جيش مصر فى العصر المملوكى

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 39
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    39
    Shares

استمرت دولة المماليك فى مصر حوالى 267 سنة، وشهدت فيها حروب كبيرة وعظيمة بسبب محاولات غزو مصر  والشرق الأوسط عن طريق قوى كبرى كالصليبيين و المغول و الأتراك وغيرهم. ومن معارك الفترة دى سبق وتكلمنا عن معارك المنصورة و فارسكور ، وعين جالوت، و معركة Elbistan (البستان)، و حصار عكا، ووادى الخزندار، ومرج الصفر،  ومعركة أضنة وغيرها.. تعالوا النهاردا نتكلم عن تكوين وامكانيات جيش مصر في العصر المملوكي في وقت السلم والحرب، تدوينة النهاردا طويلة شوية لكن دسمة ومليانة معلومات هامة.. خليكو معانا..

في العهد المملوكي كان متوسط تعداد الشعب المصري حوالى 3 مليون نسمة، وكانوا بيحصروهم بشكل تقريبي من خراج مصر السنوي كل عام. وكان تعداد القاهرة وحدها كان حوالى 600 ألف نفس، ومتوسط تعداد المماليك بالكامل فى مصر كان حوالى من 6 الى 10 الاف معظمهم عايشين فى القاهرة والأسكندرية. المماليك اللي انخرطوا في السلك العسكري كان لهم رتب ودرجات طبقا للأقدمية والمهارة، في العادة بيتم ترقية المملوك من رتبة الجندي أو العسكري لرتبة الفارس تبعا لمهاراته ليحصل على اقطاع صغير يقدر يعيش منه وبيكون عبارة عن محل أو بستان أو ارض زراعية أو حقل حسب درجته، ويتدرج في المناصب ليصبح أمير خمسة، ثم أمير عشرة ثم أمير طبلخانة (ترافقه مجموعة من العسكر تصل لخمسين عسكري معهم طبول ومزامير وكوسات) ثم أمير مائة ثم مقدم ألف وهي اعلى رتب الجندية. وكلما علت رتبة المملوك كلما زاد اقطاعه فيكون قرية أو مدينة بالكامل بما فيها من محلات واراضي وبيوت وحقول وبساتين وخلافه.

الجيش في عصر المماليك

وكان الجيش المصري في العهد المملوكي بوجه عام يتكون من…

مملوك مدججا بكامل سلاحه

المماليك السلطانية وكانوا مماليك السلطان المميزين بالولاء الشديد للسلطان، وكان اسمهم (الخاصجية) وهم حرس السلطان أو القوات الخاصة بمفهوم اليوم، وعددهم في حدود الألف أو أكثر، وكانوا عادة يعيشوا بجوار السلطان فى قلعة الجبل في معسكرات خاصة ولم يكن القتال بالمعارك من مهماتهم الا لو خرج السلطان ليقود المعركة بنفسه وتكون مهمتهم حمايته بالدرجة الأولى أكثر من القتال، وكانوا من أكثر المماليك نفوذا وجاها. الأمير المشرف عليهم كان يطلق عليه “رأس نوبة” وكانت رتبته عالية جدا بين المماليك،

مماليك الأمراء وهم بمثابة ميليشيات أو كتائب خاصة لكل أمير لحمايته و حماية اقطاعه ونفوذه، ينفق عليهم ويتولى اعاشتهم واعدادهم بنفسه، على أن يكون ولاءهم للسلطان الى جانب الأمير (استاذهم) وايضا تنضم للجيش وقت الحرب.

عسكر (أجناد) الحلقة وهم العسكر المهيأين والمدربين على القتال وكانوا من المماليك ممن يحملون رتبة الجندي ولم يتدرج في سلك الامارة او الفروسية، وهم بمثابة الجيش النظامي أو العمود الفقري للجيش، وكانوا مقسمين لكتائب يشرف على كل مائة منهم “أمير مائة”، وكانوا عادة ما يعيشون فى معسكرات فى القاهرة والصالحية واسكندرية ودمياط واسيوط وغيرها. وكان من اهم مهارات الجندية اللي بيتدربوا عليها باستمرار هي المبارزة بالسيف والضرب بالرمح و المصارعة بالأيدي والرمي بالنبال (السهام) وتستلزم تربية بدنية عالية (لياقة) قد لا تتوفر للكثير من الجيوش النظامية في ذلك الوقت.

فرسان العربان أحد أسلحة جيش المماليك

عساكر الرديف (الأستدعاء) وكانوا عامة من المصريين من سكان القرى والمدن في نواحى مصر، وكان يتم استدعائهم للخروج مع الجيش وقت الحرب و من ضمنهم قدامى العسكر ممن كانوا ينتمون لفئة أجناد الحلقة وفرسان العربان وهم البدو المحاربين مع جيش المماليك.

