سلطان العلماء.. وبائع الأمراء

الحروب الصليبية مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 30
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    30
    Shares

في مجلس السلطان الصالح نجم الدين أيوب سلطان مصر، وقف شيخ بيتخطى الـ65 من عمره بيقول بصوت عالى للأعيان اللي موجودين: “المملوك عز الدين أيبك معروض للبيع.. مين يشتري يا مسلمين؟”.. فيفاجأ الأمير أيبك (أمير جند السلطان) بالجملة وينظر بدهشة للشيخ، وبعدين للسلطان مستفهما.. فينظر له السلطان بمعنى: اهدا شوية!.. ويقول للشيخ بصوت عالي: اشتريه أنا بمبلغ 10 الاف دينار ذهبي.. فينظر له الشيخ ويقول: والمبلغ يكون من مالك الخاص يامولاي!.. ومش من مال المسلمين!..

ايه الموضوع؟.. مين الشيخ دا؟.. وليه الشيخ بيعمل كدا؟.. والسلطان والأمراء هايعملوا معاه ايه؟.. تعالوا نعرف الموضوع من البداية خالص..

1

والبداية كانت من مدينة حوران بالشام، عائلة مغربية الأصل بتحط رحالها حوالي عام 1180م، بيخرج من العائلة دي شاب اسمه عبد العزيز بيطلب العلم على ايدين علماء وفقهاء مدينة دمشق. بيدرس الفقه على ايدين الشيخ فخر الدين بن عساكر، والأصول على ايدين الشيخ سيف الدين الآمدي، والحديث على ايدين الشيخ ابو القاسم بن عساكر، وبينبغ طالب العلم وبيجتاز العلوم في مدة وجيزة وبيلفت نظر اساتذته وبيذكروه بالخير بين الناس. وبيبدأ الشيخ الجديد في نشر علمه ومحاضرة طلاب العلم في دمشق وحوران، وبيشتهر بين الناس باسم الشيخ العز بن عبد السلام.

image_1314374152_512.jpg

وكانت الشام ايامها تحت حكم السلطان الصالح عماد الدين إسماعيل، واللي سمع بأمر الشيخ الجديد ودعاه لمجلسه وأكرمه واسند اليه إمامة المسجد الأموي اكبر واشهر مساجد الشام، فكان منبر الشيخ اللي بينشر منه علمه وبيقابل فيه طلبة العلم. وكان الصالح اسماعيل في عداء مع سلطان مصر (ابن اخوه) الصالح نجم الدين أيوب وبيستعد لحربه، وعلشان يأمن نفسه من جيوش الصليبيين اللي في ساحل الشام فدخل معاهم في مهادنة وتنازل لهم عن بعض الحصون في صفد والشقيف، وسمح لبعض جيوشهم بدخول دمشق وشراء السلاح والمؤن، واخد منهم وعد بالمساعدة في الحرب اذا دخلها ضد سلطان مصر!..

Crusaders22-655x330

وطبعا الأمر اللي ماعجبش لا العامة من اهل دمشق ولا الشيخ ابن عبد السلام، وفي خطبة الجمعة قالها الشيخ صراحة للناس، بعدم احقية السلطان في التنازل عن الحصون والمدن للصليبيين لأنها ليست ملكا خاصا له ولكنها بلاد المسلمين، ولا يحق له مهادنة الصليبيين ومعاداة بني جنسه ودينه من المسلمين (وطبعا يقصد سلطان مصر)، كما أفتى بحرمة بيع السلاح للفرنجة وعدم مهادنتهم والأستعانة بهم لقتال المسلمين، وبدلا من الدعاء للسلطان كما كانت العادة في الوقت دا قال الشيخ على مسامع المصلين:

“اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً تُعزُّ فيه وليّك، وتذل فيه عدوك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر”

وأمر باقامة الصلاة ونزل من على المنبر!.. الأمر اللي اعتبره الصالح اسماعيل خروج عليه فأمر باعتقال الشيخ وحبسه. وهاج الناس وخرجوا يطالبون الصالح اسماعيل باطلاق سراح الشيخ، فوافق السلطان على ان يخرج الشيخ من دمشق كلها، وفعلا خرج الشيخ قاصدا القدس. وفي الطريق قابله واحد من حاشية الصالح اسماعيل وطلب من الشيخ انه يعتذر للسلطان ويبوس ايده امام الناس ويرجع تاني دمشق اماما للجامع ويتولى القضاء كمان، فيقول الشيخ قولته اللي بيذكرها ابن كثير في البداية والنهاية:

“يا مسكين!.. والله ما أرضى أن يُقبّل الصالح إسماعيل يدي فضلاً عن أن أُقَبّل يده، يا قومُ أنا في واد، وأنتم في واد آخر، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به..”            البداية والنهاية ج8 – ابن كثير

وبيتم سجن الشيخ من جديد في مدينة القدس، وبيحكي ابن كثير ان الصالح اسماعيل كان بيباهي عند امراء الصليبيين بإنه أمر بسجن رجل دين من المسلمين لأنه رفض موضوع الصلح معهم!.. فبيقول احد امراءهم: “اذا كان ماتقوله صحيحا فإن رجل الدين هذا أكثر أمتكم شجاعة واخلاصا ويستحق ان نغسل قدميه ونغتسل من ماء الغسيل لعلنا نطهر مما نحن فيه” (البداية والنهاية ج8) فيصاب الصالح اسماعيل بخيبة أمل!..

