شخصية مصر.. كما رأها جمال حمدان

العصر الحديث تاريخ قبطي عصر النهضة المصري مصر الأسلامية مصر البطلمية مصر الرومانية مصر الفرعونية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 21
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    21
    Shares

يمكن من اشهر الناس اللي اتكلموا عن الشخصية المصرية عبر العصور كان الدكتور جمال حمدان، في كتابه الممتع المتعدد الأجزاء (شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان). وطبعا ماكانش هوا الوحيد اللي اتكلم في الموضوع دا لكن اللي بيميزه عن غيره انه كان بيتكلم بمنتهى الحيادية، لا بيهاجم الشخصية المصرية وبيشتم المصريين زي ماعمل بعض مؤرخين زي ابن كثير مثلا، ولا بينحاز لها انحياز تام بل ولا يتورع في وضع الأحاديث وتأويل ايات القرآن في صالح اهل مصر زي ماعمل ابن زولاق!.. بنلاقي ان جمال حمدان اتخذ موقع وسط مثالي بيتسامى عن كل متغيرات الحياة، فكانت شهادته محل تقدير من كثير من الباحثين والمؤرخين. ياترى قال ايه جمال حمدان عن مصر وعن المصريين؟.. دا اللي هانقوله النهاردا لمتابعينا الكرام، فنرجو القراءة بتركيز..

ارض مصر الزراعية

جمع الدكتور جمال حمدان اغلب ماكتبه المؤرخين “المعتدلين” عن مصر قبل كدا، فقال عن اللي قاله ابن خلدون: (روح الفكاهة والنكتة والسخرية، الميل إلى الحزن، الانبساطية التي لا تميل إلى الفردية، البساطة والتعاون، حب الأسرة والأسلاف، التدين والنزعة الروحية والنزوع الديني، الغيبيات، التواكلية أو الاتكالية، الرضا.. ) ودا طبعا الى جانب (القناعة، الطاعة التي لا تدعو إلى التمرد والثورة) كل دا الى جانب (الدِّعة والوداعة، الصبر، السلبية والاستعداد للسلبية وغلو السلبية وسيادية السلبية) ودا بيؤدي بينا الى بعض الصفات المذمومة في عرف كتير من البشر زي (كثرة الخضوع والشعور بالتبعية، اللامبالاة، القهر وكف العدوان، المحسوبية والمحاباة، النفاق) بيقول عنها المقريزي: (الدعة والجبن وسرعة الخوف والنميمة والسعي إلي السلطان ..)

Street_Scene_near_Pompey's_Pillar,_Alexandria._(n.d.)_-_front_-_TIMEA

وبكدا استخلص حمدان بعض الصفات اللي حاول بيها يوصف شخصية المصريين، قال ان “التدين” على رأسها.. ودا مردود لحضاراتها الزراعية بكل ما يتصل بها من صفات زي الصبر والدأب والجلد والتحمل، وكمان المحافظة.. نتيجة للاستقرار وبسببه، عشان المصري كان بينظر للاستقرار على انه استمرارية، اللي هوا بيحارب من اجلها. والاعتدال اللي مش بعيد عن المحافظة، بنلاقي انه بيوفر قدر من المرونة والتلاؤم والتغيير والحيوية واللي بتضمن له على أقل تقدير القدرة على التطور البطيء، التطور خطوة خطوة وبالجرعات الصغيرة، وبالتالي تضمن له البقاء الطويل على المدى البعيد، ويمكن دا كان سر من اسرار احتفاظ المصري القديم بعاداته وتقاليده عبر العصور!..

300px-Jules_Laurens_13

وبحكم الاعتدال، فالمصري أميل للشخصية الاجتماعية المنطلقة واللي مش منغلقة، كما أنه أميل للتعاون مع الأخرين من انه يتنافس معاهم، ومن الاعتدال إلى الواقعية، ودي اكتسبها من البيئة والتجربة .. يعني الجغرافيا والتاريخ.. واحترام الواقع وعدم الانفصال أو التناقض معاه، وأحيان كتير نلاقيه بيهرب منه بالتدين المفرط أو يواجهه بالنكتة.

