تاريخ مصر”الوهمي”.. كثير من الخرافات قليل من الحقيقة

مصر الأسلامية مصر الفرعونية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 37
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    39
    Shares

بنسمع كتير في البرامج الحوارية من بعض رجال الدعوة، امثال الشيخ سعد الهلالي على سبيل المثال، انه فرعون موسى كان اسمه الوليد بن مصعب، أو نقرا في بعض كتب المؤرخين من العصر الإسلامي ان مصر في العهد الفرعوني كان لها ملك من العماليق اسمه اشموم بن قبطيم واللي حكم مصر لمدة 800 سنة (!!) أو ان أول ملك فرعوني بنى الأهرامات هو سوريد بن سلهوق بن سرياق، وانه بناها ليودع فيها الحكمة للاجيال اللي جاية وغيره من تاريخ مصر الوهمي.. فماهو مصدر هذه القصص؟.. وازاي اختفى تاريخ مصر من الوجود لفترة طويلة حتى اعيد اكتشافه وقراءته مرة ثانية مطلع القرن التاسع عشر؟.. دا موضوع تدونية اليوم، واللي هاتكون كالعادة تفصيلية، ولتصحح كثير من الحقائق.. خليكو معانا!!..

بعد دخول الأسكندر لمصر عام 332 ق.م. انتقلت العاصمة ومركز ثقل البلاد الى الأسكندرية، المدينة الساحلية في شمال مصر، وأصبحت اليونانية القديمة هي لغة الثقافة، ولاحقا استخدمت الكنيسة المصرية ابجديتها في صياغة اللغة المصرية القديمة فظهرت اللغة القبطية والتي تعد المرحلة الأخيرة من لغة المصريين القدماء والتي تحدثوا بلا ألاف السنين. وشيئا فشيئا أهملت مدينة “طيبة” القديمة والتي ظلت عاصمة البلاد لقرون طويلة. كما زالت شيئا فشيئا ايضا سلطة كهنة أمون ورع، وسيطرتهم على شئون الحكم ومجريات كثير من الأمور في حياة المصريين اليومية. ولأن معرفة الكتابة والخط كانت قاصرة في مصر القديمة على الكهنة ومن يعملون معهم، وكانت بعيدة تمام البعد عن الرعية أو جموع المصريين ككل، فحينما حلت الثقافة اليونانية شيئا فشيئا محل لغة المصريين، زالت القدرة على قراءة النصوص التي حملتها جدران معابد طيبة وادفو واسوان ومسلات تل العمارنة بل ومدينة اون القديمة (مصر الجديدة وعين شمس)!..

المؤرخ مانيتون وتاريخ مصر المفقود

مانيتون

في عهد الملك بطليموس الثاني (308- 246 ق.م.)، تم تكليف الكاهن مانيتون، وهو مصري من مدينة سمنود، بكتابة تاريخ مصر القديم، وكان مانيتون عارفا بلغة المصريين القدماء، جمع كثير من الوثائق و الكتابات التي خلفتها حضارة اجداده في كثير من المعابد القديمة، بالإضافة الى ماوصل الى يديه من وثائق حكومية وغيرها، ودون مرجعا حاويا للتاريخ القديم الى قبيل عصره تقريبا، نقش في نسختين اصليتين، اودعت الأولى في مكتبة الأسكندرية، والثانية في مكتبة معبد السيرابيوم. وقد فقدت كلا النسختين اثناء حريق مكتبة الأسكندرية وتدمير معبد السيرابيوم في القرون الأولى بعد الميلاد. وماوصل اليها الا مقتطفات نقلها لنا بعض المفكرين مثل اليهودي يوسيفوس وكذلك المؤرخ الأفريقي جوليوس والذي ذكر اسماء ملوك ملوك مصر القديمة كما قرأها من مخطوطة مانيتون المفقودة.

ايضا زار مصر كثير من المؤرخين الاغريق مثل هيرودوت، وتيودوروس الصقلي، واسترابون، وبلوتارك وغيرهم.. كتبوا عن مصر وتاريخها وديانتها ومارأوه فيها بشكل قريب من الموضوعية بدرجة كبيرة، ولكن احدا منهم لم يذكر شيئا عن التاريخ القديم الا نادرا أو ناقلا لبعض الروايات الوهمية التي سمعها من المصريين أنذاك. ولأنهم دونوا مؤلفاتهم باليونانية ونشروها في بلادهم، وماجاء منها الا مصر قد طمس مع زوال مكتبتا الأسكندرية والسيرابيوم، مع بقاء مثيله في مكتبات روما واثينا، فربما يكون لهذا السبب كان كثير من الأوروبيين يعرف عن تاريخ مصر وعلومها وملوكها وحكمتها كثيرا من الحقائق التي لا يعرفها اهلها، او حتى يهتمون بمعرفتها وما تحويه من تاريخ عظيم.

