سليمان باشا “الفرنساوى”.. أول قائد بالجيش المصري الحديث

حكايات من خارج مصر عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 54
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    54
    Shares

في التدوينة السابقة استعرضنا ازاي أسس محمد علي باشا أول جيش وطني عصري في مصر في العصر الحديث، شفنا كمان الصعوبات اللي قابلت الباشا لغاية ما أصبح عنده أول ستة أُورَط (كتايب) كنواة للجيش الحديث، وكان اعتماد محمد علي في البداية على ضباط فرنسيين لتدريب الجنود على الأساليب العسكرية الحديثة، من الضباط دول (ويعتبر اشهرهم) الكولونيل سيڤ أو (سليمان باشا الفرنساوى) اللي هانتكلم عنه تفصيلا في التدوينة دي.. خليكو معانا..

نشأة الكولونيل سيف في فرنسا

في مدينة ليون الفرنسية ولد جوزيف سيڤ Joseph Anthelme Sève عام 1788م في اسرة متوسطة، والده كان صاحب طاحونة (بيطحن القمح للناس بأجر). ولأنه كان الأبن الثاني فطلب منه ابوه انه ينزل معاه الشغل لكن هوا كان شايف نفسه في مكان اكبر من كدا، وساب العمل مع أبوه وإلتحق بالبحرية الفرنسية عام 1799م وهوا مازال طفل بعمر 12 عام. واستهوته الحياة العسكرية واظهر سيڤ كفاءة في ركوب البحر، وشهد هزيمة فرنسا في معركة الطرف الأغر عام 1805م وهرب مع الجنود الفرنسيين الى ساحل اسبانيا بعد نجاته من الغرق وعاد لفرنسا، وبإجماع رأي القادة حصل على ترقيه لرتبة رقيب لولا انه تشاجر مع احد قادته لخشونه في المعاملة واتحول لمحكمة عسكرية واتحكم عليه بحكم مشدد!.. ولعلاقة طيبة مع احد قادته تم ارجاء تنفيذ الحكم لحداثة سنه وأرسله للخدمة مع الجيش الفرنسي في ايطاليا، وخدم هناك وازدادت خبرته العسكرية، وفي الحرب على النمسا عام 1805م تم أسره وعاش في الأسر لمدة عامين ليخرج في تبادل أسرى.

في عام 1812م شارك في الحملة الفرنسية على روسيا، وهناك أظهر مهارة شديدة في قيادة الجنود فلفت نظر نابليون بونابرت، وبعد فشل الحملة طلبه نابليون لمنحه وسام الشرف وترقيته لرتبة كولونيل، ولكن لأن سيڤ كان متضايق من فشل الحملة وضياع مجهود الجنود والخساير الكبيرة اللي منيت بها فرنسا فأظهر استخفاف بالوسام، فأعرض نابليون عن منحه اياه. وبعدها في عام 1815م هزم نابليون في موقعة واترلو وتم أسره ونفيه لجزيرة سانت هيلانة ليقضي بقية حياته هناك، وتم تسريح الجيش الفرنسي ومنهم الكولونيل سيڤ اللي رفض انه يبحث عن أي عمل مدني زي زملاؤه القادة ولكنه راح يعرض خدماته العسكرية على بعض الدول المجاورة، وسمع ان شاة العجم (فارس) كان يبحث عن قادة فرنسيين لتدريب جيشه فسعى عند احد معارفه الأقطاعيين انه يرسله بجواب توصيه للشاه في تبريز أو طهران، ولكنه أشار عليه بالذهاب لمصر لما قابلة واليها الطموح محمد علي باشا واللي كان طالب خدمة ضباط فرنسيين لنفس الغرض..

InterviewwithMehemet-

كولونيل سيف يعرض نفسه على محمد علي باشا

وصل الكولونيل سيڤ للقاهرة في 1815م يحمل خطاب توصيه من الكونت دي سيجور فإستقبله محمد على باشا وناقشه في أمور عسكرية كتيرة و أعجب بلباقته في الحديث وكان محمد على باشا وقتها بيفكر فى انشاء جيش وطني قوي منظم على النمط الفرنسي، وكان محمد على على علم بأسلوب الجيش الفرنسي فى مصر ايام الحمله الفرنسية و كان معجب بنظامه اللى طوره نابليون بونابرت. وكانت الكتايب العسكرية في مصر على الأنظمة التقليدية مايعرفوش تنظيمات الخطوط أو المربعات وغيرها اللى كان بيستخدمها نابليون فى معاركه و كانو بيخوضوا المعارك بوجاقات (فصايل) كل منها تحت قائد منفصل بيهجم بدون تنسيق او تنظيم محدد (!!) فتباحث محمد على مع الكولونيل سيڤ و طلب منه انه يدرب عسكر مصر على النظم و التحركات العسكريه الحديثه، وخصص لهم معسكر في بولاق. لكن الموضوع ده ما عجبش عسكر الأرناؤوط اللى اعتبروه بدعه فتمردوا و تجمهروا عند قلعة القاهره وحدثت فتنة عظيمة عالجها محمد علي بكثير من الحكمة، خاصة انه هرب من حادث اغتيال مؤكد!.. فتأكد له انه مش الوقت المناسب لتطبيق النظم الحديثة في الجيش المصري وأرجأ المشروع لفترة لاحقة، وطلب من الكولونيل سيڤ انه يرافق حملة الى السودان للتنقيب على الفحم الحجرى أو الذهب ومع الأسف أسفرت التنقيبات هناك عن لاشيء فعاد سيڤ للقاهره و صادف يوم رجوعه احتفالات الجيش المصرى بفتح الحجاز 1819م (للمزيد طالع هنا). فطلب منه محمد علي باشا انه يختار فرقة من خاصة مماليكه لتدريبهم على النظم الحديثة، واختار كولونيل سيڤ 500 مملوك تتراوح اعمارهم من 20 الى 25 عام، واختار لهم محمد علي باشا مكان نائي بعيد عن الدسائس والمؤامرات شمال مدينة اسوان وأحاط المعسكر بسرية تامة!.. وبدأ الكولونيل سيڤ المعاناة معاهم لتدربهم على الأسلوب العسكري الحديث.

كيف تعامل الكولونيل سيف مع المماليك؟

ولأنه كان مسيحي الديانة ومكانش بيعرف يتكلم عربي بطلاقة فرفض كثير من المماليك قيادته لهم وأنهم يأتمروا بأمره!.. كمان رفضوا النظام العسكري اللي حاول يعلمه لهم زي الأنتظام في طوابير واساليب الهجوم في مربعات أو خطوط، وكذلك اساليب الدفاع الفرنسية غير المعهودة بالنسبة للمماليك، وتأمر مجموعة منهم لقتله في طابور ضرب النار!.. فأمسك احدهم بالبندقية وبدلا من التصويب نحو الهدف وجه البندقية للقائد وضرب عليه نار، ولحسن حظه (وحظنا طبعا!) طاشت الرصاصة ومرت بجوار أذنه، فإندفع نحو المملوك وقال له: “انت كمان غبي ومابتعرفش تنشن؟.. تحب اروح أقف لك عند الهدف عشان تضرب عليا؟”.. وأحرجت شجاعته الطلبة فصوبوا نحو الهدف ببراعة. ومرة تانية خطط الطلاب المتمردين لمحاولة اغتيال مرة تانية، فهجموا عليه جماعة منهم ينوون الشر، فطلب منهم انهم يصارعوه واحدا واحدا كي لا يتحولوا الى خونة (!!) فأندهش الطلاب لشجاعته ورباطة جأشه واعتذروا له فقبل اعتذارهم وعاد مرة اخرى للعمل معهم بإصرار انه يغير من عاداتهم ويصنع منهم ضباط أكفاء. وفي أسوان درس الكولونيل سيڤ الدين الأسلامي واللغة العربية وأعلن اسلامه عن اقتناع، كما ترك الزي العسكري الفرنسي ولبس اللبس المصري المعروف (الطربوش والصديري والسروال) وأطلق شاربه على الطريقة التركية وصار يتكلم العامية باللهجة المصرية وعُرف بين الطلاب بسليمان بك الفرنساوى.

640px-الجنود_المصريون_يقسمون_الولاء

بداية النجاح

وبعد 3 سنوات من الكفاح مع الطلبة المماليك عاد معهم للقاهرة لتسليمهم للباشا محمد علي ضباط على أعلى مستوى من الكفاءة، فطلب منهم محمد علي باشا انهم يستعدوا لحملة عسكرية لضم بلاد السودان لتجنيد السودانيين في الجيش وتكوين أول فصايل للجيش، وفي بني عدي عام 1823م تشهد التجربة السودانية فشلا ذريعا لوفاة كثير من عسكر السودانيين وهرب الكثير منهم ايضا من الخدمة لأختلاف المناخ والمأكل. فأشار عليه سليمان بك الفرنساوي انه لامناص على تجنيد المصريين تجنيدا اجباريا زي أي دولة ناهضة باحثة عن الحرية، فطلب الباشا من مشايخ البلاد والعمد وصناجق البلاد ارسال من كان سنه يسمح بالجندية، فساقوهم كالعبيد الى معسكرات عملها الباشا في اسوان وبنى عبيد والخانكة واسيوط وغيرها تحت قيادة الضباط اللي تخرجوا في مدرسة اسوان العسكرية بإشراف عام من سليمان بك الفرنساوي واللي كان بيتنقل ويتابع التدريبات بنفسه في كل المعسكرات وفي اوائل العام 1824م كان في مصر نواة لجيش مدني عصري يتكون من 20 الف جندي وضابط بقيادة ابراهيم باشا بن محمد علي وتم تعيين سليمان بك أركان حرب الجيش المصري.

Mouhamed_ali_army&navy

وانشأ محمد على مدرسه حربية فى الخانكاه جنب المطريه يتعلم فيها العسكر اللغات الفرنسية والتركية والعربية والتنظيمات الحربيه، و انشأ مدرسه للطوبجيه (سلاح المدفعية)، و حول سراية مراد بك فى الجيزه لمدرسة لسلاح الفرسان، و فتح فى القاهره ورش لسبك المدافع و تصنيع احتياجات العسكر من ملابس ومراكيب (أحذية) وخلافه . كل ده كان تحت اشراف وبترتيب من سليمان بك الفرنساوي

640px-Russians_at_navarino

سليمان باشا يشارك في حروب عديدة

وفي 1824م طلب السلطان العثماني محمود الثاني من محمد علي باشا انه يشترك في وأد الثورة في بلاد المورة (اليونان) فأرسل الباشا الأسطول بقيادة ابنه ابراهيم باشا و كان معه سليمان بك (للمزيد طالع هنا) ولكن بعد القوى الاوروبيه ما تدخلت رجع الجيش على مصر عام 1828م وكانت معه زوجته اليونانية ماريا بيلوبونيز ابنه أحد التجار هناك وأعاد سليمان بك ترتيب الجيش المصري من جديد بعد خسارة كثير من القواد في معارك المورة. وفي 1833 شارك سليمان بك في الحملة على سوريا وبعد عودته حصل على لقب (باشا) من محمد علي وصار يعرف بسليمان باشا الفرنساوي. وفي 1839 يشارك في حملة الأناضول ويشهد اعظم انتصارات في تاريخ العسكرية المصرية معركة قونية ومعركة نزيب، وبعدها صلح كوتاهية ومعاهدة لندن اللي بتحد من قوة الجيش المصري وتنزل عدد الجنود ل18 ألف جندي!!..

Battle_of_Nezib.jpg

سليمان باشا أركان حرب الجيش

وبعد وفاة محمد علي باشا بيحتفظ سليمان باشا بمكانته كأركان حرب الجيش رغم انخفاض عدده واغلاق الكثير من المدارس والمصانع اللي بتمده بالأسلحة والذخيرة في عهد عباس الأول (عهد الرجعية)، وفي 1845 يسافر لفرنسا في رحلة وهناك يحصل على وسام ضابط عظيم من لويس فيليب أمبراطور فرنسا، ويعود للقاهرة لأستكمال خدمته في الجيش المصري في عهد الوالي محمد سعيد باشا ليكتشف المزيد من الضباط المصريين أمثال أحمد عرابي ويعمل على ترقيتهم لرتب أعلى رغم اعتراض الباشا، حتى توفى في مارس عام 1860م. ودفن في ضريح خاص بالروضة لايزال موجود للأن، وقد خلدت مصر اسمه بإطلاقه على أحد شوارع وميادين القاهرة وفيه تمثال كبير له (تم تغيير الأسم بعد ثورة 1952 الى ميدان وشارع طلعت حرب) ولكنه مازال مشهور بين الناس بإسمه القديم شارع سليمان باشا، والتمثال مازال موجود بالمتحف الحربي بالقلعة. كما يوجد تمثال آخر له في مدينة ليون الفرنسية.

تمثالان قديما وحديثا بميدان طلعت حرب

تزوج سليمان باشا الفرنساوي من ماريا ابنة احد التجار اليونانيين تعرف عليها وقت وجوده في حروب المورة فأنجب منها 3 بنات تزوجت منهن من محمد شريف باشا ناظر النظار في عهد الخديوي اسماعيل، وأنجبت بنتا تزوجت من عبد الرحيم باشا صبري ناظر الزراعة فأنجبت نازلي صبري التي تزوجت لاحقا من الملك فؤاد الأول فأصبحت ملكة على مصر وأنجبت له ابنه الملك فاروق الأول اخر ملوك مصر.

مراجع:

  • جمال بدوي، صفحات من تاريخ مصر، الهيئة العامة للكتاب 1995
  • د. عبد الرحمن زكي،  التاريخ الحربي لعصر محمد علي الكبير،  الهيئة العامة للكتاب 1950
  • عبد الرحمن الرافعي، عصر اسماعيل ج1، دار المعارف 1987م

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 54
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    54
    Shares
  •  
    54
    Shares
  • 54
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

2 thoughts on “سليمان باشا “الفرنساوى”.. أول قائد بالجيش المصري الحديث

شاركنا برأيك فيما قرأت!..