The+Market+Place,+Boulak+,+Cairo+1881

وبيؤكد حمدان أن مصر لم تعرف كراهية الأجانب أبدا!..  بحكم موقعها في ملتقى حضارات عديدة بين 3 قارات، فرغم ان النقوش الفرعونية أحيانا بتحتقر اهل الشعوب الشرقية وبتقول عليهم “الرعاة” لكنها كانت بتحتويهم وحولتهم لمزارعين مستقرين على مدى 150 سنة قضاها الهكسوس في مصر في نهاية عصر الدولة الوسطى ، فواقع الأمر ان مصر لم تعرف العنصرية أو التعصب الجنسي، وأي شعوب بتقترب منها بتدوب فيها بتفاعل كيميائي نادر، زي الحيثيين والليبيين والكوشيين والنوبيين والأغريق، ودا بفضل قوة امتصاص عجيبة، نلاقي المصري قدر يتعايش مع الشعوب دي جنبا الى جنب من غير مايفقد شخصيته المميزة. ومن ابرز الأمثلة على كدا هو خروج مصر من تحت عباءة احتلال روماني لأكثر من 650 سنة بشخصيتها القديمة دون ادنى تاثير!.. ومن الناحية الدينية، بنلاقي التسامح الديني من أقدم خصائص المصري القديم، ودي اللي خلته يتقبل الأديان اللي وردت عليه على مر التاريخ ويضيف لها كمان!.. فالرهبنة والتصوف نزعات مصرية اضافتها للمسيحية والأسلام ومنها انتشرت في العالم أجمع. كمان ماسجلش التاريخ اي مذابح دينية أو محاكم التفتيش الا من جانب المحتل لأرغام المصريين على اعتناق دينه، بنلاقي ان المصري عرف التعددية الدينية وتعايش معاها، نلاقي الوثني عايش جنب المسيحي، والمسيحي عايش جنب المسلم، وبيتعاملوا مع بعض بمنتهى التسامح. لأن ظروف الحياة جعلت من التسامح ضرورة حياة.

13076571_763835543716219_443520080858054826_n

أما في الحضارة فالمصري رغم ان ظروف الطبيعة خلته يبتكر كتير من الأدوات اللي كانت اختراع ورفاهية في وقتها، لكنه كان اكثر تقبل لأي اختراعات اجنبية بتيجي من بره بفعل تفاعل الحضارات، زي العجلات الحربية مثلا وادوات الحرب اللي جات مع الهكسوس، وفي القرن العشرين نلاقي انه استخدم ادوات الحقل القديمة بتاعت القرن العشرين قبل الميلاد الى جانب ادوات الزراعة الحديثة بتاعت القرن العشرين بعد الميلاد.

أما عن سلبيات المجتمع المصري فبيقول حمدان عنها انها تعود أساسًا وفي الدرجة الأولى إلى القهر السياسي اللي تعرضت له ببشاعة وشناعة طوال تاريخها الممتد الى 7000 عام، (هذه..  ولا سواها نقطة الابتداء والانتهاء، مثلما هي نقطة الاتفاق والالتقاء، السلطة، الحكم، النظام، الطغيان، الاستبداد، الديكتاتورية، البطش، التعذيب، التنكيل، الإرهاب، الترويع، التخويف، تلك هي الآفة الأم وأم المأساة..).

2530804496_18f0a77517

فمصر كما هي أم الدنيا كمان هيا أم الديكتاتورية!.. فحاكم مصر هو أقدم أمراضها .. زي مابيقول حمدان، فلا اختلاف على ان الديكتاتورية هي النقطة السوداء والشوهاء في شخصية مصر بلا استثناء!.. وهي منهج كل السلبيات والشوائب المتوغلة في الشخصية المصرية عبر العصور، مش بس على مستوى المجتمع ولكن على نطاق الفرد كمان، ومش في الداخل بس، لا كمان في الخارج.