1021-Ridersonfight

وبيستعد الصالح اسماعيل لمحاربة الصالح نجم الدين وبينتصر الأخير وبيتم تحرير الشيخ اللي بيرجع مع الجيش المنتصر لمصر وبيستقبله السلطان نجم الدين ايوب بعد مابيسمع باللي حصل مع عمه الصالح اسماعيل، وبيكرم مثواه وبيدعوه لمجلسه وبيوليه القضاء وامامة أحد المساجد الكبيرة، وأكبر السلطان من مقام الشيخ وصار لا يهم بأمر الا استشاره فعظم امر الشيخ بين الأمراء واجله العامة والخاصة.

2013-635091570270335086-33.jpg

ومن خلال منصبه في القضاء، لاحظ الشيخ ان بعض امراء الجند من المماليك لهم أملاك من قصور وضياع بيتصرفوا فيها بالبيع والشراء وبيقبضوا الثمن بنفسهم، وكمان كانوا بيتجوزوا من نساء لها مكانة كبيرة وبيمتلكوا الجواري والغلمان.. الأمر اللي رفضه الشيخ ابن عبد السلام واعتبره منافي للشرع لأنه مهما كان من أمره فهو مملوك (عبد) وليس حر نفسه ولا يحق له ان يتصرف كما يتصرف الأحرار، ورفض ابرام عقود البيع والشراء والزواج لهم (!!) فشكا امراء المماليك للسلطان اللي حاول ان يثني الشيخ عن رأيه لأنهم كانوا امراء الجند وقادة الجيش ومايقدرش السلطان يحكم من غيرهم!.. فرفض الشيخ وقال انه مش هايعمل شيء مخالف للشرع، وأمر السلطان انه مايتدخلش في القضاء لأنه مستقل شرعا عن سلطة الحكم. ولما اصر السلطان على رأيه، فحزم الشيخ امتعته ووضعها على حماره وردد قول الله تعالى: “..قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا..” (النساء 97).. فبيخرج العامة وعلماء الأمة والصالحين وبيرجو الشيخ ان يبقى معهم، فيرفض ابن عبد السلام ويهم بالمسير فيقسم العلماء ان يرحلوا مع الشيخ اذا رحل!.. وامام اصرار العامة يخرج السلطان ويسترضي الشيخ ويتعهد له بعدم التدخل في شأن القضاء وان يتركه يفعل ما يشاء وينفذ حكم الشرع (ابن تغري بردي – النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة).

The+Market+Place,+Boulak+,+Cairo+1881.jpg

وبيقول الشيخ ابن عبد السلام ان امارة المماليك لا تجوز الا لو تم تحريرهم، ولأنهم قد تم شراءهم بمال المسلمين، فلو اراد السلطان تحريرهم استجابة لمكانة الأمارة فليشتريهم من ماله الخاص، ويعتقهم ويضع الثمن في بيت مال المسلمين!.. ويوافق السلطان بعد استشارة الأمراء اللي بيوافقوا غصب عنهم وهما حاسين انهم بيمروا بتمثيلية سخيفة لكن بيضطروا اليها امتثالا لأمر السلطان!..

56038eda397ab

ورغم نصيحة ابناء الشيخ المتكررة له بالبعد عن امراء المماليك خشية بطشهم، الا انه بيصر على رأيه، وبيتم تحرير جميع قادة المماليك وكتابة صكوك العتق ليتسلمها (القاضي) ابن عبد السلام للعمل بموجبها، وبيحكي ابن تغري بردي ان اشهر من تم تحريرهم هم عز الدين ايبك وفخر الدين اقطاي قادة الجند، وقادتهم بيبرس وقطز واكثر من 150 مملوك من امراء الجند وقادة الجيش، دفع السلطان ثمنهم من ماله الخاص وتم ايداعه بيت المال.

76258_1-3

وبيموت السلطان نجم الدين ايوب وبتتولى الحكم زوجته الملكة شجرة الدر (للمزيد عنها طالع هنا) وبيرفض العز بن عبد السلام اللي كان من رأيه ان الشرع يحرّم توليه النساء، وبيجاهر برأيه بين العامة وبتظهر جبهة رافضة لحكم الملكة اللي بتضطر للزواج من الأمير عز الدين أيبك والتنازل عن الحكم بعد 80 يوم فقط من توليتها الملك!..

