جمعة مصر الحزينة..(2)

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 18
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    18
    Shares

تكلمنا في التدوينة اللي فاتت عن السلطان سليم سلطان الأتراك وازاي انتصر على السلطان الغوري في مرج دابق شمال مدينة حلب بالشام (لطفا اقرا التدوينة اولا عشان تبقا فاهم الموضوع من الأول). وشفنا خيانة قواد جيش المماليك خاير بيه أمير حلب وجان بيردي الغزالي أمير حمص، واللي استفاد منها تماما السلطان سليم إلى جانب تفوق جيش الأتراك على المماليك في العتاد. نكمل مع بعض ايه حصل بعد كدا..

m3raka-595x330

سليم الأول يدخل دمشق

بعد ما أتم السلطان سليم واللي معاه مطاردة فلول المماليك شمال حلب، دخل دمشق في منتهى الهدوء والسهولة، وارسل عدة سرايا لبعض الجهات للتأكد من اخضاعها لكامل سيطرته، وبعد تمام التأكد من خلو الشام من فلول المماليك، ارسل الرسل لطومان باي سلطان مصر بيطلب منه الخضوع والطاعة للدولة العثمانية، والمناداه والدعاء له في خطبة الجمعة على جميع منابر المساجد في مصر (وكانت دليل على السيادة في الوقت دا) وارسال خراج مصر السنوي للأستانة، في مقابل ابقاء طومان باي حاكما على مصر من أول غزة والعريش الى اسوان جنوبا.. وحذره من العصيان وذكره بمصير سلفه السلطان الغوري، وضياع معظم الجيش في مرج دابق. فرفض طومان باي، واجتمع بالأمراء الجراكسة وطلب منهم قبل الدخول في حرب مع ابن عثمان ان يحلفوا له ولاء الطاعة وانهم يقاتلوا معه دفاعا عن ارواحهم واعراضهم وملكهم، ولما تأكد ان كل أمراء مصر معاه قتل رسل ابن عثمان وقرر الخروج لملاقاة جيش الأتراك في صحراء الشرقية، لكن امراء المماليك قالوا ان العتاد قليل والأفضل عمل تحصينات دفاعية حوالين القاهرة، وبالذات في منطقة الريدانية (صحراء العباسية حاليا) لأنها هاتكون اعتراض لمسار الجيش العثماني. وطبعا دا كان خطأ حربي كبير هايكلف المماليك كتير زي ماهانشوف..

FB_IMG_1449037191323

وفي الشام حدث مقاومة كبيرة لجنود الجيش العثماني في غزة، وتعتبر هي المكان الوحيد اللي حارب فيه العثمانيين بعد مرج دابق، كان والي غزة اتصل بطومان باي وطلب منه المدد فأرسل له 10 مقاتل ورماة البندق ومكاحل (مدافع) محملة على جمال ومنهم من يجرها ثيران وابقار، ولما عرف العثمانيين قرروا اجتياح غزة بقوات لا حصر لها، ومهاجمتها من عدة أماكن حتى تحقق لهم النصر، وقتل العثمانيين العديد من اهالي غزة انتقاما على المقاومة ونصرة طومان باي!..

طومان باي.. أخر أمل لمماليك مصر

وفي مصر وافق طومان باي على رأي امراؤه بالتحصن في القاهرة، وأمر بعض فرسان البدو (أو العربان زي ماكانوا بيسموهم) انهم يتحرشوا بقوات الأتراك فور ماتدخل مصر ووعد كل منهم ان راس اي جندي تركي هايشتريها بوزنها ذهب!.. وجمع عدد كبير من المقاتلين نصفهم تقريبا من اهل مصر والنصف الأخر من المماليك (في بعض الروايات 70 ألف مقاتل ولكنه رقم مش مؤكد، كما انه أول مرة يستعين المماليك باهالي مصر اللي مالهومش خبرة بالقتال ولا التدريب العالي بتاع المماليك) كما انه أرسل في الأستعانة بمدفعجيه من الفرنجة (مرتزقة يعني) وأمر بتصنيع 100 مدفع وبنى الدشم ليهم وبعض استحكامات دفاعية في الجبل الأحمر (مدينة نصر حاليا) وصحراء الريدانية كنوع من استهداف الجيش العثماني لما يمر عليهم وينقضوا عليه فجأة.. كذلك حفر بعض الخنادق وعمل حواجز مضادة للخيول قبل الريدانية. لكن مخابرات الجيش العثماني قدرت انها تندس وسط جيش طومان باي ونقلت الصورة كاملة للسلطان سليم في معسكره بفلسطين، وفي خيمة السلطان كان بيجتمع مع خاير بيه (أو خاين بيه زي ما عُرِف في مصر ايامها) وطلب منه السلطان المشورة فأشار عليه انه يلف بجيشه حوالين هضبة المقطم ويفاجئ جيش طومان باي من الخلف!.. ووافق السلطان سليم على خطة خاير بيه وأضاف لها تعديل بسيط انه هايقسم جيشه قسمين، قسم هايتظاهر انه مكمل المسير للريدانية وقسم يلتف بيه لمفاجأة طومان باي واللي معاه.. وبدأ المسيرة لمصر!

1391145545

في الوقت دا كان اغلب قواد المماليك بيتخاذل في العمل مع طومان باي في الأستحكامات، بيحكي ابن اياس ان اغلبهم كان بيقضى النهار مع السلطان في الريدانية ويروح ينام في بيته في القاهرة اخر النهار!.. في الوقت دا اجتاز السلطان سليم بجيشه العريش والفرما وبدأ الزحف في صحراء رملية، هبطت الأمطار فمهدت الطريق ليجتازه الجيش دون عناء في 5 أيام وعند الريدانية حدثت المواجهة في 29 ذي الحجة عام 922 هـ (يناير 1517م).. كانت حركة العثمانيين أسرع وهما بيهربوا من قصف مدافع المماليك الثابتة، وكانت المفاجأة لما هاجموا الجيش العثماني طومان باي من الخلف فحدث ارتباك بمعسكر المماليك.. لكن طومان باي لم ييأس!.. فأخذ فريق من قواته وعمل هجوم انتحاري على معسكر العثمانيين وقتل الوزير سنان باشا ظنا منه انه السلطان سليم وهربوا بعد ماتسببوا في اضطراب صفوف العثمانيين، بيقول ابن اياس الحنفي:

“وصلت طلائع عسكر ابن عثمان عند بركة الحاج بضواحي القاهرة، فاضطربت أحوال العسكر المصرية، وأغلق باب الفتوح وباب النصر وباب الشعرية وباب البحر.. وأغلقت الأسواق، وزعق النفير، وصار السلطان طومان باي راكبا بنفسه وهو يرتب الأمراء على قدر منازلهم، ونادى للعسكر بالخروج للقتال، وأقبل جند ابن عثمان كالجراد المنتشر، فتلاقى الجيشان في أوائل الريدانية، فكان بين الفريقين معركة مهولة وقتل من العثمانية ما لا يحصى عددهم. ثم دبت الحياة في العثمانية، فقتلوا من عسكر مصر ما لا يحصى عددهم..” – بدائع الزهور ج3

السلطان العثماني سليم الأول

الريدانية.. ونهاية دولة المماليك

واستمرت المعركة أكثر من 8 ساعات، ورغم شجاعة المماليك في القتال وتسببهم في كثير من خساير الجيش العثماني، ألا انهم لم يصمدوا أمام قصف المدفعية العثمانية، وسقط منهم أكتر من 25 ألف قتيل على اقل تقديرات!.. وبعد إتمام النصر اختفى طومان باي ومن معه تماما، وعسكر السلطان سليم خارج القاهرة وأرسل مناديب له يعطون اهل القاهرة الأمان ويتصلون بمشايخ البلد للأستعداد لملاقاة السلطان، ويأمروا خطباء المساجد الدعاء للسلطان صبيحة يوم الجمعة التالي للمعركة تمهيدا لدخوله ويحكموا الانتشار في شوارع المدينة، بعدها دخل السلطان بقواته بعد ما تأكدوا من خلو القاهرة من المقاتلين وسقوط جميع الأبواب في قبضة الأنكشارية..

سليم الأول يدخل القاهرة منتصرا

ابن عثمان يقضي على اخر سلاطين مصر

ويدخل ابن عثمان القاهرة من باب النصر يتقدمه الخليفة العباسي بالقاهرة وقضاة المذاهب الأربعة (وكانوا من اسرى معركة مرج دابق)، وحملة الرايات العثمانية الحمراء، ويمشي في شوارعها وسط جنوده، وتعجبه جدا مبانيها الجميلة، لكن طومان باي اللي رفض الأستسلام وقرر القتال للنهاية، فراح هوا ومماليكه الى جامع الأمير شيخون العمري بالصليبة واتخذه قاعدة للتمركز فيه ومحاربة ابن عثمان وقواته، واتصل ببعض زعماء الشعب وجمع الناس ونجح انه يعمل كمين لبعض قوات العثمانيين في احد الشوارع ببولاق وكاد يقتل السلطان سليم نفسه كما يؤكد ابن اياس، ولكن تفوق العثمانيين في القتال أدى إلى استعادة زمام الأمور بسرعة بعد قتال لم تسلم منه بيوت الأهالي، ومحاصرة جامع شيخون وحرقه (مازالت اثار الحريق موجودة بقباب المسجد لغاية دلوقت) وبعد حرب عصابات رهيبة لمدة اكثر من 3 ايام في شوارع القاهرة راح ضحيتها العديد من القتلى الأبرياء في الشوارع بعد ان تسلق رماة البندق مأذن المساجد وامطروا سكان القاهرة بنيران عشوائية لأرهابهم، فهرب كثير من المماليك، وهرب طومان باي مرة تانية ويخرج من القاهرة نهائي ويروح ناحية البهنسا ويرجع يقابل عسكر ابن عثمان في الجيزة، وبعد هزيمة طومان باي للمرة الأخيرة، بيتصل بأحد شيوخ العربان له به سابق معرفه واسمه الشيخ حسن ابن مرعي وبيطلب منه انه يخبّيه لغاية مايعيد ترتيب نفسه ويرجع يحارب ابن عثمان من جديد، وبيُقسم الشيخ وجميع اهل بيته على المصحف بالولاء لطومان باي وحمايته للنهاية، وفي الليل بيتصل حسن بن مرعي سراً بقوات العثمانيين اللي بتيجي تقبض على طومان باي بعد الفجر وتجره مكبلا بالقيود في استعراض بشوارع القاهرة امام الناس عشان يفقدوا الأمل في سلطانهم ويعلنوا الخضوع للأتراك!..

1229843_415639715213409_1106759355_n

طومان باي “الأسير” يحاور سليم الأول

وفي احد القصور بالروضة استقر مقام السلطان سليم في القاهرة وسيق اليه طومان باي مكبل بالأغلال ووقف أمامه ورفض الأعتراف بسلطانه على مصر، سأله السلطان سليم عن طريق ترجمانه ليه لم يسلم له بالسلطان وهو ابن الملوك الى عشرين جد وهو المملوك يباع ويشترى ولا ولايه له، فأجاب طومان باي ان النفس التي تربت على العز لا تقبل الذل، وانه واجب عليه قتال من يعتدى عليه في بلاده ويقتل شعبه وينهب خيراته، فرد السلطان سليم انه ما فعل ذلك الا بعد ما استشار شيوخ الأسلام فيمن يهادنون الشيعة (اشارة لعلاقات الغوري مع الشاه الصفوي) ويولون العبيد عليهم (المماليك) ويسكّون النقود عليها لفظ الجلالة يدخلون بها الخلاء ويتعامل بها البر والفاجر.. (!!) فرد عليه طومان باي كلمته المشهورة: لست بملوم يا سلطان الروم، ولكن اللوم على من خان جنسه وذهب وراء ملك زائل، في اشارة لخاير بك وجان بيردي الغزالي وغيرهم..

133410

وفي حراسة جنود الأنكشارية، مشى السلطان طومان باي حافي القدمين في ثياب مقطعة يرسف في قيوده الحديدية في شوارع القاهرة امام الناس كلهم عشان يفقدوا أخر أمل لهم في النجاة من العثمانيين، وفي النهاية وقف أمام باب زويلة بجنوب القاهرة لتنفيذ أمر السلطان سليم باعدامه، ونقرأ سوا اللي كتبه ابن اياس الحنفي وكان شاهد عيان على الاحداث:

«عند باب زويلة توقف ركب السلطان الأسير طومان باي.. كان في حراسة 400 جندي من الانكشارية.. وكان مكبلاً فوق فرسه.. وكان الناس في القاهرة قد خرجوا ليلقوا نظرة الوداع على سلطان مصر..وتطلع طومان باي إلى (قبو البوابة) فرأى حبلاً يتدلى، فأدرك أن نهايته قد حانت.. فترجل.. وتقدم نحو الباب بخطى ثابتة.. ثم توقف وتلفت إلى الناس الذين احتشدوا من حول باب زويلة.. وتطلع إليهم طويلاً.. وطلب من الجميع أن يقرؤوا له الفاتحة ثلاث مرات.. ثم التفت إلى الجلاد، وطلب منه أن يقوم بمهمته.» – بدائع الزهور ج3

وظلت جثته معلقة لى الباب لمدة 3 ايام ونادى المنادي بدعوة كل سكان المدينة يشوفوا سلطانهم وهوا مشنوق، وفي اليوم الرابع تطوع بعض العامة واخدوا جثته ودفنوها في ضريح السلطان الغوري (اللي هوا دلوقتي في شارع الأزهر) لتبدأ مصر حقبة زمنية جديدة وطويلة تحت السيادة العثمانية.

167422

وبعد كدا شرع العثمانيين في جمع الغنائم من ممتلكات المماليك، فأخذوا اموالهم وذهبهم وعبيدهم وكل شيء، حتى رخام ارضيات القصور والأبواب والنوافذ والمشربيات.. منابر المساجد المشغولة بالأرابيسك وبعض الأعمدة الرخامية بالقصور وغيرها.. الى جانب اكثر من 450 من ارباب الحرف والصناعات الكبري (حداد ونجار وبناء وبتاع شغل نحاس ومجصص وصنايعي ارابيسك وخلافه) وتم تحميلهم في مراكب من الأسكندرية وشحنهم على الأستانة، لتوضع في قصور السلطان. كما تم ارغام الخليفة العباسي على التنازل عن الخلافة للسلطان سليم في وجود قاضي القضاة العثماني وقضاة المذاهب الأربعة المصريين، ومن بعدها صارت خلافة المسلمين في الأستانة.

لطفا لو عجبتك التدوينة وحسيت باستفادة تشيرها لأصدقاءك عشان الفايدة تعم ، وماتنساش تعمل فولوا للمدونة وفولو لحساب تويتر اللي تحت.. وشكرا..

مصادر:

  • سندباد مصري جولات في رحاب التاريخ – حسين فوزي
  • بدائع الزهور ج3 – ابن اياس الحنفي
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 18
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    18
    Shares
  •  
    18
    Shares
  • 18
  •  
  •  
  •  
  •  
  •