جمعة مصر الحزينة..(1)

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    7
    Shares

الناس واقفين أمام الجامع الأزهر في قلب مدينة القاهرة في يوم الجمعة الثلاثين من ذي الحجة عام 922 هـ (1517م) في وسط حالة من الهرج والمرج امام المسجد بيعلو التساؤل: “هوا إيه اللي حصل؟”.. بعد شوية بينادي المؤذن أذان الجمعة التاني فبيدخلوا يصلّوا، وبعد خطبة قصيرة تقريبا مافيهاش اي حاجة بيعلوا صوت الخطيب:

“اللهم انصر السلطان ابن السلطان، ملك البرين، وكاسر الجيشين، وسلطان العراقين، وإمام الحرمين الشريفين، الملك المظفر سليم شاه بن بايزيد، اللهم انصره نصرا عزيزا مؤزرا وافتح له فتحا مبينا، يا مالك الدنيا والأخرة.. يارب العالمين..”

380

خرج الناس من الصلاة يضربون كفا بكف، ويقولوا: “لا حول ولا قوة الا بالله!.. خلاص يا ناس.. مصر اخدها ابن عثمان!..”، وماهي الا ايام قليلة وبيدخل السلطان سليم بن بايزيد بن محمد الفاتح (او ابن عثمان كما عُرِف في المصادر المصرية وقتها) من باب النصر امامه جنوده من الأنكشارية وحملة الأعلام يحملون حراب عليها رؤوس المماليك المهزومين في مشهد خلا الناس كلها تتأسى على ما ألت له الأمور!.. وسابوا السلطان الجديد يدور في شوارع القاهرة ويدخل الجنود من ابوابها بعد هروب الحراس واختفاء المماليك.. هوا ايه اللي كان حصل من الأول؟.. تعالوا نشوف مع بعض..

سليم الأول يدخل القاهرة منتصرا

في أول الأمر، ماكانتش العلاقات بين دولة المماليك في مصر، واللي كانت دولة مستقرة بتبسط يدها على رقعة كبيرة من الأرض، وخصوصا بعد مانجحت في طرد الصليبيين من اخر معاقلهم في 1290م، والدولة الوليدة الجديدة في الأناضول (دولة بني عثمان) مضطربة في البداية. بالعكس، كانت كل واحد في حاله، لأن مافيش تنازع على الأرض بعد ما اتجه العثمانيين نحو اوروبا وحاطين عينهم على القسطنطينية.. عاصمة دولة الروم واللي كانت في اواخر ايامها بتعاني من الأحتضار. والتاريخ بيسجل نوع من التودد بين سلاطين الدولتين، فمثلا لما انتصر الأشرف بارسباي على القبارصة وغنم منهم الكثير واسر ملكهم دي لويزنيان (للمزيد من هنا) ارسل يستدعي سلطان الأتراك عشان يحضر مراسم تقديم ملك قبرص فروض الولاء والطاعة بين ايدي ملوك المسلمين، ولما أتم السلطان محمد الثاني فتح القسطنطينية عام 1453م أرسل يخبر سلطان مصر ويرسل له هدية أسيرين من امراء الروم، ولما بدأ السلطان الغوري في بداية حكمه صراعه مع البرتغاليين اللي احتلوا مضيق باب المندبأ ارسل يستعين بالأسطول العثماني، ولكن بعد انكسار المماليك امام البرتغاليين في 1509م بدأ سلطان الأتراك يتوسع شرقا وجنوبا. فخرج لمحاربة الصفويين الفرس في ايران وكان السلطان الأشرف قنصوة الغوري بيتابع من بعيد اخبار السلطان سليم شاه ابن عثمان في حربه معاهم، وعرف كمان انه هوا اللي استفزهم وجرهم للحرب. في الوقت دا وصل للسلطان الغوري رسل الشاه اسماعيل الصفوي شاه فارس بتعرض عليه التعاون ضد سلطان الأتراك، وبتديله تحذير خفيف ان لو نجح الأتراك في الأنتصار على دولته فالمحطة اللي جاية هاتكون مصر والشام!.. ووصل للغوري كمان رسل السلطان سليم بتعرض عليه التعاون معاه هوا وعدم الألتفات لـ“الشيعة اعداء الإسلام”!.. والغوري بعد مداولات مع امراء المماليك قرر الحياد.. يعني لا مع دول ولا مع دول وان كان بنفسه بيحاذر من ابن عثمان!.. فشالها السلطان سليم عنده واعتبر حياد الغوري دا رفض للتعاون وان كان اعتبره مكسب لدولته عشان مايوسعش جبهة القتال ويركز مع الشاة وجنوده.

islamic_states_before Marj Dabeq Battle

وبعد انتصار السلطان سليم على الفرس في معركة جالديران ودخوله تبريز العاصمة وضم اغلب دولة الفرس لأملاك بني عثمان عام 1514م، وهوا في طريق العودة بالجيش للأناضول، تحرش بمؤخرة جيشه علاء الدولة أمير منطقة ذو القدر التركمانية، واللي واقعين تحت حماية السلطان الغوري في مصر، واختلف المؤرخين (لا سيما الأتراك) وراء ان الغوري هوا اللي أمر علاء الدولة بمهاجمة جيش ابن عثمان!.. أيا كان الموضوع فالغوري نفسه بدأ يراسل ابن عثمان ويهنئه بانتصاره ويعرض عليه انه يتوسط لأصلاح العلاقات مع الشاه اسماعيل الصفوي شاه فارس، وان التلاتة (الغوري/الصفوي/سليم) يوصلوا مع بعض لأتفاق يعيدوا فيه رسم الحدود المشتركة بطريقة ترضي جميع الأطراف (!!).. فرفض سليم ووبخ الوفد الدبلوماسي بتاع الغوري وفكّرهم باللي عمله معاهم علاء الدولة (حليفهم او الراجل بتاعهم) وفكّرهم بعدم التعاون معاه في حربه مع الشاة وطردهم من المجلس شر طرده!.. وبعدها بفترة ارسل رسالة للغوري في القاهرة بيعرض عليه التسليم والدخول في طوع الدولة العثمانية (يعني اعلان حرب رسمي) فأساء الغوري استقبال الرسل هوا كمان واهانهم وطردهم من المجلس ردا على اللي حصل مع الرسل بتوعه، ودي كانت غلطة سياسية كبيرة من الغوري هايندم عليها فيما بعد!..

المهم، خرج الغوري بجيش كبير من القاهرة وعين ابن اخوه الأمير طومان باي نائب على مصر، وراح يتفقد تحصينات الشام، واتصل بالأمير جان بيردي الغزالي أمير حمص وناقش معاه صد ابن عثمان قبل مايدخل عليهم، وكان ابن عثمان خرج في جيش كبير من الأستانة واتصل بأمير الشام قبل اتصال الغوري، وعرض عليه التعاون مقابل ابقاؤه على امارة حمص بعد الأطاحة بالغوري، كما اتصل بوالي حلب خاير بيك واللي اعلن مسبقا الدخول في حلف العثمانيين، فوعده السلطان سليم بتوليته حكم مصر. ورغم تلقي الغوري تحذيرات من امراء الشام بخيانة الغزالي وخاير بيه الا انه ماكانش في موقف يسمح له بالعقاب عشان مايشتتش الأمراء اللي معاه وقواتهم!.. فلاقى جيش العثمانيين في 8 أغسطس عام 1516م قرب سهل مرج دابق شمال حلب، بقوات تبلغ اكثر من 80 الف مقاتل، وعدد محدود من المدفعية العتيقة، يتولى الميمنة جان بيردي الغزالي، والميسرة خاير بيه (كان الغوري بيحارب معاهم وعارف انهم خونة!) وبدأت المعركة..

المماليك في معركة مرج دابق

بعد المناوشات الأولية قام فرسان المماليك بهجوم خاطف على قوات ابن عثمان، أحدث اضطراب ملحوظ بصفوف حملة البيارق ورماة البندق وكان فرسان المماليك حركتهم سريعة في الكر والفر وعليهم غطاء جوي من رماة السهام، فبدأ الجيش العثماني في نصب المدافع المتحركة والتي تميز بيها عن جيش المماليك اللي كان معاه مدافع قديمة وثقيلة وثابتة يسهل تفادي اصاباتها، فبدأ استهداف القوات بالمدفعية ورماة البندق في استهداف خيول الفرسان، وعندها انفصلت الميمنة بقيادة جان بيردي الغزالي والميسرة بقيادة خاير بيه، وتركوا القلب ومافيه من قوات الغوري وباقي الأمراء مكشوفين أمام جيش ابن عثمان، بدعوى ان السلطان الغوري اتقتل في المعركة!.. وبدأ خاير بيه يألب قوات المماليك على بعض بدعوى ان الغوري مصدّر قوات الأمراء في مواجهة ابن عثمان ومأخّر نفسه ومماليكه للخلف فحدثت الفتنة، وبعدها كثّف العثمانيون القصف فزادت خساير المماليك.

رسم لموقعة مرج دابق من اصل تركي

وبعدها بدا الجنود في التخاذل والفرار من ساحة المعركة فانتصر العثمانيين.. وبيوصف المؤرخ المصري ابن اياس الحنفي الأحداث وبيقول:

“.. وصار السلطان الغوري واقفا تحت الصنجق في نفر قليل وهو ينادي يا أغوات هذا وقت النجدة فلم يسمع له أحد قولا وصاروا ينسحبون من حوله، وهو يقول لأرباب الطرق الصوفية ادعوا الله بالنصر فهذا يومكم وصار لايجد منهم معينا ولا ناصرا، ووانطلقت في قلبه جمرة نار لا تطفأ وجاءة الأمير تمر الزردكاش يقول وقد أنزل الصنجق السلطاني وطواه وأخفاه يامولانا السلطان عسكر ابن عثمان قد أدركنا فانجُ بنفسك فلم يجبه السلطان وقد أصابه خلط فالج أبطل شقه وأرخى فمه فأشار يطلب ماء، شرب منه قليلا ثم لوى عنان فرسه ومشى به خطوتين ثم انقلب على الأرض وقد فقئت مرارته وطلع من حلقه دم احمر، وأقام نحو درجه ثم طلعت روحه من شدة القهر، ولم يعلم له خبر بعد الموقعة، ولا وقف له على أثر فكأن الأرض قد ابتلعته في الحال، كما ضاع معه مصحف سيدنا عثمان، وديست أعلام أرباب الطرق وصناجق الأمراء..” – بدائع الزهور ج3

اما بقا الرواية العثمانية نقلا عن احد المؤرخين الأتراك بيقول:

” وأطبق كبير المماليك محنقا غاضبا، بيضرب الأصباحية يمينا وشمالا فيقتل منهم خلقا كثيرا، وينادي على السلطان سليم خان ويزعق طالبا منه ان يتقدم، والسلطان مشغول بقيادة انكشاريته في مكان أخر. ويفقد كبير المماليك اتزانه وتخور قواه كما يسقط فرسه من تحته اعياءا ومثخنا بالجراح ويموت كبير المماليك لغبا وحنقا وسط المعركة وتختم المدفعية العثمانية أمر المعركة وقد أسفرت عن أحد عشر ألف مملوك تغطي اجسادهم الأرض ولم تكلفنا الموقعة اكثر من ألفي شهيد.. (!) “

وبكدا يكون سليم شاه (ابن عثمان) حقق أول نصر على الغوري وقواته، واضاف لجيشه قوات الأميرين جان بيردي الغزالي وخاير بيه بالأضافة لوقوع الشام بالكامل تحت سلطانه، وواصل تقدمه لمصر بعد ما أرسل الرسل لطومان باي يطالبه بالأستسلام و الدخول في طاعة السلطان، وبيقول له على الغزالي وخاير بيه اللي دخلوا في حلفه وعلى الغوري اللي حاربه ومصير الأتنين بقا شكله ايه.. عمل ايه طومان باي؟.. وكان ايه رده؟.. وباقي الأمراء اللي موجودين في مصر وماخرجوش مع جيش الغوري كان ايه رد فعلهم؟…

1229843_415639715213409_1106759355_n

دا بقا موضوع التدوينة اللي جاية.. فتابعونا!.. وماتنسوش تعملوا فولو للمدونة وفولو لحساب تويتر اللي باين تحت.. وطبعا شير للتدوينة وشكرا..

مصادر:

  • سندباد مصري جولات في رحاب التاريخ – حسين فوزي
  • بدائع الزهور ج3 – ابن اياس الحنفي
  • ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    7
    Shares
  •  
    7
    Shares
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

5 thoughts on “جمعة مصر الحزينة..(1)

شاركنا برأيك فيما قرأت!..