا الحاكم، وانه له مطلق السلطة يعمل اللي هوا عايزة وهما يسمعوا ويطيعوا.. وبس!.. وعشان كدا تلاقي المستبد يحب انه يدي لنفسه ألقاب تساعد تغذيه الروح دي عند الناس، زي مثلا: ولي النعم.. عظيم الشأن.. جليل المقتدر.. خاقان العالم.. ملك الملوك.. إلخ، ودايما يحب انه يتخذ شرعية إلهية لمنصبه في انه يربط نفسه مع الذات الألهية برباط قدسية، ويحاوط نفسه بمجموعة من رجال الدين اللي بيديهم مناصب ومرتبات مجزية، عشان يساعدوه على ظلم الناس بصورة شرعية..
  4. الأسلام في جوهره الأصيل لا يرعى الأستبداد، لأنه مبني على مراعاة المصلحة العامة، وبيرعى الحرية المبنية على شورى ارستقراطية (اهل الحل والعقد)، والقرآن فيه تعاليم بتقتل الأستبداد، والتمسك بالعدل والعدالة والخضوع للشورى، ولا يعرف سلطة دينية ولا اعتراف ولا غفران ولا منزلة خاصة لرجال الدين، ولكن عندما سرت فيه الأفكار الخاطئة الداعية لعدم مناقشة ولاة الأمور في اللي بيعملوه وتنزع الحق في محاسبتهم حين الخطأ.. اصبح العالم الأسلامي زي ماحنا شايفين النهاردا، ولكن تمسك المسلمين بكلمة التوحيد (لا اله الا الله) اللي بيقولها المسلمين عدة مرات يوميا كفيلة انهم تفكرهم بعزة النفس وان العزة والعظمة والسيادة لله وحده دون غيره.. ولكن مع تتابع السنين اصبحت كلمة التوحيد جوفاء، واباحت ان يشرك مع الله حاكم مستبد أو رئيس ديكتاتور أو مال وجاه واولاد.. (أإله مع الله؟)
  5. المستبد يخشى العلم، لأن العلم نور وهو يكره النور ويريد ان تعيش الرعية في ظلام، لأنه بالجهل يمكن ان يبسط سلطانه على رقعة واسعة من الأرض في سلام، والمستبد الحق لا يخشى علوم اللغة والأداب ولا علوم الدين اللي بتناقش الحياة الآخرة، ولا علوم الطبيعة والرياضيات والفيزياء والطب والفلك وخلافه.. كل دول مايفرقوش معاه، ولكنه بيخاف من العلوم السياسية والحقوق والأجتماع والتاريخ والفلسفة العقلية، وكافة ما يعلّم الأنسان حقوقه وواجباته، وازاي ياخد حقه من اللي ظلمه واخد حقوقه وحكم عليه يعيش غريب في وطنه، فيود المستبد لو خرست كل الأصوات ولا يبقى الا صوته، ودوما مايطلب من الناس انهم مايسمعوش كلام حد غيره.. لإحكام قبضته على العقول والقلوب..
  6. المستبد تسره غفلة الشعب، لأنها بتديله الحرية انه يعمل معاهم اللي هوا عايزه!.. ياخد اموالهم يقولوا الحمد لله اللي سابنا عايشين!.. يعمل فتن بين الشعب وبعضه ويقوّمهم على بعض يقولوا عنده سياسة وكياسة وفطنة (إنت معلم واحنا منك نتعلم!)، يبعزق ويسرف في امولهم اللي تحت ايده يقولوا عليه كريم!.. يقتل ويسحل المعارضين يقولوا إضرب بلا رحمة يستاهلوا!.. ولما يطلع من الشعب فئة بتدور على الحرية، يخليهم يقولوا انهم خونة واعداء للوطن!..
  7. المستبد يخشى الرعية اكثر ما تخشاه، بل أشد لأنه يخشاهم عن علم وهم يخشونه عن جهل!.. فدرجة الأستبداد تقاس بالخوف، والعدالة تقاس بالطمانينة (حكمت فعدلت فأمِنت فنِمت يا عُمَر..).. كمان الأمة اللي بترعى الأستبداد هي اللي بتبالغ في اظهار ثراء حكامها وامعانهم في البذخ، وتتملقهم بألفاظ التفخيم والتعظيم وعبارات الخضوع والمذلة..