قمبيز ملك الفرس يأسر بسماتيك ملك مصر

فعلى مر العصور نلاقي الحكومات بتتغير بل والدول، الحضارة بتختلف والأزمنة بتمر، لكن القاسم المشترك الأعظم اللي بيجمع الأزمنة دي كلها هي ديكتاتورية الحكام!.. من فرعون لهكسوس لفرس لأغريق لرومان.. والخلفاء العرب والأمويين والعباسيين.. حتى في عصور استقلال مصر عن سلطة الخلافة المركزية في بغداد، الطولونيين والأخشيد والأيوبيين، وحتى لما تملكت سلطة الخلافة الأسمية وبقت مهيمنة على دول الجوار في العصر المملوكي، ولما دخل العثمانيين ومن بعدهم الفرنسيين، وحتى لما اختاروا حاكمهم وعقدوا معه اتفاق مكتوب زي اللي كان مع محمد علي، وجاء من بعده ابناؤه، حتى قيام الجمهورية عام 1954 لغاية العصر الحالي.. نجد الديكتاتورية هي الصفة الأوضح والأشهر والأكبر، وان اجتهد الحكام انهم يعلنوا العكس!..

جباية الضرائب وتأديب العصاة في مصر القديمة

فالحقيقة دوما هي أن الملك أو الحاكم عامة هو كل شيء في مصر، يتحكم كل شيء، ووحده يملك كل شيء، الأرض والأشخاص والمباني، حتى الحكمة والرأي الصواب وفصل الخطاب، له هو وحده دون اي شخص أخر!.. بيتحكم فيها عن طريق السلطة المتمثلة في قوة الجيش، ودا اللي خلى مصر مش شعب وله حكومة، بل حكومة أو ملك له شعب!.. لغاية ماقامت ثورة 23 يوليو 1952 وقالوا ان دا عصر الحريات، لكننا لاقينا ان الموضوع كله كان “انقلاب” من بعض اجهزة الدولة على الجزء الأخر، اما باقي مؤسسات الدولة كمّلت طريقها عادي جدا في ظل القيادة الجديدة. وأيامها قالوا ان الأنسان المصري تحرر اخيرا، أو يوشك على التحرر من التخلف، ولكنه مع الأسف لم يتحرر من الديكتاتورية!.. ممكن يكون عمل شوية تنمية، لكنه ما أخدش كل حريته، ممكن يكون أصبح إنسانًا متقدمًا نوعًا.. ولكنه ابدا مش انسان حر بجد.. حرية حقيقية..

free-officers_800px-hh_17531750_01_d456a77f56

” ومصر التي كانت ومازالت هي حاكمها، لن تتطور وتصبح شعبًّا حرًّا، إلى أن تصبح هي شعبها لا حاكمها، وإلى أن تصبح ملكًا لشعبها، راقيًا عزيزًا أبيًّا في دولة حقيقية متقدمة ومتطورة، إلا إذا صار الشعب هو الحاكم والحاكم هو المحكوم. في كلمة واحدة، لن تتغير مصر في جوهرها الدفين.. ولا مستقبل لمصر.. إلا حين يتم دفن آخر بقايا الفرعونية السياسية والطغيان الفرعوني”

جمال حمدان، شخصية مصر – دراسة في عبقرية المكان ج4، ص610

وإذا كانت مصر لم تعرف على مر تاريخها طبقة حاكمة، فإنها ولسوء الحظ عرفت العصابة الحاكمة (أو زي مابيقول حمدان: الحثالة الحاكمة)، يعنى عُصبة مغتصبة تستمد شرعيتها من قوة غير شرعية أو ممنوحة من الناس، فلو كانت مصر كما قالوا عنها حديقة لا غابة، فقد كانت دوما على العكس بشريًا، يعني غابة بلا مرعى لا مزرعة!.. وكتير ما كانت إلى حد بعيد حكومة بلا شعب سياسيًا، وشعبًا بلا حكومة اقتصاديًا..

لطفا لا تبخل علينا بالمشاركة للمقالة والمتابعة للمدونة وحسابات التواصل الأجتماعي.. وشكرا


شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 21
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    21
    Shares
  •  
    21
    Shares
  • 21
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

2 thoughts on “شخصية مصر.. كما رأها جمال حمدان

شاركنا برأيك فيما قرأت!..