رجال الدولة المصرية في عهد اسماعيل: شريف باشا

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 6
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    6
    Shares

من المطالب الهامة التي أصرت عليها الثورة العرابية هي تكوين وزارة وطنية عوضا عن وزارة رياض باشا بعد اقالتها، وكان المرشح الأول لهذه الوزارة هو شريف باشا والذي كان من أكثر رجال الدولة مثابرة في انتزاع حقوق المصريين من اسماعيل ورجاله، ايمانا منه بحقهم في حكم بلادهم، والذي تبلور في أول دستور يصاغ في مصر.. خليكو معانا..

نشأته وأصله..

في عام 1826م كان قاضي قضاة مصر رجلا تركيا عثمانيا اسمه محمد شريف افندي الشركسي، وبعد انتهاء فترة خدمته في مصر ورحيله الى بلاده ذهب ليزور محمد علي باشا ليودعه قبل رحيله، فأبصر الباشا معه طفلا صغيرا توسم فيه النجابه والذكاء، فطلب من القاضي ان يترك ابنه معه ليتلقى تربيه جيدة مع ابناء محمد علي وأحفاده، ووافق الأب وترك ابنه وديعة في كنف والي مصر.. ذلك الأبن الصغير كان شريف باشا.

وتلقى صغيرنا تعليمه في المدرسة التي أنشأها محمد علي باشا لتعليم ابنائه واحفاده، وإلتحق بعد ذلك بمدرسة الخانكة العسكرية برفقة الأمير سعيد (والي مصر فيما بعد) و الأمير حليم والأمير حسين والأمير رفعت من ابناء محمد علي، وايضا الأمير اسماعيل (الخديوي فيما بعد) ابن ابراهيم باشا.. فلما أتم الجميع تعليمهم ذهبوا عام 1844م في بعثة الى فرنسا (البعثة الخامسة) لاتمام الدراسة العسكرية في مدرسة (سان سير) وكانت من ارقى المعاهد العسكرية في اوروبا. وبعد تخرجه إلتحق بالجيش الفرنسي ليخدم سنتين، وعاد الى مصر برتبة يوزباشي (نقيب) في نفس العام الذت توفى فيه محمد علي باشا 1849م. وكان تعيينه في الجيش المصري معاونا للقائد سليمان باشا (الفرنساوي) حكمدار الجيش وقتئذ، وتوطدت علاقة الصداقة بينهما التي انتهت بزواج شريف باشا من ابنه القائد الكبير عام 1856م.

تأهله لعديد من المناصب الرفيعة

وتمر فترة الرجعية لصاحبها عباس باشا الأول وتأتي فترة حكم الوالي محمد سعيد باشا والذي كان زميل دراسة قديم لشريف باشا، فعينه رئيسا للحرس الخصوصي برتبة لواء، وبعدها ترك الخدمة العسكرية وتفرغ للحياة المدنية، واختار شريف باشا السلك الدبلوماسي نظرا لثقافته الفرنسية ولباقته في التعامل مع الأخرين. وتجول شريف باشا سفيرا لمصر في عديد من الدول، كما ارسله الوالي في عدة مهام لم يكن يصلح لها الا هو.. وفي عهد اسماعيل باشا زميل دراسته ايضا، ترقى شريف باشا في المناصب وتعين قائمقام مصر (نائب الوالي اثناء سفره) وذلك يدل مدى ثقته فيه ونجابته، فكان أول نائب للخديوي من خارج الأسرة العلوية. الى جانب دوره في تأسيس مجلس شورى النواب عام 1866م عندما كان ناظرا للداخلية، وفي عام 1868 تولى رئاسة المجلس الخصوصي والذي كان بمثابة مجلس الوزراء قبل تأسيس النظام الوزاري عام 1878م.

