حفل افتتاح قناة السويس.. ليالي الأنس في “الاسماعيلية”!!

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 20
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    20
    Shares

تكلمنا في التدوينة السابقة عن تاريخ نشأة فكرة حقر قناة السويس منذ البداية، وكيف منح والي مصر محمد سعيد باشا امتياز حفرها لصديقه فيردناند ديلسبس بشيء من الأجحاف لحق مصر في السيادة على جزء هام من اراضيها، واليوم نكمل حوارنا لنرى كيف كان حفل افتتاح قناة السويس وماذا جنت مصر من وراءه.. خليكو معانا!!..

الدعوة للحفل من كافة شعوب العالم

في 25 أبريل 1859 دشن ديلسبس كما قلنا اعمال حفر القناة في عهد الوالي محمد سعيد، وانتهى العمل بها خلال عشر سنوات في عهد الخديوي إسماعيل الذي سعد بهذا الأنجاز وسافر إلى أوروبا بنفسه في مايو 1869م لدعوة الملوك والأمراء ورؤساء الحكومات ورجال السياسة والعلم والأدب والفن لحضور الحفل الذي اعده لافتتاح القناة، والمقرر اقامته في نوفمبر من العام نفسه. ثم عاد الخديوي إلى مصر وبدأ في الإشراف على الإعداد للحفل الكبير، فكلف مايزيد عن 500 طباخ و1000 خادم ليكونوا في خدمة الضيوف، وطلب من ديلسبس تقديم المساعدات لضيافة قرابة 6000 مدعو.

وفي أكتوبر 1869 بدأ المدعون بالقدوم الى بورسعيد، المدينة الجديدة التي انشئت خصيصا لتكون مقرا لشركة القناة ومكانا لاستقبال ضيوف الاحتفال، وأوعز الخديوي إلى مديري الأقاليم المختلفة ليرسل كل منهم جماعة من الأهالي بنسائهم وأطفالهم وأدواتهم البيتية وركوبهم (الحمير والجمال)، لينتشروا على طول القناة، أعراب وسودانيين وفلاحين وصعايدة، تعبيراً عن كافة طوائف الشعب المصري، حتى ضاقت أرجاء المدينة بالضيوف القادمين من جميع أنحاء مصر والعالم لمشاهدة فعاليات الافتتاح. ثم سافر الخديوي مع حاشيته ووزيريه نوبار باشا ومحمد شريف باشا إلى الإسكندرية، واستقل يخته الملكي “المحروسة” من مرفأ قصر رأس التين وأبحر به إلى بورسعيد، ورأى بنفسه السفن قادمة من جميع أنحاء العالم تحمل ضيوفه الحاضرين على نفقته الخاصة (!!) واصطفت أساطيل الدول في ميناء بورسعيد ومن ضمنها قطع الأسطول المصري، وايضا انتشرت على ضفاف القناة قوات الجيش المصري مشاه ومدفعية، للحفاظ على النظام وتأمين الاحتفال. وانطلقت طلقات المدافع مدوية احتفالا بوصول الضيوف واحدا تلو الآخر.

مراسم الأحتفال الأسطوري

وانتقل الضيوف بعذ ذلك الى الإسماعيلية، حيث بدأت فعاليات الأحتفال في 16 نوفمبر 1869م بحفل ديني، وهناك أقيمت ثلاث منصات خشبية كبيرة على شاطئ البحر قرب مقر اقامة الخديوي اسماعيل هناك، مكسوة بالحرير والديباج ومزينة بالأعلام ومفروشة بأثمن انواع السجاد العجمي تم استقدامه خصيصا من إيران، واصفت فيها الكراسي ونشرت في أرجائها الرياحين والورود. كانت منصة الوسط للضيوف وعلى رأسهم مضيفهم خديوي مصر، وكانت المنصة اليمنى على الجانب الأفريقي من القناة للعلماء المسلمين مشايخ الأزهر الشريف  ومفتي مصر وبعض رجال الدعوة، فيما خصصت المنصة اليسرى لأحبار الدين المسيحي ورجال الإكليروس أسقف الإسكندرية و الرسول البابوي مبعوث بابا روما وواعظ الأمبراطور نابليون الثالث. وعلى الجانب الأخر (الشاطئ الآسيوي) خيالة بورسعيد وعلى الشاطئ الإفريقي المظلات البديعة للجماهير المدعوين من مصر وجموع العالم. واصطفت السفن بالميناء على شكل قوس وكان عددهم حوالي 80 سفينة الى جانب 50 قطعة حربية منها 6 قطع مصرية و6 فرنسية و12 إنجليزية و7 نمساوية و5 ألمانية و1 روسية و1 دنماركية و2 هولنديه و2 أسبانيه.

في الساعة الثانية بعد الظهر، جاء المدعوون الى الإيوان الرئيسي والمظلات الى ان جلس كل في مكانه بنظام شديد، وكانت الإمبراطورة أوجيني زوجة نابليون الثالث ملك فرنسا في الوسط في الصف الأول، وإلى يمينها إمبراطور النمسا وعلى يسارها الخديوي إسماعيل ثم ولي عهد بروسيا ثم ولي عهد هولندا وزوجته وإلى اليسار جلست مدام إليوت زوجة سفير إنجلترا في الأستانة وكيلا عن السلطان العثماني الذي لم يحضر بنفسه افتتاح القناة (!!) ثم السفير إليوت ثم الأميرة مورا، وعلى اليمين جلس الأمير محمد توفيق باشا ولي عهد مصر يليه الأمير هوفمان لو ثم مدام أجنانيف ثم الجنرال أجنانيف.