المتطوعين وهم من كانت توجه لهم دعوة “الجهاد فى سبيل الله” أوقات الشدائد أو وقت اعلان النفير العام (التعبئة العامة)، فكانوا يخرجون بالآلاف من ريف وحضر ومدن وقرى مصر للتطوع فى الجيش بغرض الجهاد والدفاع عن البلاد. زي اللي خرجوا لنجدة الجيش في معركة المنصورة 1250م، أو معركة عين جالوت 1260م، وبيحكي بعض المؤرخين ان عدد المتطوعين فى معركة فتح عكا بقيادة الأشرف خليل كان اكثر كثيرا من عدد الجيش النظامي.

المماليك العاديين من كانوا لا ينتمون للسلك العسكري، فكان منهم موظفين يعملون فى دواوين الحكومة و البيمارستان وغيرها. وهم من أولاد المماليك الذين ولدوا ونشأوا وتربوا فى مصر بصفه عامه، وكان  أغلبهم ينخرطون في وظائف حكومية بالدواوين، و كانوا بمثابة طبقة ارستقراطية متمصرة (نبلاء) و كان المصريين يطلقون عليهم اسم (ولاد الناس) ومنهم خرج كُتَّاب وشعراء ومؤرخين كبار مثل ابن تغرى بردي و ابن إياس الحنفي وغيرهم. ومع ظهور جيل جديد من أولاد و أحفاد المماليك تزيد درجة انصهارهم و اقترابهم من المجتمع المصري وابتعادهم عن اصلهم التركي أو الشركسي.

وكان السلطان يتولى تعيين القائد الأعلى للجيش أو (أتابك العسكر) وعادة يكون من كبار أمراء المماليك وأعلاهم رتبة ومقاما والمشهود له بالكفاءة والخبرة القتالية العالية والقيادية، ويكون تعيينه باتفاق كافة امراء المماليك لأنهم سيأخذون اوامرهم منه شخصيا وسيكون وضع خطة المعركة والقتال تحت اشرافه، وسيكون مسئولا أمام السلطان في حالة النصر أو الهزيمة (ان لم يشارك السلطان بالمعارك)، ويتولى اتابك العسكر بعد ذلك توزيع المهام القتالية ووضع الخطط الحربية والتنسيق مع كافة قادة الأفرع أو المهمات أثناء القتال.

وطبعا لا نغفل دور الأسطول في الجيش المملوكي الذي لا يقل عن دور المشاة والفرسان، فالسلطان كان يوصف بأنه خاقان البرين (بر مصر وبر الشام) والبحرين (البحر المتوسط والبحر الأحمر)، وكان للاسطول بحارة مقاتلين مخصوصين غير عسكر الجيش البري، وكانوا بمثابة “مشاة البحرية”، وكانت مهمة الأسطول الأساسية حماية شواطئ البلاد وتقديم دعم لوجستي (نقل رجال وعتاد وسلاح وخيل) للجيش وقت الحروب، ومحاصرة الشواطئ قطع السبل عن جيش الأعداء ومنع وصول الأمدادات والدعم لهم من جهة البحر. قائد الأسطول كان اسمه “الريس”، ويعمل بالتنسيق مع أتابك العسكر (قائد الجيش) أو مع السلطان نفسه، وكان على كل سفينة قائد أو ريس يتبع ريس الأسطول. وكانت قطع الأسطول تتكون من (شواني) وهي جمع لكلمة شيني وهي المراكب المتوسطة حمولة 150 بحار او جندي، وتتحرك بالاشرعة والمجاديف، و(حراريق) ومفردها حراقة وتتميز برشاقتها وقدرتها على المناورة والضرب حمولتها تقريبا 50 : 80 جندي، و(الطرادات) ومفردها طرادة وهي سفن تستخدم لحمل الخيل والمتاع وتسع  80 فرس تقريبا، و(الأغربة) ومفردها غراب وكانت سفينة كبيرة تستخدم لنقل الجنود وتسع 300 مقاتل أو أكثر ومزودة بكباري تستخدم للأنتقال لسفينة اخرى وكانت تشهد قتالا على سطحها كالبر، و(البُطَس) ومفردها بطسة وهي سفينة كبيرة مزودة بأكثر من 40 شراعا لحمل الجنود وتصل حمولتها الى 700 مقاتل غير بحارتها والأسلحة والذخيرة والعتاد، و(المسطحات) ومفردها مسطَّح وهي سفينة عظيمة الحجم كبيرة الغاطس كان منها واحدة او اثنتين بالأسطول وتستخدم لحمل المؤن والعتاد، وتسير خلف السفن جميعا مخافة المناطق الضحلة أو قليلة العمق.