الأديان السماوية تقضي على هوية مصر “الوثنية”

وبدخول مصر القرن الثالث الميلادي، انتشرت المسيحية بين اغلب المصريين، واخذ المسيحيين الأوائل على عاتقهم مهمة طمس كل مايتعلق بالهوية الوثنية القديمة ومايتعلق بها من نقوش او تماثيل او مخطوطات أو وثائق، وبعد اربعة قرون اخرى دخل العرب الى كل ربوع البلاد غازين فاتحين منتصرين، ليقضوا على البقية الباقية من هوية مصر القديمة، ويندثر معهم ذكرى الاف السنين عاشتها مصر كأمة عظيمة. ورغم اعجاب العرب بأثار المصريين القدماء والإشادة بها في كتبهم واشعارهم اكثر من مرة، تأمل كثير منهم النقوش الملونة على كثير من المعابد والمسلات والتماثيل بطول البلاد وعرضها، ونسبوا اليها الحكمة والمعرفة وحاول كثير منهم استنباط معانيها وقراءة اسرارها، ولكنهم افترضوا افتراض خاطئ وبنوا عليه كثير من الحقائق، فطاشت كل محاولاتهم وذهبت ادراج الرياح!!.. ورغم نشاط حركة الترجمة من اليونانية للعربية في القرن الثامن والتاسع الميلادي، فقد نقل العرب اغلب كتب العلوم اليونانية ولكن لم يهتموا بنقل كتب التاريخ وما تحتويه من معلومات واكتفوا ببعض القصص الخيالية التي تناقولها جيلا بعد جيل.

سكندريون متعصبون يدمرون معبد السيرابيوم

وظن كثير من المؤرخين العرب ان نقوش اللغة المصرية القديمة عبارة عن رسومات معبرة، تعبر عن الحالة المطلوب التعبير عنها أو المطلوب تسجيلها، وذلك تسبب في فهم بعضهم لكثير من النقوش بما لا تعنيه في الحقيقة، وما استنبطه منهم اضاف اليه من عنده الكثير من الأحداث الوهمية. كما حاول البعض الأخر ربطها ببعض قصص العرب القديمة عن عاد وثمود والقحطانيين والعدنانيين وغيرهم، ولاحقا حاول البعض منهم ربطها بما جاء في الكتب السماوية من حكايات بعض الأنبياء، عليهم السلام، في مصر كما هي مدونة في العهد القديم أو القرآن الكريم (قصة موسى وفرعون مصر ووزيره هامان، ويوسف وعزيز مصر، وابراهيم وزوجته مع ملك مصر)، ليضفي على تاريخه كثير من المصداقية، فحمَّل تفسير كثير من الأيات مالا تحتمل من معاني، ومن ثم صارت هناك معلومات وهمية عن تاريخ مصر نقلها كثير من المؤرخين جيلا بعد جيل..

ما ذكره مؤرخو العصر الأسلامي عن تاريخ مصر

ولأن قراءة النقوش القديمة كان امرا مستحيلا كما قلنا، فقد تناقل عديد من المؤرخين كثير من القصص عن تاريخ مصر القديم، فمتلا كتب المقريزي:

“يقال ان مصر كان اسمها قبل زمن الطوفان (جزلة)، ثم سميت باسمها الحالي في ومن بعد الطوفان، واختلف اهل العلم في معنى الأسم فمنهم من قال هي نسبه لمصر بن مركابيل بن دوابيل بن عريان بن ادم عليه السلام (!!) وقيل انها نسبه لمصرايم بن نقراوش الجبار بن تيصر بن حام بن نوح عليه السلام..”

ويتفق بن تغري بردي مع المقريزي (طبعا لأنه نقل عنه) في اصل الأسم ولكنه كتبه (زجلة)..!

وينقل ابن اياس الحنفي ايضا عن المقريزي ويضيف من عنده ان نوحا عليه السلام قد دعا لمصريم بن بيصر بن حام ان يسكن الأرض المباركة والتي ستكون ام البلاد وغوث العباد فسكن ارض مصر.. وهذا طبعا مناف لما ذكر في التوراة عن لعنة نوح لحام ونسله!..

