رجال الدولة المصرية في عهد اسماعيل: رياض باشا

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 13
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    15
    Shares

كان اول مطلب للثورة العرابية حين تجمعت قوى الجيش والشعب امام الخديوي توفيق صباح يوم 9 سبتمبر 1881م هو إقالة وزارة رياض باشا وتشكيل وزارة وطنية.. النهاردا وفي سلسلة رجال الدولة المصرية في عهد اسماعيل عايزين نلقي مزيد من الضوء عن شخصية رياض باشا.. خليكو معانا!!..

نشأته وأصله..

زي ماقلنا قبل كدا انه محمد علي باشا كان ميال لاختيار رجال الدولة من العرق العثماني او ما يتبعهم، ومن بعده سلك أولاده نفس السلوك. بيختلف المؤرخين في أصل رياض باشا، منهم اللي قال انه يهودي اناضولي من عائلة كانت تعمل بالربا وتجارة الدهب، منهم من قال انه تركي مسلم، كان والده مدير للضربخانة (دار سك العملة) في مصر، أيا كان فهو ولد في مصر عام 1834م وتعلم في مدرسة المفروزة التي انشأها محمد علي لأختيار العناصر الصالحة للالتحاق بالجيش المصري، ولكي يجعل لنفسه موضع قدم وسط الطبقات العليا، اقتر بأحد ابناء عائلة طبوزادة، من حاشية محمد علي باشا. فنجح في الألتحاق بوظيفة ناسخ (كاتب) في مجلس العموم عام 1848م، ثم جندي موسيقى في ألآي الموسيقى العسكرية برتبة ملازم، وتدرج بعذ ذلك في الرتب والمناصب، الى ان وصل لرتبة بكباشي (مقدم) عام 1851م مما أهله لمرافقة المعية السنية (حاشية الوالي) فتم تعيينه ياور لعباس باشا الأول، ثم حصل على رتبة مهردار (حامل أختام) قبل ان يتم تعيينه مدير مديرية الجيزة عام 1853م وتنقل بعدها في بلاد كثيرة (اطفيح / الفيوم / قنا / ..) قبل ان يحصل على منصب نائب مدير مصلحة السكة الحديد عام 1856م.

الموسيقي الذي تحول الى مستبد!..

ومع والي مصر سعيد باشا، تم تعيينه في المعية السنية برتبة ميرميران (أمير الأمراء)، وفي عهد الخديوي اسماعيل تم تعيينه ناظر الدائرة السنية (الخاصة الخديوية) 1864م قبل ان يلتحق بوظيفة عليا في وزارة المالية، ومن خلالها تم ارساله في عديد من المهمات تعلق بالإصلاح القضائي في الأستانة، ليعود منها رئيسا للمجلس الخصوصي (مجلس الوزراء قبل تشكيل الوزرات). ومع بداية السبعينيات لازم الأمير توفيق (ناظرا لخاصته) حتى تم تعيينه ناظرا للاوقاف والمعارف في 1873م ولعمله السابق في القضاء تولى ايضا رئاسة المجلس الحسبي (الوصاية على اموال اليتامى والقصر) في 1875م. تولى ايضا في السنوات التالية نظارة (وزارة) كثيرة منها الزراعة والخارجية والحقانية (العدل) والتجارة.. وفي وزارة نوبار باشا الأولى عام 1878م تم تعيينه وزيرا للداخلية، فأهله ذلك لأن يكون رجل دولة من الطراز الأول في ذلك الوقت. وفي عهد الخديوي توفيق، تولى رياض باشا منصب ناظر الحقانية، وتولى مهمة فض مجلس شورى النواب بعد اعتراضه على عدد من القرارات، واستخدم اسلوبا جافا غليظا كان مثار استنكار لكثير من النواب وبسبب ذلك اتخذوا منه موقفا وأطلقوا عليه لقب (أبو الأستبداد)!!..

“قنفد”.. ينفر منه كل من حوله!..

