حكاية “الأُورْطَة” السودانية المصرية في المكسيك

حكايات من خارج مصر عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 55
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    55
    Shares

كان يوم مشمس من اواخر شهر فبراير من عام 1867م، وكانت المراكب الفرنسية تستعد لمغادرة ساحل المكسيك، على احدى المراكب تحمل اسم (لاسِين)، كانت الأورطة (الكتيبة) السودانية المصرية، بينظروا للشاطئ بحزن، وهما مش عارفين يفرحوا لعودتهم لبلادهم بعد اربع سنين قضوها في الغربة!.. ولا يزعلوا على زمايلهم اللي ماتوا والبهدلة اللي اتبهدلوها في بلاد مايعرفوش مكانها فين على الخريطة، ولا يعرفوا لغتها ولا لهم اهل فيها.. اتكتب عليهم الحرب ضد عدو مايعرفوهوش.. ومافيش فرصة للتراجع!.. يبقا خلاص “إذن هي الحرب”!!.. يبقا الجنود تموت عشان الملوك تعيش، ويتداس عليهم عشان يرفع القادة رايات النصر، ويدخلوا بعدها الملوك على الخيول فاتحين منتصرين… ايه اللي حصل من البداية؟.. تعالوا نشوف..

Disturnell1847

اندلعت في المكسيك عام 1858م حرب أهلية بين قوتين احداها كانت بتمثل بقايا المستعمر الأسباني اللي كان رحل عن البلاد من وقت قليل ودول كانوا دينيين محافظين ولائهم للكنيسة وكان قائدهم واحد اسمه ميجل ميرامون، والتانية من اهل البلاد الأصليين (الهنود) بزعامة واحد اسمه بنيتو خواريز، وانتهت الحرب عام 1861 بانتصار اهل المكسيك واعلان الجمهورية المكسيكية وتنصيب خواريز اول رئيس جمهورية ليهم، وطرد ميرامون ورجاله. و اتخذ الرئيس بمباركة شعبية خطوات جادة للحد من سلطات الكنيسة على الدولة، وأول من اعترف بالثورة ودعمها كانت حكومة الولايات المتحدة اللي تنازلت لها حكومة المكسيك الجديدة عن ولاية نيو مكسيكو ورسمت حدود جديدة معها على نهر ريوجراندي اللي موجودة لغاية النهاردة..

قبل كدا كانت حكومة ميرامون اقترضت من مُرابي سويسري مبلغ 750 الف دولار امريكي وأخد المرابي منهم سندات بمبلغ 15 مليون دولار (!!) فلما راح المرابي يطالب بيهم حكومة الرئيس الجديد خواريز، فقال له فيما معناه: “مانعرفكش ومالكش حاجة عندنا!..”. فلجأ المُرابي عن طريق قنصل فرنسا في المكسيك، الى نابليون التالت امبراطور فرنسا يناشده التدخل مقابل التنازل عن 50% من الدين، كمان لجأ رجال الدين المسيحي في المكسيك ومنهم البطريرك الى الأمبراطورة أوجيني زوجة نابليون التالت (وهي من اصل اسباني) لأقناع زوجها في اقامة امبراطورية قوية في المكسيك تابعة للتاج الفرنسي ويعيدوا فيها سلطات الكنيسة مرة تانية. ووافق نابليون التالت وطلب المعونة من حكومات بريطانيا واسبانيا للتدخل لو مادفعتش المكسيك الدين اللي عليها (وهو متأكد انها مش هاتدفع)، خاصة بعد ما رفضت حكومة المكسيك الجديدة كمان دفع ديون بريطانيا سنة 1861 وطردت سفراء الأكوادور واسبانيا وجواتيمالا بحجة التدخل في شئون البلاد (خطوات ثورية بتاعت ناس واثقين من نفسم!). وكان الأمبراطور عارف كويس جدا ان المكسيك بلاد واسعة وخيراتها كتير واهلها من الهنود ومافيش مهاجرين اوروبيين كتير زي امريكا، ومن هنا بدأت الأطماع.