وكتب ابن العبري (وهو مؤرخ مسيحي أنطاكي من القرن 13) ان ادريس النبي عليه السلام (او اخنوخ كما اسماه) هو نفسه هرميس وكان احد ملوك مصر القديمة.

ونقل الجبرتي عن بعض المؤرخين القدامى اعجابهم برسوم ونقوش مصر القديمة، ولكنه رفض نقل ماكتبوه عن معناها الذي “لا يعلمه الا الله” على حد تعبيره.

وكما نرى ان هؤلاء المؤرخين نقلوا عن تاريخ بلادهم ماكتبه اسلافهم دون النظر أو التدبر في معناه، نقلوه دون تدقيق وقد راعوا ان يبدأوا تدوينهم بكلمة “يقال” لتعرف انه امرا كان سائدا في تلك الفترة، وليس من عندياتهم.

بعض من تاريخ مصر الخرافي

قسم المؤرخين تاريخ مصر الى فترة ماقبل الطوفان (المنسوب لنوح عليه السلام) وفترة مابعده، ونسبوا ملوك مصر في فترة ماقبل الطوفان الى قبائل العماليق، والتي نسب اليها اسلافهم من العرب اخبار العرب البائدة كقبائل عاد وثمود وجرهم وطسم وجديس، وهو تاريخ وحكايات تناقلها العرب قبل الإسلام تحتوى على كثير من المعلومات الغامضة، ربط اغلب المؤرخين لسبب مجهول تاريخ مصر مع هؤلاء العرب، ولهذا السبب ترى فيهم كثير من الأسماء العربية، كالريان بن الوليد مثلا وغيره، وهذا طبعا لا وجود له من الأساس.

وقالوا عن مصرايم بن حام بن نوح انه مات عن عمر 180 سنة، قاموا بتحنيط جثمانه ودفنه في تابوت ذهبي ومعه كنوز وتماثيل وطلاسم لطرد كل من يحاول ان ينبش قبره بعد ذلك. وعن اول ملك (خرافي) بنى الأهرامات، قالوا ان اسمه كان سوريد بن سلهوق بن سرياق وكان من ملوك الأشمونين (من مدن محافظة المنيا – صعيد مصر). وقد اودعوها التاريخ والحكمة وعلم الفلك والنجوم. كما عديد من المعابد والتماثيل في قفط واخميم ونقش عليها كثيرا من اسرار العلوم. اما هرميس وهو ماعرفه اهل الكتاب بأخنوخ النبي، وعرفه المسلمين باسم ادريس عليه السلام، فكان اول من وضع علم الفلك ورصد حركة النجوم والكواكب وربط الشعرى اليمانية بموعد الفيضان.

تمثالي ممنون

وعن مصرايم بن حام بن نوح، نسبوا انه انجب ولدا اسماه قبطيم، والذي بدوره انجب ولدا اسماه قفطاريم تولى الملك في مصر وراثة عن ابائه، وفي عهده اكتشف الشيطان اغلب الأوثان او التماثيل التي طمرتها مياة الفيضان، فغوى المصريين الى عبادتها فتركوا عبادة الأله الواحد وعبدوا الهة عديدة، بنى قفطاريم اهرامات دهشور ومدينة دندرة ودفن محنطا على جبل عالي جالسا على كرسي بين كنوزه وذهبه في مدينة “إرم ذات العماد” (لاحظ الربط بينها وبين بعض الروايات في الكتب المقدسة). بعد قفطاريم حكم مصر ملكا يسمى البودشير، وكان عالما بالسحر والطلاسم والكهانة، قدم للمصريين كثيرا من العجائب اشهرها شجرة من نحاس لو عبر من امامها اي حيوان او طير فإنه يثبت في مكانه الى ان يأتي احد المصريين ويمسك به ويذبحه ويأكله، وبفضل تلك الشجرة شبع المصريين وصارت ليدهم تخمه من أكل اللحوم!..

في عهد البودشير، تم اكتشاف منابع النيل وصنع بعض من الطلسمات والنقوش التي حمت مصر من المجاعات وانحسار النيل لفترة طويلة الى ان زالت بفعل الزمن، فعاد المصريين من جديد ليقاسوا من المجاعات والجدب. وبعد البودشيم حكم شداد بن عاد وبنى معبد ارمنت، واستأنس فيه ذئاب الجبل واستخدمها في الصيد، تلاه على عرش مصر الملك منقاوس وهو أول من سن تقسيم خراج مصر على اربع، ربع للملك وربع لإستصلاح الأرض وربع للجيش وربع للطوارئ (مدخرات)، ويحكى ان ايراد مصر وقتها تعدى الألف ألف دينار (مش عارف جابوا الدينار منين!).