فارس مملوك يضرب بالرمح

وكانت الخيل من اهم عتاد الجيش في عصر المماليك، وكان اهتمام المماليك بتربيتها وتنشئتها والمحافظة على سلالتها العربية الأصيلة اهتماما غير عاديا، وممنوع على العامة ركوبها لعدم مناسبتها لهم من حيث السرعة وأيضا لأنها خاصة بفرسان المماليك فقط، ولابد من العناية بها و تدريبها بطرق مخصوصة قبل المشاركة فى المعارك بدون ان تخاف (تجفل) لإنها لو خافت فى المعركة كانت تَجْمَح فترمي (تقلب) الفارس من فوق ظهرها وتجري بلا روية!.. ومن الخدع التي استخدمها المماليك في المعارك لنشر الرعب في خيل العدو كانت الطبل والنفير مرتفع الصوت، والخدعه التانيه كانت اطلاق إناث الخيل في ساحة القتال فتجري خلفها خيول العدو وتحدث ارتباكات فى صفوف فرسان العدو. وقد واجهت جيوش المماليك فرسان الصليبيين و فرسان المغول و كانوا فرسان على اعلى درجة من المهارة، لذا فكان لابد من العناية بتدريبات الفرسان والخيل على مستوى عال، فكان من مهارات الفرسان تفادي الضربات والقنص بالرمح والسهام والمبارزة بالسيف وهم على ظهور الخيل، كذلك محاصرة فرسان الأعداء في حلقة ليسهل القضاء عليهم. وعلى مدار العصر المملوكي كان سلاح الفرسان هو درة تاج الجيش والذي كان سببا رئيسيا في تفوق المماليك عن غيرهم كثيرا في القتال كما حدث في معركة اضنة 1488م. وكان المسئول عن الإسطبل السلطانى اسمه “أمير آخور” وكان أمير كبير من مقدمى الألوف. ويتحكم ايضا في السروج والألجمه و كافة ادوات الخيل وكان يحتفظ بها فى مخازن اسمها “بيت الرِّكاب” و المسئول عنها كان اسمه “مهتار الركابخانه”.

وكان ايضا للجمال دور فى الحروب كوسيلة لنقل معدات الحرب وجر المتاع الثقيل، وكانت تخرج مع الجيش أعداد كبيرة من الجمال وصلت في كثير من الأحيان لألف جمل وكانت توزع على المماليك و العسكر قبل الخروج من مصر و عادة كان كل مملوك يأخذ جملين و عساكر الحلقة كل اتنين لهم ثلاث جمال لحمل المتاع. وكانت الجمال ايضا تشارك فى القتال، فكانت تحمل الطبول الكبيره وكذلك “الدبنداريه” او من يقومون بالدق عليها بقوة وقت الحصار او وقت المعركه للتاثير على العدو معنوياً و اثارة الخيل و ارباكها كونها عادة ليست متدربه على صوت الطبول، وفى حصار عكا سنة 1291 استخدم الأشرف خليل 300 جمل تحمل الطبول للتأثير على معنويات المحاصرين بقلعة عكا. أو كان دق الطبول بنغمة معينة لنقل اشارات للكتائب الى جانب استخدام الأعلام الملونة وسط المعركة كما فعل المظفر قطز في (عين جالوت). وفى وقت السلم كانت الطبول و الأبواق و الصنوج (الكوسات) و غيرها كان يتم الأحتفاظ بها في مخازن اسمها “الطبلخانه” و كان يشرف على الطبول أمير يسمى “أمير طبلخانة” و كان من أمراء العشرات وكان يشرف على المخازن اسمه “مهتار الطبلخانه”.

كما كانت الثيران والبغال من حيوانات الجيش الهامة لجر المهمات الصعبة كأدوات الحصار  من المنجنيقات والدبابات ومؤخرا المدافع وغيرها، وأحيانا تستخدم لحومها لأطعام الجنود اذا طالت المعارك، وايضا كان الحمام الزاجل من حيوانات الجيش وكانوا يسمونه “البريد الجوى” و كان لنقل الرسائل عن تحركات جيوش الأعداء لمراكز القيادة والأوامر للقواد ، و أيضا بشاير النصر للأمراء في مصر، فتدق بالقلعة طبول البشاير ويفرح الناس ويزينوا القاهرة وينتظرون عودة الجيش المنتصر بالاسرى. وكان من الخدع المستخدمة هو دهان الحمامة بلون ازرق سماوي فيصعب رصدها نهارا أو بلون اسود فيصعب رصدها ليلا، وكانت الرسائل من ورق خفيف يوضع تحت جناح الحمامة لحمايته من الأمطار، وفي المسافات الطويلة كان يتم ارسال الرسالة على محطتين او ثلاثة. وكان السلطان الظاهر بيبرس اول من يهتم بالحمام الزاجل فبنى محطات كتيرة فى مصر والشام والحجاز لنقل الرسائل.