The-French-intervention-in-Mexico-began-in-January-of-186-405x198

 في 14 ديسمبر 1861 انزلت فرنسا قواتها واحتلت شواطيء المكسيك وموانيها المقابل للمحيط الأطلنطي، ومعاها مشاركة بسيطة من قوات اسبانيا وانجلترا، وابتدت تحصل الجمارك والضرايب من الناس لحساب الدول التلاتة، ولما ابتدت فرنسا تتصل بحكومة المكسيك (الثوار) بدون الرجوع لباقي الدول، وكمان ابتدت قوات من ثوار المكسيك تهاجم الجنود حرب عصابات وابتدت كمان الامراض والأوبئة بتاعة البلاد الغريبة عن الأوروبيين تهاجم الجنود فانسحب الانجليز والأسبان في مارس 1862 وسابوا “الجمل” المكسيكي بما حمل لفرنسا. ومن ناحية تانية تحرك قوات الثوار من اكتر من جهة وابتدت تحقق انتصارات على الفرنسيين وتهدد وجودهم.

268726.jpg

فقالت فرنسا انها لازم تعمل “تحالف” جديد يساعدها في غزو المكسيك، فأمر نابليون الثالت بارسال محاربين من الجزائر، وكانت تحت الأحتلال الفرنسي وقتها، وطلب من محمد سعيد باشا والي مصر، واللي كان صديق طفولة وزميل دراسة قديم له، انه يمده بعساكر من مصر لأنه عرف عنهم قوة التحمل وسمع عن معاركهم اللي كانت في الجزيرة العربية والأناضول والمورة واليونان، فقال ان هما دول اللي هايستحملوا الامراض والطقس الشديد بتاع المكسيك!..

فأمر الوالي بارسال كتيبة من الفيلق 19 من الجيش المصري وكان عددهم 453 ظابط وعسكري (حاجة كدا صغيرة عشان الأحراج!) وكان اغلبهم عساكر من السودان اللي كان تحت الحكم المصري وقتها، وبعت لهم نابليون التالت سفينة فرنسية اسمها (لاسِين) اخدتهم ليلة 8 يناير سنة 1863، وكان عددهم (3 ظباط، و8 رقيب، 15 عريف، 459 عسكري، و39 مجند، 22 طفل) والأطفال من سن 12 الى 15 سنة نقدر نقول خطفتهم شرطة الأسكندرية من متشردي الشوارع وبعتتهم لخدمة الكتيبة شبه عراه حفاه (!!) ووصلت السفينة سواحل المكسيك في 23 فبراير، بعد ما مات منهم 7 في الطريق من التيفويد وبعض الأمراض الصدرية.. وبعد اكتر من 3 شهور تفشت الصفراء في الجنود المحاربة في المكسيك وراح ضحيتها فائد الجيش الفرنسي وكثير من الظباط والجنود الفرنسيين، ومعاهم قائد الكتيبة المصرية فكان لازم من ترقية اللي بعده واللي بعده عشان القيادة والأوامر، وبحلول نهاية عام 1863 كان مات من الكتيبة 47 فرد منهم 43 واحد من الأمراض، رغم ان المؤرخين الفرنسيين بيقولوا انهم كانت مقاومتهم للأمراض وطقس المكسيك الحار اشد بكتير من الفرنسيين!..

لما تعامل الفرنسيين مع الكتيبة المصرية اشادوا بتناسق اجسامهم ولياقتهم البدنية ونظافة الملبس وحسن الهندام، لكن كانت فيه مشكلة في التعامل معاهم بسبب اللغة، ودي حلها الأخوة الجزائريين المجندين في الجيش الفرنسي اللي قاموا بدور المترجم، وكمان الطباع والعادات، يعني كانوا الفرنسيين بيشربوا خمور بالليل والجنود عايزين “ترفيه” وكدا، والأورطة بتاعتنا مالهومش في الكلام دا وكمان كان فيه مشاكل في اطعام العساكر واللي كان مسئولية الفرنسيين لأنهم مسلمين وعايزين أكل “حلال”، وكان بيقدم لهم بكميات لا تتناسب مع مشقة العمل. وكان السلاح اللي معاهم مش مناسب للذخيرة اللي موجودة فتم استبدالها ببنادق فرنسية وتم اعادة تقسيم الكتيبة على النسق الفرنسي.

وبدأت الجيوش في التحرك ومواجهة الثوار، وهنا تلعب الكتيبة المصرية دور كبير في تأمين خطوط السكك الحديد واللي كانت لسة داخلة المكسيك وكانوا الثوار بيضربوهم ويقطعوا استكمال الخط، وبعد احتلال الجيوش الفرنسية لميناء “فيراكروز” ونجاحهم في احتلال العاصمة نيو مكسيكو في يونيو 1863 اقامت احتفالات كبيرة بالنصر وجابت فرنسا شقيق ملك النمسا وكان اسمه ماكسميلان، واقنعوه انه يبقا امبراطور على المكسيك تحت التاج الفرنسي، واوكلوا للكتيبة المصرية مهمة تأمين الأحتفالات، كمان في استعراض الجنود (العرض العسكري) اعجب القائد الفرنسي بجنود الكتيبة، واختار منهم ناس عمل منهم حرس للأمبراطور ماكسميلان وبيته.