وكان رياض باشا ذو شخصية صارمة، غليظ القلب، صارم، عنيف في رد فعله، لا يتأثر بأي مؤثر عاطفي أو انساني، عديم الشفقة بعامة الناس، ولا يعترف بحق المصريين في الوصول للمناصب العليا ولا حكم بلادهم، شأنه شأن اغلب الأتراك في ذلك الوقت. يصفه اغلب الأجانب الذين يتعاملون معه انه شخصا سمجا يطالب الناس باحترامه في حين انه لا يوقر الا من هم أعلى منه رتبه!.. كان ادرايا حازما، ولعل هذا هو سر نجاحه، ولكن حين جلس على كرسي الوزارة تحول الى “قنفد”.. ينفر منه كل من حوله!!..

ويصفه المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي انه كان متكبرا متعاظما ينظر للجميع بازدراء، يأنف من النصيحة ويرى نفسه ليس بحاجة اليها، ولعل ذلك نابع من قلة حظه من التعليم، فهو لم يتلق تعليما عاليا ولم يجيد الكثير من اللغات الأوروبية، ولكن كل مالدية كانت قشور اقتبسها بذكائه الفطري ومرانه وقوة ذاكرته. ومع ذلك فقد كان ناجحا في عمله محبا له، ونزيها لا يقبل الرشوة ومشهود له بالإستقامة بالرغم من انه كان فردا في نظام يرى الرشوة حقا مشروعا. خلال عمله كوزيرا للداخلية ألغى نظام السخرة، وأبطل الضرب بالكرباج في تحصيل الضرائب، ووضع نظاما للتحصيل على دفعات (اقساط) وهذا ساعد الفلاحين تسديد عديد من الضرائب للدولة. اثناء عملة كوزيرا للزراعة ألغى عديدا من الضرائب المرهقة لصغار الفلاحين، وأزاد من الضريبة على كبار ملاك الأراضي فيما يعرف بالضريبة التصاعدية، كما أصدر قرارا بأيلولة ملكية قصور الخديوي اسماعيل بعد عزله إلى الدولة.

وفي مجال التعليم، استعان بأحد الخبراء السويسريين على اصلاح منظومة التعليم من خلال اصلاح المدارس القائمة لا التوسع في انشاء المزيد، كما ساهم في انشاء (دار الكتب المصرية) وأوقف عليها 2000 فدان لسد نفقاتها، وصارت صحيفة (الوقائع المصرية) تصدر يوميا وصدرت في عهده مزيد من الصحف مثل (المؤيد)، فزاد عدد المثقفين في مصر، لا سيما بعد قدوم الشيخ جمال الدين الأفغاني الذي اشعل بكتاباته روح الثورة والكرامة في نفوس المصريين. كما ساهم ايضا في اصدار لائحة ترتيب المحاكم الشرعية في مصر واعادة تنظيم درجات التقاضي فيها.

موقفه الأشهر بمجلس شورى النواب

في عام 1878م كانت الحكومة المصرية برئاسة نوبار باشا تعد العدة لأفلاس مصر، فكانت تضم وزيرين احدهما فرنسي للاشغال والأخر انجليزي للمالية، لمراقبة ايرادات ومصروفات البلاد!.. وفي مجلس شورى النواب علمت بعض العناصر الوطنية بما تعده الحكومة في الخفاء، فأعدوا مشروعا مضادا يقضي بإلتزام المصريين بتسديد اقساط الديون اقتطاعا من نصيبهم في الدخل القومي، وهذا يستدعي تنظيم الشئون المالية واحكام السيطرة عليها واصلاح مفاسدها، وبالتالي عزل الوزيرين الأجنبيين!.. وعلم نوبار باشا بما يعده النواب فابتسم وأصدر مرسوما من الخديوي بفض المجلس بالكامل قبل انقضاء موعده.

احدى جلسات مجلس شورى النواب المصري

وفي صباح يوم 27 مارس 1879م توجه ناظر الداخلية رياض باشا قاعة المجلس بقلعة الجبل، وأبلغ الأعضاء بكل صلف و غلظة ان اجتماعهم منفض وانه لا داعي لوجودهم في هذا المكان!.. فقاطعه النائب الجرئ عبد السلام المويلحي (اول معارض مصري في مجلس النواب) قائلا انه لا يحق فض المجلس قبل موعده ولا قبل اتمام النظر في باقي القوانين، فهم نواب الشعب لحماية حقوقه. وبهت رياض باشا من رد فعل النائب، ولوح للجميع بأنه امرا ساميا من “افندينا ولي النعم”!.. وحاول شق الصف قائلا للمويلحي انه لا يرى باقي الأعضاء موافقون على ماتقول!.. فقال الأعضاء انهم متضامنون مع النائب المويلحي ومصدقون على مايقول!.. وهنا صاح المويلحي قوله المشهور: “اننا هنا ممثلو الأمه ولن نخرج الا بقوة الحراب..!” فكان مثل ميرابو الذي صاح نفس الصيحة في وجه جنود الملك لويس السادس عشر فكانت شرارة الثورة الفرنسية.