وعن اعظم ملوك مصر قالوا ان اسمه اشمون ابن قبطيم، وقد حكم مصر لأكثر من 800 عاما (!) وبنى مدينة البهنسا، وفي عهده وقعت مصر في ايدي قوم عاد لأكثر من مائتي عام، الى ان استردها منهم مرة ثانية وجلس على عرشها الى وفاته. كما كتبوا عن الملكة حورية والتي جلست على عرش مصر لفترة الى جانب زوجها الملك طوطيس وهو الذي حاول ان يراود سارة زوجة نبي الله ابراهيم عن نفسها، وادعى ابراهيم انه اخيها لينجيها من بين يديه. اهدته الملكة حورية جاريتها هاجر والتي تسرى بها وأنجب اسماعيل والذي جاء من نسله كل العرب (لاحظ الربط بين القصص في الكتب المقدسة والتاريخ الوهمي!). وبعدها غزى الملك الوليد بن دومع من ملكو العماليق مصر واهلها وانتزع ملكها بالقوة وأذل اهلها وقتل ملوكها، وظل على عرشها الى ان جاء نبي الله يوسف واخوته الى مصر وسكنوا ارضها، بنى قصر الشمع (حصن بابليون والذي ينتسب للرومان، نسبه مؤرخي العرب للعماليق!) وفي عهده تولى نبي الله يوسف الوزارة خلفا لقطفير بن قمطارير عزيز مصر، وبنى مدينة الفيوم، وسماها بهذا الإسم لأنه أتم بناءها في “ألف يوم”!!.. وأتى من بعده الوليد بن مصعب وهو فرعون موسى الذي اذل العبرانيين وطاردهم الى ان غرق في مياه البحر. قالوا ان اصله من بلخ (في بلاد الفرس!) وكان يعمل عطارا تراكمت عليه الديون فهرب من بلده وجاء الى مصر وتولى ملكها، وكان اعور وقصير ويعرج بساقه وله لحية طولها سبعة اشبار. ظل يحكم لأكثر من 300 عاما، وهو من طغى وتكبر وقال انا ربكم الأعلى، وأعلى مقام السحرة الى ان نال حتفه.

مدينة اسوان

ومن ملوك مصر ايضا كان مرنوش بن دركون بن نقيطس (او نكوطس في بعض المراجع) وفي عهده غزا بختنصر مصر وخرب مدنها وقتل رجالها وسبى نساءها ومحى برابيها (اثارها ومعابدها) وظلت مصر لأكثر من اربعين عاما بلادا خربه الى ان اتى ذو القرنين (ولعلهم يقصدون الأسكندر) فأصلح البلاد واعاد بناء ماتهدم من مبانيها وعمر مدنها وسكنها معه اليونانيون والفرس الى جانب اهلها، الى ان أتت المسيحية، فحكم مصر المقوقس الى ان اتى عمرو ابن العاص بجيشه غازيا فدخلت مصر في بلاد المسلمين.

كان ذلك ملخصا لما تناقله بعض المؤرخين العرب عن تاريخ مصر منذ بدء الخليقة الى وقت الفتح العربي، وهنا لنا ان نتسائل: لماذا انكب المؤرخون المصريون على تناقل تلك الخرافات، ولم يترجموا ماكتبه المؤرخون اليونانيون عن بلادهم؟.. واغلب الظن انهم لم يعثروا عليه، واكتفوا بما ترجمه القدماء من كتب الأغريق في الفلسفة والمنطق والطب والرياضيات والفلك وغيره.. واضاف اليها علماء المسلمين في شتى مناحي الحياة.. الا التاريخ!.. والذي ظل هو الأخر طلسما غير مفهوما الى ان اتى علماء الحملة الفرنسية، وحملوا معهم الى بلادهم حجر رشيد، والذي نطق بلغة المصريين وأذاع للعالم اسرارهم واخبارهم.

لطفا منك لو اعجبتك التدوينة واضافت اليك معلومات جديدة، انك تشيرها لأصدقاءك للفائدة، وتابعنا على حسابات التواصل الأجتماعي بتاعتنا.. وشكرا.


شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 37
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    39
    Shares
  •  
    39
    Shares
  • 37
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *