حملات صليبية توجهت نحو مصر (1)

الحروب الصليبية مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 33
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    33
    Shares

على مدار قرنين من الزمان، لبثت فيهم الممالك الصليبية في الشام والأراضي المقدسة، لمس الصليبيين خطر مصر على وجودهم، فتم توجيه العديد من الحملات بغرض الأستيلاء على مصر وتكوين مملكة صليبية فيها لحماية الممالك الصليبية والوجود الصليبي في الشام، فماهي الحملات التي وجهها الصليبيين الى مصر؟.. دا موضوع تدوينة اليوم وهاتكون طويلة شوية وهانقول فيها معلومات اكثر تفصيلا وأكثر طرافة.. خليكو معانا..

large-2600902644319672404.png

في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، وفد الى الشرق جيوش عديدة من دول وممالك اوروبية بقصد الأستيلاء على بيت المقدس بغرض تأسيس مملكة صليبية بها تابعة لكرسي الباباوية في ورما، لتحرير الأماكن المقدسة من سيطرة المسلمين وجعلها تحت السيطرة المباشرة للبابا في روما، وقد نجحت الحملة في الأستيلاء على مدينة بيت المقدس في 1099م وتم ذبح كل السكان المسلمين في المدينة واحتلال الأماكن الأسلامية المقدسة المسجد الأقصى وقبة الصخرة والمسجد العمري واستخدامها كمرابض للخيل، وبمطلع القرن الثاني عشر كان في ساحل الشام اربعة امارات صليبية: امارة الرها، امارة انطاكيا، امارة طرابلس، مملكة بيت المقدس..

توابع الحملات الصليبية الأولى والثانية

وفي منتصف القرن الثاني عشر الميلادي، وجه الصليبيين نظرهم نحو مصر وظلوا يتحينون الفرصة للهجوم والأستيلاء عليها، وكانت فترة صراع الوزراء في نهاية العصر الفاطمي مدخل استطاع الملك عموري الأول Amaury I (أمالوريك) ملك بيت المقدس توجيه اول حملة صليبية لغزو مصر عام 1164م، فهاجم السلطان نور الدين صاحب دمشق ممالك الصليبيين في بانياس وسواحل الشام، فعاد الملك عموري ادراجه للدفاع عن ارضه وعينه نصب مصر لما وجد فيها من ضعف الأدارة ولخشيته ان يملكها الزنكيون فيكون بين شقي الرحا، فأرسل جيشا جديدا استجابة لنداء الوزير شاور عام 1165م، فإنضم الى قوات الوزير شاور وكانت ساحة النزال أنذاك هي صعيد مصر، عند قرية البابين (محافظة المنيا الحالية) حيث اشتبكت جيوش الصليبيين بقيادة الملك عموري بمعاونة قوات شاور مع جيوش أسد الدين شيركوه، وبرغم كثرة الصليبيين وقوة عتادهم الا ان النصر كان حليف الزنكيين فتراجعت قوات عموري للقاهرة وتحصنت بالمدينة، واتجه قسم من الجيش الزنكي نحو الفيوم بقيادة اسد الدين شيركوه ونزل الباقي للاستيلاء على الأسكندرية بقيادة القائد الشاب صلاح الدين، فرحب به اهلها ونجح في التحصن باسوار المدينة قبل وصول جيوش الوزير شاور ومحاصرة المدينة ومطالبتهم لصلاح الدين بالأستسلام وتسليم المدينة، فاستنجد صلاح الدين بشيركوه لأن قواته لم تكن تكفي للدفاع عن المدينة والصمود في وجه شاور، فذهب شيركوه لحصار القاهرة وارسل تلك الأنباء الى شاور المحاصر للأسكندرية، ففك الحصار وعاد ادراجه للدفاع عن القاهرة وبدأ مفاوضات جديدة مفادها انه ليس لقوة من الثلاثة المتصارعة ان تسيطر على الأمور في مصر فاتفق الجميع على جلاء كلا من الجيش الزنكي والصليبيين من مصر، فعاد عموري بمن معه الى عكا عن طريق ميناء الأسكندرية بعد ترك حامية صليبية في القاهرة للدفاع عنها ضد اي مغير، واتخذت من جامع الحاكم مقرا لها وحَصَلَ على وعدٍ بدفع جزية 200 الف دينار ذهبي سنويا من شاور(!!)

وبدأت الحامية الصليبية في القاهرة تدرس الأحوال الداخلية وتراسل الملك عموري وتحثه ان يعاود الهجوم مجددا، ومن ناحيته علم عموري انه لاقبل له بمواجهة جيوش الزنكيين وحده، فطلب المدد من مانويل كومنين امبراطور بيزنطة، ثم عاود عموري الهجوم وارسل حملة جديدة عام 1168م استولت على مدينة بلبيس ودكت اسوارها وارتكب جنود الصليبيين مذبحة في حق اهلها، في حين وصلت جنود البيزنطيين في دمياط واخذت تحاصرها، في حين اتجه جيش عموري نحو القاهرة وعسكروا عند بركة الحبش جنوب الفسطاط، فاستنجد شاور بالزنكيين هذه المرة، فأرسلوا جيشا جديدا، وفي الوقت نفسه امر باحكام الأسوار والدفاعات في القاهرة، كما باخلاء الفسطاط واشعل فيها النار كي لا تقع في يد الصليبيين فيما يعرف بأغبى خطة دفاع في التاريخ!.. فظلت النار مشتعلة اربعة وخمسين يوما (على رواية المقريزي) الى ان وصل الجيش الزنكي بقيادة اسد الدين شيركوه وابن اخيه القائد صلاح الدين على مشارف القاهرة اوائل عام 1169م، في حين وصلت الأنباء بفشل البيزنطيين في التقدم تحو القاهرة، وحينئذ يئس الملك عموري من الأستيلاء على مصر فجمع قواته وعاد ادراجه الى الشام تاركا مصر للزنكيين الذين انهوا الحكم الفاطمي وكونوا في مصر دولة جديدة (للمزيد طالع هنا)

حملة الملك هنري السادس (لم تتم)

وبعد استيلاء الأيوبيين على بيت المقدس في 1187م، وفشل الحملة الصليبية الثالثة بزعامة ريشارد قلب الأسد ملك انجلترا وفيليب اغسطس ملك فرنسا في استعادتها عام 1190م، توجهت انظار الأوروبيين الى ضرورة توجيه الحملات الى مصر للأستيلاء عليها كوسيلة لاستعادة المدينة المقدسة (!!) ففي عام 1196م نادى بابا روما إينوسنت الثالث بحملة جديدة الى مصر خرج فيها هنري السادس ملك ألمانيا بقواته، فأقلع من مسينا (صقلية) جنوب ايطاليا ووصلت الى عكا اوائل عام 1197م للحصول على المدد من هنري دي شامبين ملك بيت المقدس ولكنه لم يكن متحمسا لها فأزكى نار العداوة بين جنوده المقيمين وجيوش القادمين من اوروبا، حتى مات هنري السادس بالشام فعادت جنوده الى بلادهم عام 1199م دون تنفيذ الغرض الأساسي من الحملة.

chronica_majora-sea_battle_off_sandwich_th

الحملة الصليبية الرابعة (حملة القسطنطينية)

بعد فشل حملة هنري السادس دعا البابا اينوسنت الى حملة جديدة للأستيلاء على مصر عام 1202م، فلبى النداء عدد كبير من مواطني انجلترا وفرنسا والمانيا، تجمعوا في ايطاليا استعدادا للرحيل ومعهم الفارس والمؤرخ الفرنسي جيوفروي دي فيل هاردوان De Ville-Hardouin والذي كتب يومياته فيما بعد مؤرخا لأحداث الحملة. ولما كانت الاساطيل الانجليزية والفرنسية مشغولة بحرب فيما بينهم، فقد تعاقد امراء الحملة مع اسطول فينسيا ان ينقلهم للأراضي المقدسة، فطلب البنادقة مبلغا تعذر على الحملة جمعه، فاستغل البنادقة الموقف وعرض عليهم ان يذهبوا معهم اولا للأستيلاء على القسطنطينية كتصفية حسابات وخلافات بين البلدين اولا ثم يتولون نقلهم لسواحل الشام بلا مقابل!..

فتغيرت وجهة الحملة الى سواحل البسفور ووصلت هناك عام 1206م واستولت عليها بعد فرار امبراطورهم إلكسيوس يطلب العون من ممالك الشام الصليبية، فتأسست بذلك في القسطنطينية مملكة صليبية لاتينية خاضعة للبندقية وظلت زهاء 60 عاما، حتى استعاد امبراطور بيزنطة عرشه من جديد. أما في الشام فقد رحل الكثير من صليبيو الشام واليونان الى مملكة القسطنطينية اللاتينية بحثا عن عيشا افضل بها وسعيا وراء الغنائم والمكاسب التجارية، فقل الوجود الصليبي بالشام واضطر ملك بيت المقدس الأسمي إلى تجديد الهدنة مع الملك العادل سلطان مصر والشام عام 1210م. ويذهب العديد من المؤرخين الغربيين وعلى رأسهم المؤرخ الفرنسي إيرنول Ernoul الى ان الملك العادل بذل جهودا دبلوماسية مع تجار وحكام فينيسيا (البندقية) لتحويل مسار الحملة عن مصر وأن البنادقة قبلوا (الرشوة) وحدث ماحدث!.. ويشكك البعض الأخر بالرواية مثل المؤرخ المصري محمد عبد الله عنان ويؤكد على ان ماحدث كان لأغراض سياسية نابعة من البنادقة وحدهم دون ضغوط من احد، بدليل ان احدا من مؤرخي العرب لم يذكره ولو كان حقيقة لكان أدعى للفخر!.. وإن كان من الثابت ان الملك العادل كان قد عقد عام 1207م معاهدة تجارية كبيرة مع البنادقة منحهم الكثير من الأمتيازات في الأسكندرية والسويس كما اعطى حرية التحرك بقوافلهم الخارجة من مواني ساحل الشام في الأراضي التي يسيطر عليها العرب، وذلك في ظل تحريم البابا اينوسنت للتجارة مع مصر تحريما مطلقا، مما يدفع بالبعض الى تصديق الرواية الفرنسية القائلة ان ذلك كان سببا رئيسيا في دفع الحملة الى وجهة اخرى غير مصر.

حملة الأطفال الصليبية (لم تتم)

وفي عام 1212م ظهر في اوروبا صبي من الرعاة اسمه ستيفن دي كلوي Stephen de Colyes وادعى انه المسيح وان الله قد ارسله لتخليص بيت المقدس من المسلمين فى فتره كان فيها الجهل و الايمان بالغيبيات ينتشر في اوروبا كلها، وقال كمان دي كلوي ان بيت المقدس لن يحررها الا الأطفال، فأصبحوا على قناعة أن بإمكانهم القيام بما لم يتمكن منه الفرسان والنبلاء، واقنعهم إيتان ان البحر المتوسط سينشطر لهم ليشقوا طريقهم الى الأراضي المقدسة (!!) وأمن بدعوته الكثير من الأطفال بلغوا اكثر من 30 الف من مختلف الممالك والمدن من الأولاد والبنات هربوا من ذويهم من ألمانيا وشمال فرنسا واتجهوا الى ايطاليا، وكانوا كلهم في سن الثانية عشرة تقريبا فيما يعرف بـ”حملة الأطفال الصليبية” Croisade des Enfants، واستقبلهم البابا اينوسنت في روما وبارك الحملة في خطوة استفزازية لفرسان اوروبا (!!) ثم اكملت الحملة طريقها لمواني الجنوب، فغرر بهم المغامرون وأصحاب السفن وتجار الرقيق وأعلنوا انهم على استعداد لنقل كل الصِبية إلى الأرض المقدسة مجانا، فركبوا في سبع سفن، غرقت اثنتان منها في عاصفة قرب جزيرة رودس وبيع ركاب الخمس الباقيين كعبيد أيضا في الثغور الأسلامية اهمها الأسكندرية وتونس وباعوهم هناك بيع الرقيق وكان المقابل كبير..!

ويرى بعض المؤرخين ان حملة الأطفال لم تكن سوى جموع من الأقنان والفقراء Purei الذين استاءوا من الفشل الذي لاقته الحملات السابقة بقيادة الأسياد، وانهم الريفييون المتحمسون دينيا والمعادون للاقطاعية بدوافع تحررية فكان دافعا للخروج، في حين يشكك البعض الأخر في الرواية كلياً مثل الباحثة كارين أرمسترونج (في الأصل كانت راهبة كاثوليكية) وتقول بأنها من اساطير انتشرت بالعصور الوسطى، ولكن القصة بالتفصيل وردت في كتب مؤرخين عدة أرّخوا لفترات متباعدة مثل ستيفين رونسيمان وجوناثان ريلي سميث، وتكلموا عنها كحقائق تاريخية مؤكدة، بالإضافة الى انها كانت موضوع لكثير من الروايات والمسرحيات بالأدب الفرنسي والأنجليزي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وفي عام 1215م تلقى الملك الكامل حاكم مصر، نيابة عن الملك العادل والذي كان في الشام وقتئد، مبعوث الملك فريدريك الثاني لتحرير اطفال الحملة الذين تم بيعهم مصر وقَبِل الملك الكامل سفارة الملك فريدريك وتم تحرير الأطفال وعودتهم الى اوطانهم.

الحملة الصليبية الخامسة (حملة جان دي برين)

في يونيو عام 1218م خرج جان دي برين Jean de Brienne ملك بيت المقدس (الرمزي) من عكا في اسطول ضخم يضم اكثر من سبعين الف فارس واربعمائة الف جندي ونزلت الحملة في دمياط، وحاصرت الحصن المقام لحماية مصب النيل من دخول الأعداء، وخرج الملك الكامل نحو دمياط للدفاع عنها، وامر باخراج العربان شمال الدلتا وأمده الملك العادل بقوات اضافية ولكن تم استيلاء الفرنجة على الحصن، وفتحوا مصب النيل ودخلت سفنهم منه، وواصلت التقدم نحو دمياط ووصل الخبر للشام حيث الملك العادل الذي مالبث ان مرض وتوفي بعدها بايام حزنا عليها، وبذلك خلص الملك لأبنه الملك الكامل، والذي اقام جسرا عظيما جنوب دمياط ليقطع مصب النيل امام تقدم سفن الفرنجة فاستولوا عليه وحطموه بعد ان انفق الكامل عليه قرابة السبعين الف دينار!.. ولم ييأس الكامل فأمر بأن تغرق عددا من السفن في عرض النيل وان يتولى الرماة حماية الشواطئ للحيلولة دون تقدم سفن الفرنجة، فاحتالوا على ذلك بأن حفروا خليجا قديما اسمه الخليج الأزرق كان يجري فيه النيل قديما ولكن طمرته الرمال شمال الدلتا، فحفروه في زمن قياسي وعبرت منه سفنهم الى المنزلة حيث تعسكر جيوش الكامل وهناك بدأت المناوشات. كل هذا ودمياط لاتزال امنة يحميها سورها وتتدفق عليها جيوش المماليك في حين اخذت العربان تقض مضجع جيوش الفرنجة وتخطف العديد منهم ليلا، ونشبت عاصفة شديدة قطعت مرسى احدى سفن الفرنجة ودفعت بها نحو المماليك على الجانب الأخر فغنموها بما تحمل من عتاد وجنود..

800px-Capturing_Damiate

ولكن في الوقت نفسه كان هناك بعض الأمراء استغلوا فرصة وفاة الملك العادل وانقلبوا على ابنه يرغبون في ازاحته والأستيلاء على الحكم، فعلم بالخيانة وهرب على اشموم طناح (جنوب دمياط عند دقهلة الحالية)، فأصبح الجنود بلا قيادة فتشتت كلمتهم وتركوا القتال ورحلوا خلف السلطان، واستغل الفرنجة الفرصة وهجموا على معسكر المماليك الخاوي وزادوا من حصارهم حول دمياط لمدة سبعة عشر شهرا ثم استولوا عليها في نوفمبر 1219م فأعملوا السيف في اهلها ونهبوا منها الكثير وبدأوا التقدم جنوبا، فأرسل الملك الكامل في طلب المدد من امراء البيت الأيوبي في الشام وعسكر بجنوده قبالة سواحل طلخا، فنصره أخوه الملك المظفر عيسى صاحب دمشق ونصره على الأمراء الخونة اولا ثم تفرغ الأثنان لقتال الفرنجة الذين وصل لهم مدد في دمياط قادم من قبرص وساحل الشام، وبدأت المعركة عند بحر اشموم طناح، وتفوق الكامل بجنوده وقطع السبيل على الفرنجة في العودة الى دمياط، فاضطربوا وبدأوا يفاوضون الكامل في الجلاء عن دمياط مقابل التنازل عن بيت المقدس و عسقلان وطبرية وجبلة واللاذقية والكرك فرفض الكامل واثر استكمال القتال بعد ان حوصر الفرنجة بالوحل والنيل وجيش المماليك، فطلبوا الأمان فوقف الكامل القتال وطالبهم بتحرير دمياط، وتم تسليمها في سبتمبر 1221م. وعادت حملة جان دي برين خاوية الوفاض الى عكا.

9653168_orig

في التدوينة القادمة ان شاء الله نحكي كيف تنازل الملك الكامل عن بيت المقدس بمنتهى السهولة للملك فريدريك الثاني ملك النورمان وصاحب صقلية.. وكانت خطوة مثار كراهية كل البيت الأيوبي للملك الكامل.. فتابعونا..

طالع هنا قائمة بأسماء سلاطين مصر في العصر الأيوبي.

مراجع:

  • جمال الدين الشيال – تاريخ مصر الأسلامية ج2 – دار المعارف 2007
  • محمد عبد الله عنان – مصر الأسلامية وتاريخ الخطط المصرية – هيئة الكتاب 1998
  • المقريزي، الخطط ج3، مطبعة النيل1326هـ
  • Chronique d’Ernoul et de Bernard le Tresorier – Paris 1996
  • Histoire de Geoffroy de Villehardouin – Lombards Library
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 33
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    33
    Shares
  •  
    33
    Shares
  • 33
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

5 thoughts on “حملات صليبية توجهت نحو مصر (1)

شاركنا برأيك فيما قرأت!..