Maximilian_emperor_of_Mexico

وكانت التقارير بتوصل للقاهرة عن اوضاع الجنود المصريين والسودانيين في المكسيك،و بتشيد باداءهم المتميز حسب اراء الفرنسيين، وعشان يشد الخديوي اسماعيل حاكم مصر الجديد من أزرهم امر بارسل معونات ونفقات لأرامل واهالي اللي ماتوا هناك، وبعت رسالة لقائد الكتيبة في المكسيك بيقول:

“الرجاء إعلام كل رجالنا معكم بضرورة الجلد والصبر حتى يحافظوا علي السمعة الحسنة التي اكتسبوها في المكسيك وأن يواصلوا أعمالهم بكل جد حتى يعودوا لديارهم و يحصلوا علي عظيم التقدير والامتنان من إخوانهم، وسوف نقوم بتجهيز مزيد من القوات لعونهم وسيصلهم هذا المدد قريبا إن شاء الله. عندها سنأمر بعودتكم إلي أوطانكم بعد أن تطاول بقائكم في المكسيك..” توقيع حضرت خديوي مصر اسماعيل باشا

وطلب نابليون التالت من الخديوي اسماعيل انه يبعت المزيد من الجنود المصريين والسودانيين لأن الحرب بتشتد عليهم مع مرور الأيام، وكمان اوبئة الدوسنتاريا والصفراء كانت بتحصد في الجنود الفرنسيين، فأرسل خديوي مصر سفينة للسودان بتحمل رسالة لحاكم مصوع وسواكن بارسال المزيد من الجنود، فاعتذر حكام البلاد دي لتفشي وباء بالبلاد يمنعه من ارسال المزيد فرجعت السفينة تاني على القاهرة واتقفل الموضوع ونحمد الله على كدا..

images

اما بقا في المكسيك كان الثوار، رغم المعارك الضارية اللي بتشنها فرنسا ضدهم، بيحققوا المزيد من التقدم قدام القوات الفرنسية واللي معاهم، في حين كانت الحرب الأهلية الأمريكية انتهت في 1865م بانتصار قوات الشمال على الجنوب، وعليه طلبت حكومة الولايات المتحدة من فرنسا سحب قواتها من المكسيك ورفضت الأعتراف بالأمبراطور ماكسميلان والتعامل مع الرئيس خواريز وحكومته ممثلا للشعل المكسيكي، فعرف الفرنسيين ان وجودهم في المكسيك ايامه معدوده، وبالذات بعد ما ارسلت حكومة واشنطن قوات عسكرية عبرت نهر ريوجراندي في اتجاهها للمكسيك، فأعلن نابليون التالت عن نيته بسحب قواته من المكسيك وساب الأمبراطور ماكسميلان لوحده بعد ماهربت زوجته على اوروبا، وانتهي بيه الأمر انه هجم عليه الثوار في قصره واعدموه رميا بالرصاص في 19 يونيو 1867م!..

800px-Execution_of_maximillian_mejia_miramon.png

وغادرت الكتيبة المصرية المكسيك في فبراير 1867م مع جنود فرنسا اللي رجعوا على بلادهم بيجروا اذيال الخيبة!.. بعد اربع سنوات خاضوا فيها المصريين 48 معركة وفقدوا 140 فرد مابين قتيل في المعارك او من مات من الاوبئة او من قرر البقاء في المكسيك ورفض الرجوع (!!). وركبوا السفينة بتاعتهم (لاسِين) وراحوا مارسيليا ومنها لباريس لتكريمهم من امبراطور فرنسا في ابريل 1867، واستقبلهم نابليون التالت واحسن ضيافتهم وصرف نياشين وانواط ومكافأت لهم، وبعدين اقلتهم السفينة لميناء الأسكندرية اللي وصلوها في مايو 1867 فكان في استقبالهم الخديوي اسماعيل ووزير الحربية فلقاهم 313 فرد (بعد 473 فرد كانوا مسافرين)!.. وكان اغلبهم غير ماسافروا تماما، وبيتكلموا فرنساوي وحاملين لأنواط من فرنسا، وعملوا عرض عسكري في ساحة قصر راس التين وانعم عليهم الخديوي بأنواط شجاعة وصرف لهم رواتب ومكافأت عاليه.

stock-photo-french-intervention-in-mexico-egyptian-battalion-landing-in-veracruz-from-la-seine-created-by-97815821.jpg

قالوا عن الكتيبة السودانية المصرية في حرب المكسيك:

«إنها كانت ذات ملابس حسنة وسلاح جيد وهيئة أنيقة واستعداد عسكري يثير إعجاب كل من يراه» – أول تقرير فرنسي من الجنرال المسئول عن الكتيبة المصرية.


