«ديو البحرية».. وشفق ماقبل الغروب!

حكايات من خارج مصر مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 24
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    24
    Shares

بعد ما تمكن الأسبان والبرتغاليين من طرد العرب من كامل شبه الجزيرة الأيبيرية عام 1492م بدأوا رحلات استكشافية بحرية للبحث عن مصادر للثروة يستفيدوا منها في بلادهم، فدار البحار البرتغالي فاسكو دا جاما عام 1498م حول قارة افريقيا وقدر يتوصل لطريق تاني نحو الهند وشرق اسيا بديلا عن الطريق الرئيسي المار بالشرق الأوسط واللي كانوا محتكرينه المماليك وحلفائهم تجار فينيسيا. وبيتحرك السلطان الغوري عشان يحمي أهم مصدر للدخل في بلاده وبيصطدم مع البرتغاليين قرب سواحل الهند في معركة بحرية كبيرة بتعتبر من أهم المعارك البحرية الفاصلة في التاريخ.. وكانت بداية النهاية لأنهيار دولته.. ايه قصة المعركة دي وازاي اثرت في التاريخ العالمي؟… دا موضوع تدوينة اليوم وهاتكون شيقة وممتعة ومليانة معلومات هامة كالعادة.. خليكو معانا…

Cape of Good Hope path

بدأت اوروبا مع نهاية القرن الـ15 حركة استكشافات بحرية الغرض الأساسي منها هو زيادة الثروات امبراطورياتهم وممالكهم بعد طرد العرب للصليبيين من سواحل الشام وفقدهم للسيطرة على جزء من حركة التجارة في الشرق، فابتدا البرتغاليين عن طريق الأمير هنري الملاح بتطوير قدرات اسطولهم البحري وانشاء مراكب اضخم حجما لمواجهة التيارات البحرية الصعبة في المحيط الأطلنطي، وبالفعل نجحوا في الدوران حول افريقيا والوصول لساحل الهند الغربي عند ميناء كلكتا. وفي عام 1505م أرسل ملك البرتغال مانويل الأول أسطول حربي من 20 سفينة بقيادة فرانسيسكو دي ألميدا لأحتلال ساحل الهند الغربي وتكوين امبراطورية لبلاده هناك، فاصطدم مع دولة كجرات وسلطانها محمود بجادة واللي كان بيحتكر تجارة البهارات عن طريق القيام بالوساطة بين مراكز انتاجه في أسيا وأماكن تسويقه في الشرق الأوسط وأوروبا عن طريق المماليك في مصر والتجار البنادقة في ايطاليا واللي أصبحوا جميعا اثرياء من تجارة البهار، دلوقتي دخلت البرتغال تنافس بالقوة العسكرية، فطلب السلطان محمود المساعدة من سلطان مصر قنصوة الغوري عام 1507م واللي كانت دولته وصلت لمستوى من الفوضى منعه من القيام بواجبه كما ينبغي. ولأن الرحلة كانت طويلة والمماليك كانوا خبرتهم ضعيفة في ركوب البحر للمسافات الطويلة، وكمان القطع البحرية عندهم مش كفاية، فأرسل السلطان الغوري في طلب المساعة من السلطان بايزيد الثاني سلطان الأتراك وبالفعل أرسل له سفينة حربية عليها بحارة يونانيين وأتراك معظمهم من المرتزقة بقيادة الريس سلمان (Salman Reis في المراجع البرتغالية)، وصلت الى ميناء الأسكندرية وفككها البحارة البنادقة لقطع وحملوها على ميناء السويس وكملت رحلتها في البحر الأحمر مع اسطول مملوكي مكون من اربع نواويس (سفن كبيرة لحمل الجنود) بقيادة أمير البحر حسين الكردي (Mirocem في المراجع البرتغالية) ، قاموا في الطريق بتحصين ميناء جدة شرق الجزيرة العربية وميناء عدن، ووصلوا لسواحل ميناء ديو في كجرات (الهند) في مارس 1508م وهناك انضم لهم اسطول مكون من اربع نواوايس من كجرات وبعض المراكب من أمير كلكتا.