  8. الأستبداد لا يقتصر على حاكم فرد، بل بيتفرع منه للمستويات الأدنى يعني اللي تحت منه برضه بيبقوا مستبدين، وزراء.. ولاه.. محافظين.. موظفين.. شرطة.. حتى الكناس في الشارع، وكل من يستمد سلطته من الحاكم المستبد، لأنه بيعمل اللي بيبقا عايز يلفت بيه نظر الحاكم ومش بيهمه محبة الناس ولا مدى رضاهم عن اداءه!.. (أنا عبد المأمور) فالوزير هو وزير الحاكم لا وزير الشعب والموظف بيبقا بتاع الحاكم مش بتاع الشعب والشرطة بترعى الحاكم وبتحمي النظام ومش بتحمي الشعب، حتى الكناس ممكن يكنس الشوارع اللي عارف ان الحاكم هايمر منها ويسيب المناطق اللي ماحدش واخد باله منها، من هنا بيكبر ويترعرع الفساد!.. ودا بيخلي النظام بكل افراده شركاء في جريمة الضغط على الأمة وظلمها وقتل روح الإباء و العزة فيها، وخلق نوع من السيادة الكاذبة من أول الحاكم الى الكناس في الشارع الكل يخضع ويطيع لمن فوقه ويستبد بمن تحته. وطبعا على العكس في الحكومات الديمقراطية اللي فيها القانون له سيادة والكل يخشى الحساب، فتجعل الكل يقوم بواجبه دون تملق وهذا يشعر المواطن العزة والكرامة والأنتماء لبلاده والخوف عليها، وان الحكومة ليست قائمة الا برأيه هو والمواطنين، ولو ماعملوش كويس يقدروا يشيلوها!.. ويجيبوا حكومة تانية تعمل اللي هما عايزينه. الحكومات الديمقراطية فيها سلطة الرأي العام اعلى من سلطة الحكومة والبرلمان والحاكم شخصيا.
  9. الأستبداد يؤثر بشدة في فساد الأخلاق، فهو يساعد على ضعف الاخلاق الفاضلة ويفسدها الى ان تموت الفضيلة، لغاية مايفقد الأنسان عاطفة الحب لأي شيء!.. مش بيحب بلده لأنه متعذب فيها، ولا بيحب اهله لأنهم عون للمستبد وشوية بشوية مش بيحب اسرته اللي هيا (جزء من البلد) لأنه بيبقا فيها مش سعيد، ومش بيفضفض لحد باللي جواه لأنه ممكن يبيعه ويبلغ عنه ويتسبب في سجنه!..
  10. الأنسان في ظل الأستبداد لا يشعر بالمتعة، ولا ينعم بلذة العزة والكرامة والاباء والشمم والرجولة، ومش بيدوق غير اللذة الحيوانية البهيمية اللي مش بيعرف غيرها طول حياته، والأستبداد بيقلب الأخلاق.. ازاي؟.. يعني اللي بينصحك يبقا بيشتمك، والشهامة والأنسانية تبقا حماقة وعَبَط، والحميَّة تبقى طيش، والرحمة ضعف، والنفاق سياسة وكياسة، والتحايل والنصب يبقوا فهلوة ونصاحة، والدناءة تبقا سترة (عيش ندل تموت مستور)، وقلة الأدب والشتيمة تبقا ظرف وخفة دم!..
  11. الأستبداد يفسد العقول، ودا مثلا يخلي المؤرخين يقولوا عن المستبدين الظلمة الجبابرة انهم عظماء أجلاء، ويخلي الناس تتعود على الغلط الفساد والنفاق والرياء (ماهيا طول عمرها كدا) ويعين الفاسد على فساده ويخليه يأمن من العقاب لأن ماحدش هايكلمه أو هايعاقبه، لأن اغلب اللي بيعملوه يابيبقا مستور يا الناس بتعمي عينيها عنه عشان خايفه من بطشهم.
  12. للإستبداد اثر سيء في تربية الأمم، يعني مثلا الحكومات العادلة بتعتنى بالفرد من قبل مايتولد، لأنها بتسن قوانين سليمة تضمن عيشة كريمة واسرة كويسة تنتج اطفال تقدم لهم عناية ممتازة بطفولتهم ومدارس على مستوى جيد يتعلموا فيها ونوادي محترمة يجتمعوا فيها وتساهم في تنشئة نفسياتهم واجسامهم بطريقة جيدة، في بلد ينعم فيها الأنسان بالحرية يحقق فيها النجاح يلو الأخر ومايقلقش من الفشل ويحاول مرة تانية.. أما بقا في الحكومات المستبدة فالعكس تماما هوا اللي بيحصل، يعني الأنسان من طفولته بيحس انه عبد اسير يسلي نفسه بالسعادة في الحياة الأخرى (يوم القيامة يعني) ويركن لأقوال غريبة زي “كن في الدنيا زي الغريب أو عابر السبيل”، ويبتعد تماما عن فكرة ان الدنيا عنوان للأخرة، ومع الأسف بعض المشايخ بتدعم الأفكار دي عند الناس وبيقولولهم ان “الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر”، وان “الصبر على جور الحكام من عظائم الأمور”، ويتغالفون عن الأثر “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لأخرتك كأنك تموت غدا”، والأيه (وقالوا ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة..) والحديث (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها..) وكمان (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر..) الخ.. وكل دا بيحول الأذهان عن انها تدور على اسباب التعاسة والشقاء وترميها على القضاء والقدر (قدرنا كدا بقا نعمل ايه؟) ويأتي دور علماء السلطان في اختراع ووضع الأقوال وتفسير ايات الكتب المقدسة اللي بتُخضِع الرعية للحاكم المستبد، وبيؤكد الكواكبي ان اغلب تلك الأحاديث اللي بتحث على الخضوع لسلطة الحاكم ولو جار نقلا عن علماء الحديث موضوعة ولا اصل لها..
  13. سبيل الخلاص من الأستبداد متمثل في اللين، لأن الشدة مش بتنفع في الحالات دي، وبالتدريج ببث الشعور بالظلم، وبالتعليم ونشر الوعي، لأن الأستبداد بيبقا محوط نفسه بالجند اللي بيحموه وبالمال اللي بيشتري بيه الفاسدين وضعاف النفوس، وبرجال الدين وقوة الأغنياء، فلو فكرت تقاوم كل دا القوة هاتهلك لأنك هاتبقا خاين وقتلك حلال وكمان هما مش هايضحوا بعروشهم مناصبهم بالسهل!.. ومن هنا بتيجي دور المقاومة بالحكمة في توجيه افكار نحو تأسيس العدالة الحقيقية.. عدالة في كل حاجة، عدالة في تطبيق القوانين على الكل وعدالة اجتماعية تضمن تلاشي الحقد الطبقي، فكم من مستبد كبير صرعه مظلوم صغير (قصة الطفل اللي قال إني أرى الملك عاريا).
  14. تهيئة البدبل قبل المقاومة، تعتبر سبب من أهم أسباب نجاح تلك المقاومة واستمرارها للنهاية، ومعرفة الغاية معرفة وثيقة ولما تعرفها انطلق في طريقك لا تخشى شيئا، ويجب ان كل الطبقات تعرف كدا، الطبقة المتوسطة والفقراء والأغنياء.. يجب كمان قبل السعي للخلاص انك تقنع الناس برأيك وتشوف بعينك مدى رضاهم عن اللي بتقوله او بتعمله، ومنين ماتشوف كدا توكل على الله ولو ماكانش وماتتقدمش لأنك هاتفشل!.. يجب ان الكلام دا ينتشر بين الناس كافة لغاية مايبقا عقيدة، ومنين ماينتشر هاتلاقي انظمة الأستبداد بتقع لوحدها، والفساد بيجري بعيد، واي حد مش هايقدر يقف قصاد طوفان الحرية وساعتها هاتتحقق العدالة.