وهنا ذهل رياض باشا للمرة الثانية، وتهكم على المويلحي قائلا: “أتقلدون نواب فرنسا وأنتم من ذوي العمم والجلباب؟.. أتخرجون على رأي أفندينا ولي النعم؟؟.. فصاح نائب اخر (احمد عويس): يا باشا انت الأن تهين نواب أمتك التي تعطيك انت وغيرك رواتبكم الشهرية!.. وقال اخر: هذه وقاحة لا نقبلها من ناظر الداخلية!.. وقال ثان: نحن بصفتنا ممثلي الشعب نرد عليك اهانتك حتى يعلم الشعب انه للامه رجال قادرون على حماية حقوقها ويدافعون عن كرامتها!.. وعاد المويلحي يقول: اسمعت يا باشا؟.. أرأيت عاقبة الغطرسة؟.. المسألة لا تتعلق بالثياب قدر ماتتعلق برغبات الأمه التي انابتنا عنهم!.. الا تخجل من نفسك وانت وباقي وزارتك تعملون في خدمة وزير انجليزي واخر فرنسي؟.. الا تخجل من نفسك حينما تصف نواب بلدك في تصريحات للصحافة بأنهم همج ورعاع؟.. تقول ذلك على نواب بلدك واغلبهم من طلبة الأزهر الشريف؟؟..

واختتم الشيخ حسن عبد الرازق قول النواب: ان ماقاله المويلحي يعبر عنا جميعا، ونحن متضامون معه في كل ماقاله ونندد بأفعالك انت وحكومتك..!! وأمام تلك الكلمات القوية والجمع غير المسبوق انسحب رياض باشا وهو يقول اهم: انتم عصاه للأوامر السنية وستدفعون ثمن ذلك غاليا!.. وخرج من القاعة، في حين استدار المويلحي لكاتب المضبطة قائلا: اياك أن تحذف منها حرفا واحدا!.. وابعثوا بنسخة منها لكل اصحاب الصحف ليعلم الناس ماذا يقول ممثلوا الحكومة عنهم.. وليعلموا من هم الهمج.. أهم النظار أم النواب!.. واعتبر غيره من النواب ان المجلس في حالة انعقاد دائم وتناوبوا التواجد في القاعة خشية اغلاقها ومنعهم من الدخول!.. حتى اهتز الرأي العام وزلزل ارجاء الحكومة واستقالت وكان ذلك ايذانا ببدء الثورة العرابية.

وبرغم كل ماقدمه رياض باشا، الا إنه كان انسانا مكروها ثقيل العهد، لأنه كان يتعامل مع الجميع من برجه العالي ولو قدم اليهم احسانا فإنها تكون صدقة من محسن كبير، كما ان أغلبها كانت من توجيهات الخديوي لخلق نهضة شاملة بالبلاد كما عرفنا سابقا لا من افكاره ولا تعود بفضل شخصي اليه. حقا فشل رياض باشا فشلا ذريعا في التعامل مع الجماهير لأنه لم يكن يعترف يوما بشيء اسمه الجماهير!..

لو اعجبتك التدوينة واضافت الى معلوماتك التاريخية، لطفا شيرها لأصدقاءك للفائدة، ولا تنسى ان تشارك برأيك في تعليق والأشتراك بحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة الموجودة جانبا.. وشكرا.

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، عصر اسماعيل ج2، الهيئة العامة للكتاب 2000
  • جمال بدوي، مصر من ذاكرة التاريخ، الهئية العامة للكتاب 1995

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 13
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    15
    Shares
  •  
    15
    Shares
  • 13
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..