ويجمع اغلب المؤرخون الذين عاصروا الفترة او من نقلوا عنهم، الأجانب منهم والمصريين، ان شريف باشا لم يشترك في نكبة القروض التي انغمس فيها اسماعيل باشا ومعاونيه المفتش ونوبار وغيرهم.. بل ظل عفيفا لم تمتد يده الى مليما واحدا من مال الدولة، ولم يعبث أبدا بمصالحها، وهي ولا شك ميزة كبرى في عهدٍ كان يرى الرشوة حق مكتسب، وماتطوله يدك من المال العام فهو ملكا خالصا لا ينازعك فيه الا عدو يجب قطع دابرة بشتى السبل!!..

وحينما بدأ التدخل الأجنبي في شئون مصر، والمتمثل باللجنة الثنائية لمراقبة ميزانية البلاد عام 1876م كان موقفه مشرفا رافضا للمشاركة في هذه اللجنة المشكلة بموافقة الخديوي، حيث رفض المثول امامها لسماع اقواله كوزيرا للحقانية (العدل) وقدم استقالته من الوزارة كلها ووقف الى جانب الوطنيين في رفضهم للوجود الأجنبي، فاحترمه الرأي العام ورأوا فيه “زعيما” جريئا يفترق عن كثير من النماذج مثل نوبار باشا و رياض باشا وغيرهم. ولذلك اتجهت اليه انظار الوطنيين لتشكيل الوزارة الوطنية قبل اقالة الخديوي اسماعيل عام 1879م وبعد قيام الثورة العرابية عام 1881م.

شريف باشا والثورة العرابية

دعى شريف باشا في وزراته الأولى لأصدار “اللائحة الوطنية”، والتي كانت المسودة الأولى لصياغة اول دستور في تاريخ مصر ومنها اكتسب لقبه الأشهر “ابو الدستور في مصر“، كما أقصى الوزيرين الأجنبيين، وأقر بمبدأ المسئولية الوزارية أمام مجلس شورى النواب، فكان بذلك ايذانا بتأسيس النظام الدستوري الذي يقر بمبدأ الفصل بين السلطات، ويحدد سلطات الخديوي بدلا من سياسة الحكم المطلق، ويمنح مجلس النواب الحق في مراجعة الحكومة في افعالها وتصرفاتها. وبعد خلع اسماعيل ونفيه على اسطنبول في نهاية عام 1879 تقدم شريف باشا للخديوي الجديد (توفيق) باستقالة الوزارة، ولكنه امره باعادة تشكيلها من جديد وهو غير ميال له لميوله الدستورية وعدم اعتراف توفيق بحق المصريين في المشاركة في الحكم، ولذلك أمر بحل الوزارة وعهد بها الى رياض باشا وهو شخصية على النقيض تماما من شريف باشا!!.. وكان وجوده ايذانا ببدء الثورة العرابية. ووقف العرابيون صباح يوم 9 سبتمبر 1881م امام قصر عابدين ينادون بخلع رياض باشا وتكوين وزارة جديدة برئاسة شريف باشا، وافق عليها الخديوي توفيق على مضض، فتمكن شريف باشا من تحقيق حلمه بصياغة اول دستور عرفته البلاد في نفس العام والذي بموجبه اعيد تأسيس “مجلس النواب” على غرار البرلمانات الحديثة في اوروبا، ولكن عادة ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن!..

عرابي ومعه الجيش والشعب أمام قصر عابدين

في يناير عام 1882م قدم سفيرا انجلترا وفرنسا مذكرة للخديوي توفيق تتضمن اتفاق على تأييد بلادهما لقراراته في مواجهة اي صعوبات من شأنها عرقلة مجريات الأمور في مصر (!!) وهو تعبير اعتبرته القوى الوطنية تدخلا في شئون مصر وتشجيعا (تحريضا) صريحا للخديوي على مقاومة رغبة الأمة!.. ورأى العرابيين ضرورة اتخاذ عدة خطوات ردا على هذا البيان في حين رأى شريف باشا التريث ومنحه فرصه لتدبر الأمر بشكل افضل وبحث الأمر بالمفاوضات بين الدولتين، ومن ثم رفض البرلمان قرارات الحكومة فتقدم شريف باستقالته في فبراير 1882م وتشكلت الوزارة الجديدة برئاسة محمود سامي البارودي والتي اتخذت عدد من القرارات أعطت الحق للخديوي لحلها في اشهر قليلة وتولية راغب باشا والذي حدث في عهده الأحتلال البريطاني في يوليو من نفس العام.

موقفه من الأحتلال البريطاني

وبعد الاحتلال تقدم شريف باشا لتشكيل وزارة جديدة في اغسطس 1882 بغرض مواجهة الأحتلال او على الأقل دفع مساوئه وتخفيفها عن البلاد، لأن الأنجليز قالوا ان تدخلهم لدعم مركز الخديوي في البلاد والذي تزعزع بعد الثورة العرابية، فوافق شريف باشا على اسقاط دستور 1881 الذي صاغه بيده، وحل مجلس النواب وصياغة دستور جديد يزيد من صلاحيات الخديوي ويحد من صلاحيات المجلس، وهو دستور 1882 وشكل بنفسه وزارة جديدة واشترك معه فيها رياض باشا و راغب باشا برغم كراهيتهم للمصريين واختلافهم مع شخص شريف باشا، كل هذا على امل ان يبر الأنجليز بوعدهم ويتحقق الجلاء عن البلاد بمجرد توطيد مركز الخديوي كما يرتضيه الأنجليز (!!) ولكن الحوادث كانت اكبر من حسبان شريف، أو أنه تعامل مع الأمر بحسن نيه أكثر من اللازم كما يرى الرافعي في تعليقه على الأحداث. ففي عام 1884 قدم المعتمد البريطاني مذكرة لشريف باشا بموجبها تتخلى الحكومة المصرية اداريا عن السودان، فظهرت النوايا الأستعمارية لبريطانيا وبالتالي استقال شريف باشا من الوزارة استقالة مسببة، وكانت الثالثة والأخيرة في حياة شريف باشا، كتب فيها اعتراضه عن مذكرة الأنجليز وقال كلمته الشهيرة:

“اننا لو تركنا السودان فإن السودان لن يتركنا..”

واعتزل الحياة السياسية، واعتلت صحته وسافر للنمسا للعلاج وهناك وافته المنية عام 1887م وقوبل خبر وفاته في مصر بالحزن العام، حيث تم استقدام جثمانه الى الإسكندرية ومنها للقاهرة حيث شيعه كثير من اهل مصر (مايزيد عن عشرة الاف شخص) واقفلت المحال التجارية والدكاكين ودواوين الحكومة حدادا عليه، ونشر نبأ وفاته في جريدة الأهرام عدد 27 ابريل عام 1887م.

كتب عنه كل من تعامل معه باعجاب واحترام حتى اللورد كرومر (المعتمد البريطاني في مصر) في مذكراته، وصفه بأنه كان عنيدا ولكنه نزيها وشريفا يحمل كثيرا من معنى اسمه. وصفه الرافعي بأنه “جميل الطلعة طويل القامة، مشرق الوجه معتدل القوام، متواضعا في أنفه وشمم، وعظيما في غير صلف وغرور..” تزوجت ابنته، والتي انجبها من كريمة سليمان باشا الفرنساوي، من عبد الرحيم باشا صبري وانجبا فتاة تدعى “نازلي” تزوجها فيما بعد السلطان (الملك فيما بعد) فؤاد الأول وانجبت له ابنه الملك فاروق الأول أخر ملوك اسرة محمد علي في مصر. ومازال شريف باشا يحتل مكانة عالية في ذاكرة التاريخ المصري غير ان احد شوارع وسط البلد في كلا من القاهرة والأسكندرية مازال يحمل اسمه.

لو اعجبتك التدوينة واضافت الى معلوماتك التاريخية، لطفا شيرها لأصدقاءك للفائدة، ولا تنسى ان تشارك برأيك في تعليق والأشتراك بحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة الموجودة جانبا.. وشكرا.

مراجع:

  • جمال بدوي، مصر من نافذة التاريخ، الهيئة العامة للكتاب 1995
  • عبد الرحمن الرافعي، عصر اسماعيل ج2، الهيئة العامة للكتاب 2001

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 6
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    6
    Shares
  •  
    6
    Shares
  • 6
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..