A_chegada_de_Vasco_da_Gama_a_Calicute_em_1498

كانت البرتغال قد نجحت عام 1507م في احتلال جزيرتي سقطري على مدخل البحر الأحمر وهرمز على الخليج العربي لقطع الطريق على السفن اللي جاية من طريق التجارة الرئيسي من البحر المتوسط وإجبار السفن على الدوران حول رأس الرجاء الصالح، وفي الهند اشتبك الأمير حسين الكردي مع فرانسيسكو دي ألميدا في بادء الأمر وقتل ابنه في معركة خفيفة، فتحرك دي ألميدا مدفوعا بالغضب ضد المماليك ومالك عياذ (Meliqueaz في المراجع البرتغالية) أمير ميناء ديو وقائد أسطول كجرات، واللي رفض دي ألميدا محاولات التهدئة وقرر المواجهة بأسطول مكون من 8 سفن عليهم أكتر من 2000 مقاتل، وانتظرهم حسين الكردي في ميناء ديو اعتمادا على غطاء مدفعية قلعة ديو المحصنة القوية واللي تعوض شوية قصر مدى المدافع بسفن اسطوله والسفينة العثمانية، في حين كانت المدفعية الموجودة على سفن البرتغاليين بعيدة المدى وكانوا جنودهم مخضرمين مدربين على المعارك البحرية أكثر من المماليك، كمان كان معاهم نوعا من القنابل الفخارية المحشوة بالبارود لها أثر تدميري كبير عند انفجارها. وضع البرتغاليين مدافع ذات عيار صغير على بعض القوادس (السفن الصغيرة) وبكدا كانوا قادرين أكتر على المناورة والألتفاف حوالين سفن المماليك والكجراتيين والهروب من قصف مدفعيتهم الثابتة، ووقفوا بسفنهم الحربية بعيد عن مدى مدافع المماليك بما عليها من مدفعية بعيدة المدى تدك سفن الأسطول المملوكي-الكجراتي بلا هوادة الى ان تحطم وغرق بمعظم المماليك في الماء في يوم 2 فبراير عام 1509م، استطاع الأميرال حسين انه يهرب بقطعة بحرية عليها المتبقي من رجاله لميناء جدة وكان خلفه بعض قطع الأسطول البرتغالي تلاحقه. وغنم البرتغاليين في المعركة دي 3 رايات ملكية لسلطان مصر وهي النهاردا معروضة في دير المسيح Convento de Cristo واللي بيعتبر معقل فرسان المعبد في مدينة تومار البرتغالية.

معركة ديو البحرية

وبعد المعركة مباشرة احتل البرتغاليين مواني هامة على طرق التجارة القديمة زي مومباسا ومسقط (عمان) وسيريلانكا ومالقا بالإضافة لتونس والجزائر على البحر المتوسط، وأقاموا لهم نقاط حصينة Cueta في مومباي ومضيق باب المندب وجزيرة قشم مدخل مضيق هرمز وميناء الكويت ومينائي مصوع والغردقة في البحر الأحمر، وبكدا قدروا انهم يوقفوا طريق التجارة التقليدي القديم بين الشرق والغرب وتضطر السفن انها تلف حوالين رأس الرجاء الصالح وترسو في مواني تحت سيطرتهم، وبكدا احتكرت تجارة البهار والحرير في اوروبا لغاية مادخلت البحرية الأنجليزية هناك وانتصرت عليهم في معركة سوالي عام 1612م واخدته لصالحها. في حين فقدت دولة المماليك اهم مصدر اقتصادي لها مما أدى الى اختناقها وانهيارها، كمان اثرت على مكانة فينيسيا (البندقية) في أوروبا بعد احتكارها لتجارة البهار لفترة طويلة.

أماكن الوجود البرتغالي بعد موقعة ديو البحرية

معركة ديو البحرية كانت من واحدة اهم المعارك البحرية الفاصلة في التاريخ، وماتقلش أهمية عن معركة الطرف الأغر 1805م مثلا أو أبو قير البحرية 1799م، لأنه ترتب عليها تغيير سياسة وموازين القوى في عديد من الدول الأوروبية ناتج عن تغير مراكز القوى التجارية فيها، كمان كانت اعلان عن ميلاد وقوة البحرية البرتغالية وسيطرتها على كتير من طرق التجارة لقرون طويلة قبل نمو وتطور البحرية الأنجليزية والفرنسية، وفيه كمان أراء لباحثين ومؤرخين ان معركة ديو البحرية تعتبر أمتداد للحملات الصليبية على الشرق لأن البرتغال دولة استعمارية مسيحية كاثوليكية وكانت قوات أحتلالها بغرض نشر ديانتها في المناطق اللي سيطرت عليها ومحاربة القوى الأسلامية متمثلة في المماليك والعثمانيين وسلاطين الهند، لكن الواقع ان غرض السيطرة لأجل التجارة هو الغرض الأساسي عند البرتغاليين في الوقت دا أكتر منه غرض ديني، وإن كان الغرض الديني موجود فعلا ولكن مش هوا المحرك الأساسي زي الحروب الصليبية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي. أما بالنسبة للمماليك في مصر وهزيمتهم في المعركة دي فكانت أخر حدث هام من أحداث التاريخ المصري في نهاية عهدهم في بداية القرن 16 قبل سقوطهم بالكامل في ايد العثمانيين عام 1517م وتتحول بعدها مصر لولاية عثمانية (للمزيد طالع هنا).

سليم الأول يدخل القاهرة منتصرا

برجاء ماتنساش انك تشارك التدوينة لأصدقاءك لعموم الفايدة، وماتنساش كمان تقييم المقالة باعلى الصفحة، ومتابعتنا على مواقع التواصل الأجتماعي الموجودة بجانب الصفحة.. وشكرا

مراجع

  • على محمد الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط، مؤسسة اقرأ 2005
  • ابن اياس الحنفي، وقائع الدهور في وقائع الدهور ج5، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1982
  • محمد عبد الستار البدري، من التاريخ معركة ديو البحرية، مقال جريدة الشرق الأوسط 4 مارس 2015
  • المعرفة، الموسوعة الحرة
  • Luís de Camões, The Lusiads, Oxford University Press, Oxford, 2002

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 24
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    24
    Shares
  •  
    24
    Shares
  • 24
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

7 thoughts on “«ديو البحرية».. وشفق ماقبل الغروب!

شاركنا برأيك فيما قرأت!..