«ومن الصعب العثور على كلمات يمكن التعبير بها عن بأس هذه الأورطة البارعة وبسالتها وصبرها على الحرمان واحتمال المشاق وحميتها في إطلاق النار وجلدها على السير» – تقرير القائد العام الفرنسي لمنطقة الأراضي الحارة


«أبلت الحملة بلاء حسنًا، ولم يبالوا بقوة النيران التي أُطلقت عليهم، وردوا المهاجمين الذين يفوقونهم عددًا بنسبة تسعة إلى واحد» – القائد الفرنسي لمنطقة فيراكروز عن معركة 2 اكتوبر 1863


«لقد قاتلت الأورطة بشجاعة نادرة. لم أشاهد قتالًا نشب في هدوء وحماس كما شاهدتهم، فكانت أعينهم وحدها هي التي تتكلم، وكانت جرأتهم تذهل الجميع» – القائد العام للقوات الفرنسية في تقرير ارسل نسخة منه لوزارة الحربية المصرية


«هؤلاء السود من أبناء أفريقيا شديدو الاحتمال لطقس المكسيك وخيم الهواء» – أميرة في بلاط الأمبراطور ماكسميلان


«لهم روحا قتالية لا تدعهم يتركون أسيرا ليعيش. لم أر في حياتي روحا قتالية كالتي رأيتها عند هؤلاء المصريون. تري إصرارهم في نظرات أعينهم و شجاعتهم تفوق الوصف. إنهم ليسوا ببشر بل هم أسود ضارية» – الجنرال ليجيه قائد بالجيش الفرنسي في تقرير ارسل لباريس عام 1865


 «ورد على مسامعنا ما قمتم به من ثبات وإقدام في الحرب، وما أبديتموه من شجاعة ومهارة، ما أوجب الالتفات إليكم من الدولة الفرنسية، وارتحنا غاية الارتياح لما ظهر منكم فحافظتم على الشرف الذي حصلتم عليه من الحكومة المصرية…. وأقصى آمالنا انقيادكم للأوامر التي تصدر من الجنرال الفرنسي، وحصول سرورنا يكون بحصول سرور الجنرال وسرور الدولة الفرنسية من أفعالكم» – اسماعيل باشا خديوي مصر من سجلات قصر عابدين

بيعتبر اللي كتبه البرنس عمر طوسون عام 1933 (بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك) هو اكبر واشمل مرجع بيؤرخ للكتيبة اللي حاربت في المكسيك، واللي كان مزود باصول التقارير العسكرية والدفاتر من سجلات الحربية وقصر عابدين واللي بتحكي الموضوع بالتفصيل وبالمعارك اللي خاضتها الكتبية في المكسيك لو القارئ يحب يعرف المزيد عنها. كمان فيه مقال لكاتب توماس يون في المجلة الأوغندية بيقول انهم عثروا على بقايا اغراض لجنود من الكتيبة دي بعد ما رجعوا من المكسيك بتحتوي على ملابس ورسايل بتحمل كثير من الأحداث اللي حصلت لهم هناك. كمان فيه رواية حديثة للكاتب محمد المنسي قنديل بعنوان (كتيبة سوداء) بتؤرخ للحدث وبتحكي قصص لبعض الجنود ومدى المصاعب اللي واجهتهم والبهدلة اللي شافوها من حرب اتكتبت عليهم وموت كانوا بيواجهوه يوميا عشان العلاقات بين ملوك الدول!.. فالكتيبة ايا كانت هي بتساعد المحتل ضد ثوار وطنيين في بلاد لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا حتى يعرفوا مكانها على الخريطة!!..

350px-الأورطة_المصرية_في_حرب_المكسيك.jpg

لطفا لو عجبتك التدوينة تشيرها عشان فايدتها تعم على الكل، وماتبخلش علينا بفولو للمدونة ولحساب تويتر اللي باين تحت على اليمين..

مراجع:

  • بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك – سمو البرنس عمر طوسون 1933
  • موقع Ancient Sudan – مقال (سودانيون في المكسيك).
  • موسوعة المعرفة
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 55
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    55
    Shares
  •  
    55
    Shares
  • 55
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..