ودوت طلقات المدافع متتابعة من كل الجهات إيذاناً ببدء الحفل الديني. ووقف شيخ الإسلام (شيخ الجامع الأزهر) محاطاً بالعلماء وقرأ ما تيسر من ايات القرآن الكريم، ثم دعى الله أن يختص هذا العمل العظيم بعنايته ورعايته، وأن يهيئ له النجاح في كل زمان. يليه مسيو كورسيا يحوطه رجال الإكليروس وقرأ صلاة حارة دعى فيها الله فيها أن يكلل هذا العمل ويباركه بروح من عنده. ثم تقدم المسيو بوير مبعوث البابا وألقى خطبة بليغة باللغة الفرنسية موجهة لشخص الخديوي.

وعند المساء تم اعداد موائد الطعام متتابعة لأكثر من 6000 مدعو، وبها أشهى الأطعمة والشراب، حتى إذا حلت الساعة الثانية ليلا بدأ ظهور الأنوار والزينات على ضفتي القناة. وظهر يخت الخديوي المحروسة تحيط به الأنوار وأخذ يطلق طلقة مدفع بين دقيقة وأخرى، والموسيقى تدوي حتى اختتمت الحفلة بالألعاب النارية. وعند شروق شمس صباح يوم 17 نوفمبر كانت السفن التجارية تمر في القناة ذهابا وايابا في طريقها الى غايتها، يتقدمها اليخت الملكي المحروسة ويخت الإمبراطورة أوجيني.

وبلغت نفقات حفل افتتاح قناة السويس وحده اكثر من 1.4 مليون جنيه مصري، في حين بلغت تكلفة الانشاءات اللي اقامها الخديوي استعدادا للحفل حوالي 6.6 مليون جنيه، تحملتها خزانة الحكومة المصرية بالكامل، وصدق عليها الخديوي اسماعيل عاهل مصر بنفسه ووزير ماليته اسماعيل باشا المفتش، ولا يوجد في ذلك الوقت دولة مهما بلغت من الغنى والعظمة تقبل ان تكلف احتفالا ما ايا كان هذا المبلغ الباهظ الضخم.

خسارة مصر لحصتها في اسهم شركة قناة السويس

في عام 1875 مرت خزانة البلاد بأزمة مالية طاحنة اجبرت الخديوي إسماعيل على بيع حصة مصر من أسهم القناة (51%) لبريطانيا بمبلغ 100 مليون فرنك (حوالي 4 مليون جنيه) في نوفمبر 1875. وبذلك حلت الحكومة البريطانية محل المصرية في ملكية شركة قناة السويس. وعلى الرغم من ذلك فإن الأزمة المالية لم تنفرج، فالمبلغ لم تتسلمه مصر بالكامل وذهب مايقارب النصف بين عمولات سمسرة وغيره، ولم يكفي الباقي للوفاء بأقساط الديون التي تراكمت على الخديوي. فأرسلت الدول الدائنة لجنة لفحص الحالة المالية في مصر لتصفية الديون التي تدين بها مصر لصالح نادي باريس، وكان مؤمن على هذه الديون بأرباح مصر التي تمثل 15% من شركة قناة السويس. فقررت اللجنة بيع حصة مصر من الأرباح نظير مبلغ 22 مليون فرنك. فأقنع اسماعيل باشا المفتش اسماعيل الخديوي ببيعها لحكومة انجلترا، وكان وسيطا بينه وبين السفير البريطاني وقتئذ، وقبض ثمنا باهظا مقابل السمسرة بعلم الخديوي، وبذلك خسرت مصر حصتها من أسهم القناة وحصتها في الأرباح في ظرف 6 سنوات من افتتاح القناة.

ثم انتهت ايام الخديوي اسماعيل بفرمان عزله من السلطان عبد الحميد الثاني ونفيه الى الأستانة، ليتولى بعده ابنه الخديوي محمد توفيق وتبدأ فاصل جديد من الصراع على استقلال مصر تلعب فيه القناة دورا رئيسيا، ونناقش ان شاء الله هذا الأمر في تدوينات اخرى لاحقة.. فتابعونا.

لو اعجبتك التدوينة واضافت الى معلوماتك التاريخية، لطفا شيرها لأصدقاءك للفائدة، ولا تنسى ان تشارك برأيك في تعليق والأشتراك بحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة الموجودة جانبا.. وشكرا.

مراجع:

  • مصطفى الحفناوي، قناة السويس ومشكلاتها المعاصرة ، الأنجلو المصرية 1956
  • عبد العزيز محمد الشناوي، السخرة في حفر قناة السويس، الهيئة العامة للكتاب.
  • جمال حمدان، قناة السويس نبض مصر، عالم الكتب 1975
  • عبد الرحمن الرافعي، عصر اسماعيل ج1، الهيئة العامة للكتاب 2001
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة، قناة السويس
  • المعرفة الموسوعة الحرة، قناة السويس

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 20
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    20
    Shares
  •  
    20
    Shares
  • 20
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *