خماروية ابن طولون.. ودولة “أرهقها” البذخ!!

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    17
    Shares

اتكلمنا في التدوينة اللي فاتت عن ازاي أستقل الأمير أحمد بن طولون بمصر عن خلافة بني العباس، وازاي جعل منها إمارة قوية استطاعت الأكتفاء بخيراتها وايرادها وزيادة قوة الجيش و الأستقلال بالشام وانتزاعها من بني العباس.. مش كدا وبس، لا وصد هجمات البيزنطيين اللي كانوا بيحاولوا فرض سيطرتهم على اسيا الصغرى وساحل الشام. كلامنا النهاردا عن أبي الجيوش الأمير خماروية ابن أحمد ابن طولون وازاي انتهت دولة كانت من اقوى الدول بسبب بذخ الأمير واسرافه في كل شيء.. خليكو معانا..

19714552-v2_xlarge

تولى الأمير خماروية حكم مصر عام 884م بعد وفاة والده الأمير أحمد بن طولون، وكان في حدود العشرين عاما، ولأنه كان مهتم بالجيش زي والده فلقبوه بـ(أبو الجيوش) خماروية. وعرف عنه الأسراف والبذخ لدرجه انه بنى قصر لنفسه زي مابيقول المسعدوي في مروج الذهب، غير قصر والده الأمير أحمد بن طولون واللي عرف بدار الأمارة، وألحق بالقصر بستان عرف باسم بستان خمارويه، بيحكي المسعودي عن مظاهر الترف اللي كانت موجوده فيه زي مثلا انه جلب له، عن طريق التجار، اشجار ونخيل من كل بلاد الدنيا (يعني انواع ماكانتش موجودة في مصر اساسا)، بالأضافة للعديد من الغزلان والطواويس والبجع والزرافات وبعض الحيوانات المفترسة (كالاسد زريق الخاص بالأمير) والمحجوزة في مكان خاص لمتعة الأمير، وكمان عمل للنخل كسوة من النحاس اللامع عشان مكانش بيعجبه شكل جريد النخل، وكمان كسى الحوائط بماء الذهب وزاد في النوافير وكساها بالذهب والأحجار الكريمة المستجلبة من اماكن كثيرة بالعالم، وألبس الجواري والغلمان بالحرير الموشى بالذهب لتحسين مظهرهم في عينه اثناء الرقص أو الخدمة، ودا بالأضافة لبحيرة صغيرة من الزئبق اللامع يعلوها سرير منفوخ بالهواء لأستراحة الأمير، كان يلمع في الليالي القمرية فيشحذ خيال الشعراء فنظموا فيه العديد من القصائد!.. كمان عرف عنه البذخ في منحه وعطاياه لقواد الجيوش والضباط الخصوصيين واللي شكل منهم فرقة “مختارة” أو كوماندوز كانت زي الحرس الشخصي له مهمتها حمايته فقط، وكمان امتدت عطاياه للعامة اللي كان بيقابلهم في الشارع، بيقول الأمام الذهبي  أنه كان ممكن يرمي الدنانير الذهبيه على العامة في اي مكان يذهب اليه لجذب قلوب الناس – سير أعلام النبلاء ج13 ص472

gold_dinar_of_khumarawayh_ibn_ahmad

ولما توفى الخليفة العباسي المعتمد على الله، وتولى الخليفة المعتضد بالله (كانت دي اسماء معظمهم على فكرة) بادر الأمير خماروية بارسال سفارة (بعثة من كبار النبلاء) محملة بهدايا باذخة عشان يلطف الجو مع الخليفة العباسي بعد حرب والده مع الخليفة اللي مات. كان من رأي خماروية هو كسب ود العباسيين بدلا من حربهم، عشان يدي لنفسه مزيد من الشرعية بدل مايبقى خارج عن سلطة الخلافه او متمرد زي ماكان بيتقال على والده الأمير أحمد، وقبل الخليفه المعتضد بالله هدايا خماروية، وارسل معهم مكتوب باقراره على ولايه مصر تحت امرة الخليفة على أن تدفع جزية سنوية لبغداد، وارسل معاهم كمان هدايا للأمير زي سيف ووشاح وتاج من الذهب، كمان قبل الأمير خماروية بولاية عهد الخلافه لأبن الخليفة المكتفي بالله، فقلده المعتضد بالله ولاية الري وقزوين وهمذان اضافة لولاية مصر. ولما وجد الأمير ان العلاقات تحسنت مع الخليفة فطلب منه زواج ابنه ولي العهد أبو علي المكتفي بالله من الأميرة قطر الندى ابنه خماروية بن احمد بن طولون ذات الأربعة عشر عام.. فطلب الخليفة اللي تخطى عامه الخامس والخمسين انه يتزوجها هو مش ابنه، وعلى صداق خمسون ألف دينار ذهبي وكان طبعا مهر مبالغ فيه بأسعار ايامها!.. وكان في طلب الخليفة شبه استفزاز وتحدى لأرادة الأمير، ولكنه وافق وتم اعداد مراسم الزواج وخروج الأميرة قطر الندى من القطائع من قصر والدها لبغداد حاضرة الخلافة في موكب لم تشهده مصر كلها وماحولها من بلاد..

ومازالت حكايات التراث الشعبي لغاية النهاردا حافلة بقصص بديعه عن زفاف الأميرة قطر الندى الأسطوري واللي ظل طبقا لمؤرخين عدة لأكثر من ثلاث سنوات ودا اللي بيخليه اطول حفل زفاف معروف في التاريخ، فالأمير خماروية أراد انه يظهر بنفسه وببلاده أمام الخليفة بمظهر دولة قوية كأنها الندّ لدولة الخلافة مش مجرد امارة أو ولاية تابعه فأظهر الكثير من البذخ متمثل في جهاز ابنته واللي ذكره المسعودي في “مروج الذهب” انه كان..

«ألف هاون، وعشرون صينية ذهبية في عشرة منها مشام الصندل زنتها أربعة وثمانون رطلاً، وعشرون صينية من فضة في عشر منها مجامر وزنها نيف وثلاثون رطلاً، ومن الثياب ما ثمنه عشرة آلاف دينار ذهبي».

وخرجت قطر الندى من مصر في اواخر سنة 894م مع موكب عظيم يضم قواد الجيش ووكلاء عن الأمير و عماتها وعلى رأسم العباسة اخت الأمير، وأمر خماروية ببناء قصور في الأردن وسيناء ومشارف العراق وفرشها بأفخم الأثاث لتستريح ابنته فيهم من عناء السفر وفيها طبعا مظاهر بذخ امام حاشية الخليفة، كمان أمر باقامة الأفراح والزينات والموسيقى طوال الطريق وكانت الولائم للفقراء والعامة والأحتفالات في القاهرة وبغداد على نفقته الخاصة طوال 3 سنوات مما كلف ميزانية مصر الكثير!.. مثلا بيحكي ابن تغري بردي في “النجوم الزاهرة” ان حنة الأميرة كانت اربعين ليلة تم توزيع الحنة على كل بنات الفسطاط والقطائع اللي بيستعدوا للزواج، بالأضافة لتكفل الأمير خماروية بنفقة زواجهم، كمان ولائم في الشارع للعامة وغواني ومطربات وراقصات كل ليله ولفترة طويلة، ومازال التراث الفني يحمل أغنية (الحنة يا حنة ياقطر الندى) بنفس اللحن القديم اللي تغنت به الجواري في حفل الزفاف القديم من أكتر من ألف عام، واللي بتغنيه المطربة شادية حاليا بتوزيع عصري ولكنه نفس اللحن والمقام وكمان نفس كلمات مطلع الأغنية..

وكانت تكاليف حفل الزفاف زي ماقلنا باهظة بطريقة ارهقت خزانة مصر بصورة ماحدش كان يتخيلها، وفيه رأي لبعض المؤرخين ان الخليفة العباسي أراد افقار مصر عن طريق الزيجه دي، لكن اللي يدرس شخصية الأمير خماروية يعرف جيدا ان اللي حصل دا ناتج عن سلوك شخصي أكتر منه تأثير من الغير، بيقول  عنها الأمام الذهبي:

وفي سنة أثنتين وثمانين: قدمت قطر الندى بنت صاحب مصر مع عمها، وقيل: مع عمتها العباسة، فدخل بها المعتضد، فكان جهازها بأزيد من ألفي ألف (اتنين مليون) دينار، وكان صداقها خمسين ألف دينار، وقيل: كان في جهازها أربعة آلاف تكة (سرير يعني) مجوهرة، وكانت بديعة الحسن، جيدة العقل.