530011_403626429744991_1857372005_n

وبيموت عز الدين ايبك وتليه شجرة الدر ويتفق الأمراء المماليك على تولية الأمير سيف الدين قطز، وبعد اجتياح التتار لبغداد عام 1258م وانهاءهم لحكم الخلافة العباسية، فبيظهر دور الشيخ ابن عبد السلام في شحذ همم الأمراء ودعوتهم للأتحاد لصد العدوان القادم من الشرق، وشحذ همم العامة في حب الجهاد وقتال التتار، وبيحكي المؤرخ ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة ان السلطان قطز بيطلب فرض ضرائب على العامة لتمويل الجيش لقتال التتار، فيرفض ابن عبد السلام ويطالب امراء المماليك اولا باخراج مالديهم من اموال ونفائس بالكامل لتمويل الحملة ولا يتبقى معه الا سلاحه وفرسه فقط!.. وان احتاج السلطان بعد ذلك للمزيد فليفرض دينارا واحدا على القادرين من العامة، وبهذا يجمع السلطان مالا حلالا ليس بالغصب ولا بالنهب ولا فيه ظلم ولا عدوان فتحل عليه بركة من الله.. فوافق السلطان قطز وبدأ بنفسه وأمر المماليك بالأمتثال لأمره، فكان كل أمير منهم يسلم امواله ونفائسه وحلي نسائه وجواريه وغلمانه ويقسم انه لا يملك المزيد، فيباع كل حذا ويسك الحلي مالا يمول به الحملة، وطبعا دا كان اسلوب فريد لم تعرفه مصر من قبل، ولا اتكرر بعدها ابدا!!..

3040.jpg

وبينتصر المماليك على التتار في عين جالوت عام 1260م وكان من أسباب النصر شعور الناس بقيمة العدل التي أسهمت في بث روح جديدة تسري في كيان الشعب كله تحت قيادة السلطان قطز، وكمان من خلال الفتاوى اللي أفتى بها الشيخ العز بن عبد السلام، الذي أيقظت العدل في قلوب الملوك والرعية فتحقق النصر، ودي كانت مواقف العز بن عبد السلام من حكام عصره، وزي ماشفنا كانت المعنى الحرفي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما كان صادعًا بالحق، محاربا للباطل وأهله.

وبيرحل الشيخ العز بن عبد السلام عن عالمنا في 1262م عن عمر يناهز 81 سنة وحياة افناها في النصح لأولي الأمر، وصد اطماعهم وبطشهم قدر المستطاع.. كان ينحاز للعامة، ويأخذ صف الشعب اذا جار الولاة، ويأخذ صف الولاة اذا تكاثر عليهم بطانة السوء.. كان شجاعا في الحق لا يخشى فيه لومة لائم، ولم يكن مثل الصورة المعتادة من علماء السلطان التي استعان بها كثير من السلاطين على مر العصور. ترك العديد من المؤلفات في التفسير والفتاوى والفقه والتصوف، مازالت باقية لليوم فاستحق عن جدارة لقب “سلطان العلماء”.. وبائع الأمراء..

كتب عنه عبد الرحمن الشرقاوي في (ائمة الفقة التسعة) وعلي الصلابي في (سلسلة فقهاء النهوض)، وترجم له العديد من المؤرخين كابن تغري بردي وابن اياس وابن كثير وغيرهم.

مراجع:

  • البداية النهاية ج8 – ابن كثير
  • النجوم الزاهرة في حكم مصر والقاهرة – ابن تغري بردي
  • الموسوعة العربية – ابن عبد السلام
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة.


شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 30
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    30
    Shares
  •  
    30
    Shares
  • 30
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

0 thoughts on “سلطان العلماء.. وبائع الأمراء

  1. إنها من الحقب الرائعة من تاريخنا الناصع، التي تحتفظ لنا بأخلاق تبدو أقرب ما تكون لأخلاق عصر الخلفاء الراشدين، أن تجد من يراجع الحاكم إذا أخطأ أو حاد، أو شط، وتجد من ي
    أمر بالمعروف ولا يخاف لومة لائم، ولا يخشى إلا الله صادق وليس كاذبا باسم الدين، أن تجد قضاءا مستقل، أن تجد من يقوى على مجابهة الأوليجارشية العسكرية ليوقف طغيانها ويهذب سلوكها، أن تجد من يقدم النموذج للقدوة للعامة ولطالبي العلم من أبناءهم، أن تجد من يهذب أمراء الدولة وأبناءهم، ونساءهم، ولا يفرق بينهم وبين أبناء ونساء العامة في مجلس العلم، رحم الله العز بن عبد السلام، أنظروا روعة الفصل بين السلطات، والتوازن الرائع بينها، تعلموا من السلف من العلماء المعتدلين الذين تخلقوا بخلق رسول العالمين، وليس الموتورين، والمنحرفين، وسفاكين الدماء، (شارك سلطان العلماء في حصار دمياط، قبل سقوطها 1249، وتحريرها، وشارك في عين جالوت، فمن مثله من العلماء) وكافأ الله مستعرض هذا الموضوع، ومعده

اترك رداً على محمدالسيد أبو قمر إلغاء الرد