151474.png

واستطاع الكواكبي انه يتم نشر كتابه (طبائع الأستبداد) على حلقات في سلسلة مقالات في جريدة المؤيد، وعمل نسخة بخط يده وجهزها للطباعة ولكن ماحدش طبعها في حياته، واصبحت افكاره زي المشاعل اللي نورت للكثيرين طرق الخلاص والنجاة من استبداد الحكام وظلم الأستعمار، وطبعا ماكانش كلامه خفيف على المستبدين، ففي يوم 14 يونيو سنة 1902 كان الكواكبي قاعد على قهوة يلدز في الأزبكية ومعاه اصدقاءه المقربين الشيخ رشيد رضا و الأستاذ محمد علي كرد والشيخ ابراهيم النجار، وكالعادة طلب الكواكبي من القهوجي فنجان قهوة سادة، وبعد ماشرب القهوة بأقل من نص ساعة اصابه مغص شديد في بطنه ومات قبل ماينقلوه للمستشفى، مات الكواكبي عن خمسين عاما قضاها في محاربة الأستبداد وساب مشاعل عديدة من الأيمان بالحرية حملها من بعده من قادوا شعوبهم للنضال ضد المستعمر وضد المستبد سواءا بسواء.. في مصر وكامل الوطن العربي.

T29

انتشر خبر وفاة الكواكبي في القاهرة بحزن شديد، أمر الخديوي عباس حلمي بدفنه في حوش خاص وعلى نفقته الخاصة، ودفن بقرافة باب الوزير على عجل، وقف شاعر شاب اسمه حافظ ابراهيم على قبره وارتجل بيتين تم نقشهما على لوح رخامي لتظل على قبره الى ماشاء الله:

هُنا رَجُلُ الدُّنيَا هُنا مَهبطُ التُّقى        هُنا خَيرَ مَظلومٍ هُنَا خَيرُ كَاتِبِ

قِفُوا واقرَأوا أُمَّ الكِــتَابِ وسَلِّمُوا        عَلَيهِ فَهَذا القَبرِ قَبْـرَ الكَوَاكِبي

_الكواكبي1

وعن نهاية الكواكبي بتقول حفيدته في حوارها مع جريدة الأهرام:

“استطاعت يد الغدر أن تنال منه بطريقة خسيسة حيث دس له السم في القهوة عندما كان ساهرا في مقهي يلدز أو استانبول مع عدد من أصدقائه من الكتاب والأدباء منهم الزعيم الثعالبي والشيخ رشيد رضا ومحمد كرد علي فقد اعتاد الجلوس علي هذا المقهي وتناول القهوة المرة لكن كانت هذه المرة قهوة مختلفة فقد دس لة فيها السم وقبل صلاة الفجر لفظ انفاسة الأخيرة وقد ذاع الخبر بسرعة حيث أمر السلطان عبد الحميد من السلطات المحلية سرعة التوجه إلي المنزل ومصادرة كل ما وجد من مذكرات ومسودات لكتب وقد فعل الشيء نفسه في منزله في سوريا فلم يستطع جدي كاظم أن يمنع المصادرة ويقف في وجه رجال السلطة لكنه تمكن من تهريب نسخة طبائع الاستبداد المعدلة بخط يده..” – ضحى الكواكبي حوار الأهرام 10 مايو 2013

وفي قصر يلدز باسطنبول بيوصل خبر الكواكبي وبيتنفس السلطان تنفس الأرتياح!.. وبيأمر رجال المخابرات العثمانية الموجودين في القاهرة انهم يسرقوا جميع ماتبقى من اوراق تركها الكواكبي ويجيبوها قصر يلدز للسلطان عشان يحرقها بنفسه، وكأن الهم خلاص راح وانزاح ومايعرفش انه ابتدا بالنسبة له، وبعد اعوام قلائل بيقوم انقلاب على السلطان وبيتم القبض عليه وبيعيش في الأقامة الجبرية سنوات عديدة حيث يموت عام 1918 ويبقى الكواكبي حيا في ذاكرة الملايين.

لطفا لو عجبتك التدوينة تشرها لغيرك عشان الأستفادة تعم وماتنساش تعمل فولو للمدونة ولحساب تويتر اللي ظاهر تحت على اليمين.. وشكرا


شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 39
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    39
    Shares
  •  
    39
    Shares
  • 39
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..