سير أعلام النبلاء – (ج 13 / ص 473)

وندم الأمير خماروية على مالحق بالبلاد، وصب جام غضبه على الأمير ابن جصاص واللي اشرف على اعداد حفل الزفاف بتوجيهاته طبعا، خاصة بعدما اشترط الخليفة العباسي على الأمير ان يدفع جزية سنوية لبغداد قدرها 300 ألف دينار ذهبي، وان توجه الدعوات في صلوات الجمعة باسم الخليفه وحده، وأن يتولى تعيين القضاه من عنده وليسو من مصر!.. وخرج الأمير خماروية من مصر بعد انتهاء زفاف ابنته واقام في قصره الجديد بسفح قيسون بدمشق زي مابيقول رضا كحالة في كتابه “أعلام النساء”. عشان يكون في موضع وسط بين ولاياته في مصر والشام وقزوين والري وغيرها.

ولأن خماروية كانت تنقصه الحنكة السياسية فثاروا عليه الجند بسبب اسرافه والمشاكل اللي حصلت من ورا كدا، وارادوا توليه عمه الأمير مُضر فقتله خماروية ودا طبعا كانت غلطة كبيرة فعزلوه الجند وتبرأ الأمراء والقضاة من بيعته أمام الناس!.. وحبسوه في قصره بدمشق وهناك قتله الخدم في فراشه لأسباب اختلف المؤرخين فيها، بيقول رضا كحالة ان دا كان من تدبير الجند، وبيقول الأمام الذهبي انه كان بسبب الفاحشة مع بعض الغلمان (سير اعلام النبلاء ج13 ص448) وبيقول المسعودي وابن تغري بردي انه كان بتدبير من بغداد، وكان دا في اواخر عام 896م، وحملوا تابوته للقطائع حيث دفن هناك وتولى من بعده ابنه أبو موسى هارون ابن خماروية ابن احمد ابن طولون وكان عمره 14 عام تحت وصاية الأمير أبو جعفر محمد من كبار رجال ابن طولون، ولكن انتهز البيزنطيين الفرصة وهجموا على طرسوس وانتزعوها من الطولونيين فثارت بعض بلاد الشام ترفض حكم الطولونيين لاعتقادهم بعدم قدرتهم على الدفاع عن البلاد ولكنها في الحقيقة بتأليب من بغداد، واللي ارسل خليفتها جيش انتزع الشام من حكم الطولونيين عام 898م.

معركة عين شمس

وفي العام التالي استأنف الجيش العباسي مسيرته لمصر بقيادة الأمير محمد بن سليمان ليقابل الجيش المصري بقيادة الأمير أبو موسى هارون، ولكن انكسر الجيش الطولوني ودخل ابن سليمان القطائع وأحرقها وخربها عن اخرها فلم يتبقى منها الا المسجد المقام بأعلى جبل يشكر (مسجد أحمد ابن طولون) شاهدا على عظمة الدولة باعتباره الأثر الوحيد المتبقي منها، وتعدود مصر بنهاية عام 999م من جديد ولاية من ضمن ولايات الدولة العباسية.

مسجد أحمد بن طولون

لو اعجبتك التدوينة واضافت الى معلوماتك التاريخية، لطفا شيرها لأصدقاءك للفائدة، ولا تنسى ان تشارك برأيك في تعليق والأشتراك بحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة الموجودة جانبا.. وشكرا.

مراجع:

  • الذهبي، سير أعلام النبلاء ج1
  • رضا كحالة، أعلام النساء (مؤسسة الرسالة، بيروت 1977)
  • المسعودي، مروج الذهب (المطبعة البهية المصرية، 1346هـ)
  • ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة (مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة 1932).


شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    17
    Shares
  •  
    17
    Shares
  • 17
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

3 thoughts on “خماروية ابن طولون.. ودولة “أرهقها” البذخ!!

شاركنا برأيك فيما قرأت!..