هجوم لأحد كتائب المماليك

وكما تقول المصادر ان المظفر قطز قد خرج للقاء المغول في عين جالوت على رأس 40 ألف مقاتل، فنستطيع أن نجزم ان عدد المماليك في هذا الجيش لا يتعدى 10 الاف والباقي من عسكر الرديف والعربان والمتطوعين بالإضافة لجنود الحلقة، يقول رشيد الدين الهمذاني مؤرخ المغول:

“فقذف المغول سهامهم و حملوا على المصريين، فتراجع قطز و لحقت بجنوده الهزيمه و هنا تشجع المغول و تعقبوه، و قتلوا كثيراً من المصريين، و لكن عندما بلغوا الكمين، إنشق عليهم من ثلاث جهات، وأغار المصريون على جنود المغول و قاتلوهم قتالاً مستميتاً من الفجر حتى منتصف النهار، ثم تعذرت المقاومه على جيش المغول ، و لحقت به الهزيمه آخر الأمر.. ” – رشيد الدين الهمذاني، تاريخ هولاكو ج2

وكان يشرف على الجيش ديوان خاص يعرف بديوان الجيش أو ديوان العسكر، به السجلات باسماء العسكر وأرزاقهم (رواتبهم) ومستلزماتهم من عتاد وذخيرة وخيل وطعام وشراب وخلافه، وكذلك يتولى حصر اقطاعات امراء الجند ممن قتلوا في المعارك ليتم استعادتها وتوزيعها على امراء جدد وهكذا، فالإقطاع في يد المملوك كان لا يورَّث وانما يعاد للسلطان لمنحه لمملوك جديد. ويعمل في الديوان موظفين مدنيين (عادة من المماليك) وبإشراف مباشر من السلطان والوزير واتابك العسكر (قائد اعلى الجيش)، وكان لهم قاضي خاص يطلق عليه اسم (قاضي العسكر) للنظر في نزاعاتهم فيما بينهم او نزاعاتهم مع العامة (المدنيين)، وكان بمثابة القضاء العسكري اليوم.

ونستطيع ان نقول ان الجيش المصري في عهد المماليك توفرت له كافة الأمكانيات المتطورة والتسليح في ذلك الوقت، فاستطاع ان يواجه اقوى جيوش العالم آنذاك كجيوش الصليبيين والمغول والعثمانيين وينتصر عليهم في اغلب المعارك التي دخل فيها، ويعود الى القاهرة داخلا من (باب النصر) مرفوع الرايات ومحملا بالغنائم والأسرى المكبلين بالأغلال وصناجقهم (اعلامهم) منكسة ورءوس قادتهم مقطوعة ومعلقة على اسنة الرماح، يطاف بها في الشوارع و يشاهدها العامة وسط دق الطبول والزينات والولائم والأفراح لعدة ايام.

لطفا لا تنسى مشاركة التدوينة لعموم الفائدة، وتقييم المقال بأعلى الصفحة، ومتابعة المدونة وحساباتنا على مواقع التواصح الأجتماعي ليصلك الجديد منا دائما.. وشكرا.

المراجع:

  • ابن إياس الحنفي، بدائع الزهور .. ، الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 1982
  • ابن أيبك الدوادارى، كنز الدرر وجامع الغررالمعهد الألمانى للآثار الإسلامية – القاهرة 1971
  • ابن تغرى بردي، النجوم الزاهرة ..، دار الكتب و الوثائق – القاهرة 2005
  • جمال الدين الشيال، تاريخ مصر الإسلامية، دار المعارف – القاهرة 2007
  • المقريزى، السلوك لمعرفة دول الملوك، دار الكتب – القاهرة 1996
  • المقريزى، الخطط، مطبعة الأدب، القاهرة 1968
  • رشيد الدين الهمذانى، جامع التواريخ، الإيلخانيون، تاريخ هولاكو ، دار إحياء الكتب العربية
  • سامي بن المغلوث، اطلس تاريخ العصر المملوكي، مكتبة العبيكان الرياض 2013
  • موقع الموسوعة العربية – سوريا
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة
  • المعرفة الموسوعة الحرة

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 39
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    39
    Shares
  •  
    39
    Shares
  • 39
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *