بونابرت في الشام.. المُسمار الثاني في «نَعش» الحملة!

عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 5
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    5
    Shares

بعد اخماد نابليون لثورة الشعب ضد قواته في اكتوبر 1798م وصلته اخبار ان العثمانيين بعتوا جيش لطرد الفرنسيين من مصر، فقرر يطلع يقابله في الشام، وتحت اسوار قلعة عكا شعر بإنه «دخل حارة سَدّ» ومش عارف يطلع منها!.. ودا اللي هانتكلم عنه النهاردا بشيء من التفصيل.. خليكو معانا..

1-545185

بعد احتلال قوات نابليون للسويس في ديسمبر 1798م (للمزيد طالع هنا)، وصلته اخبار ان قوات أحمد باشا الجزار والي عكا والحامية العثمانية استولت على مدينة العريش، ودا كان نذير بإن فيه جيش عثماني جاي في الطريق، فقرر نابليون بعقليته العسكرية الخروج لمقابلته بره مصر (زي ماعمل السلطان قطز من قبله مع قوات المغول للمزيد طالع هنا)، ولما كانت العريش من قديم الزمن معتبرة من الأراضي المصرية (حينما جاءت رسالة الخليفة عمر بن الخطاب للقائد عمرو بن العاص لم يستقبلها الا في ظلال نخيل العريش ليتأكد من دخوله الأراضي المصرية للمزيد طالع هنا) فاعتبر نابليون ان احتلال العريش عمل عدائي ضد الجيش الفرنسي وابتدا يعد العدة للخروج.

3678

وكان نابليون قبل كدا ارسل للسلطان العثماني أكتر من مرة يعرب عن مودته، وان حملته على مصر لا تتعارض مع السيادة العثمانية عليها وإنه يحترم الوالي والقاضي العثماني الموجودين بالقاهرة ولا يحارب الا المماليك!.. وأرسل أول الأمر مع مسيو تاليران وزير خارجية فرنسا لإسترضاء الباب العالي قبل خروج الحملة، ولكنه انشغل ببعض الأحداث في اروربا فوصل خبر استيلاء الفرنسيين على مصر للأستانة قبل وصول تاليران فاعتبرها السلطان العثماني اعلان حرب واعتقل القنصل الفرنسي بالأستانة وصادر أملاكه ورفض استقبال مسيو بوشان سفير نابليون للأستانة القادم من مصر واعتقله مع القنصل واتباعه!.. ووقفت تركيا تراقب موقف الحملة في مصر لغاية احتراق الأسطول الفرنسي في اغسطس 1798م فأدركت ان موقف نابليون في مصر أصبح حرج، فقررت مهاجمته، وتحالفت مع روسيا وبريطانيا (اللي كان اسطولها محاصر الشواطئ المصرية) لطرد الفرنسيين من مصر، وأعدت جيشين أولهما بري بقيادة يوسف باشا ضيا الصدر الأعظم، ويسافر مصر بريا عن طريق الأناضول والشام، والتاني بحري بقيادة مصطفى باشا كوسه لي وراح لجزيرة رودس في انتظار اللحظة اللي يهجم فيها على سواحل مصر ويحارب الجيش الفرنسي.

5

واتخذ نابليون احتياطات لتقوية حصون السواحل في رشيد وابوقير ودمياط والبرلس والأسكندرية، وترك قيادة الجيش في مصر للجنرال دوجا ووفر له قوات كافية لقمع اي شغب في القاهرة أو الأقاليم، وبعد حضوره احتفال كبير برؤية هلال شهر رمضان لعام 1213هـ خرج القائد العام على رأس 13 الف مقاتل بسلاحهم وعتادهم ومعاه أكفأ قواد الحملة الجنرالات رينييه ولان وكليبر وبون ومورا، ودومارتان قائد المدفعية وكافاريللي قائد سلاح المهندسين. وراح نابليون اثناء المسير للعريش يحط خطط انه يستولى على كل مواني ساحل الشام فيمنع البحرية الأنجليزية من التزود منها بالمؤن وبالتالي يخفف من حصارهم للشواطئ المصرية، وكمان يتقدم بجيشه للأستانه عبر الأناضول فيضغط على السلطات العثمانية عشان يقبلوا التفاوض معاه، أو يستولي على الأستانة ويضمها للدولة الشرقية اللي كان عايز يأسسها في مصر والشام، وعن طريق أديرنا والنمسا يفتح طريق لجنوده للرجوع لفرنسا بعد انقطاع الطريق البحري بغرق الأسطول ومحاصرة الشواطئ، فكر كمان انه عن «طريق الحرير القديم» ممكن يرسل حملة برية للهند بالإتفاق مع أحد سلاطينها (تيبو صاحب) واللي كان معروف بعداوته للأنجليز. كل دي تخيلات كانت بتدور في رأس نابليون اثناء طريقه في الحملة على الشام.

Numérisé à 16-06-2013 17-07

وفي 15 فبراير 1899 بيوصل نابليون للعريش وبتدور معركة تستمر ساعات قليلة لينهزم العثمانيين ويهربوا من قلعة العريش نحو الأراضي الفلسطينية، ويتابع الجيش الفرنسي حملته ويدخل خان يونس وغزة دون مقاومة (25 فبراير) وهناك بيلاقي حدائق من اجود انواع الفواكه بتجبر الجيش على الراحة لعدة ايام، يستأنف نابليون بعدها المسير ويدخل اللد والرملة (28 فبراير) ويحاصر يافا (3 مارس) وهناك بيلاقي يحامية عثمانية كبيرة بتدافع عن المدينة، وبعد حصار لأربع ايام وقصف بلا رحمة لأسوار قديمة راح ضحيته قرابة 2000 جندي عثماني بيدخل الفرنسيين المدينة وبيتم نهبها عن اخرها حتى الأهالي العزل من السلاح واللي ماشاركوش في القتال، وكذلك غنم الفرنسيين سلاح وذخيرة ومدافع وحوالي 3000 من الجنود العثمانيين استسلموا لجنود لنابليون فأخذوهم اسرى حرب، وبعد مشاورات نابليون مع قواده تقرر اعدام الأسرى (!!) لأنه مش هايقدر يتحرك بيهم ولا يأكلهم ولا يبعتهم لمصر وفي نفس الوقت مايقدرش يطلق سراحهم، فارتكب الجنود الفرنسيين مذبحة رهيبة تجاه الأسرى والأهالي باعدام اغلبيتهم طعنا بالسونكي لتوفير الذخيرة، مما دفع الجنود العثمانيين في حاميات باقي المدن للإستبسال في القتال ضد الفرنسيين في معاركهم لعدم احترامهم لأبسط حقوق الأسرى!.. وكان خبر الأستيلاء على يافا رفع معنويات الفرنسيين كتير ولما وصلت الأخبار للقاهرة قابلوها المصريين بخيبة أمل لأنهم مكانوش يتوقعوا استيلاء نابليون على يافا بالسرعة دي.

Bonaparte_at_Arcola.jpg

واستأنف الفرنسيين المسير واستولوا على حيفا بدون مقاومة (10 مارس)، وفي عكا قرر أحمد باشا الجزار الدفاع عنها لأخر جندي في حاميته، ونظرا لمناعة موقعها وأسوارها و وقوف البحرية الأنجليزية لمساعدته في البحر بقيادة السير سيدني سميث واللي قدم لوالي عكا كولونيل فرنسي اسمه فيليپو  Philipeaux كان زميل لنابليون في اكاديمية الحرب في باريس لمساعدته في الدفاع عن المدينة. وضرب نابليون الحصار حول اسوارها (19 مارس) وهجم عليها هوا وجنوده أكثر من اربع مرات وباء هجومهم بالفشل!.. وأسرت البحرية الأنجليزية 7 سفن فرنسية قادمة من دمياط تحمل مدافع حصار وذخيرة وعتاد للجيش الفرنسي (22 مارس) وأعطتها كلها للمقاتلين في عكا واللي استخدموها في ضرب الجيش الفرنسي. واثناء حصار عكا أرسل نابليون الجنرال كليبر على رأس كتيبة لأحتلال صفد وصور وطبرية وانتصرت على الأتراك في جبل طابور (15 ابريل) ورجع بقواته للمساعدة في حصار عكا اللي وقفت في وجه نابليون بصورة حطمت امال نابليون في احتلال الشام.

ووصلت الأنباء لنابليون ان البحرية الأنجليزية الواقفة أمام عكا في البحر هي سر قوته بعد حصار دام شهرين تقريبا، بالمقارنة بالروح المعنوية المنخفضة للجنود الفرنسيين ناتجة عن تفشي وباء الطاعون بينهم من جثث ضحايا مذبحة يافا وموت كثير من الجنود اضطر نابليون لحرق جثثهم لعدم تفشي المرض، بعد ان سحق الطاعون نحو 1000 جندي فرنسي منهم اطباء كانوا بيكافحوا تفشي المرض بين الجنود. كمان وصلت اخبار عن تحرك سفن الأنجليز من رودس تحمل مقاتلين أتراك لأنزالهم تجاه شواطئ مصر، كمان وصلت له انباء من الجنرال دوجا باضطراب الأحوال في بعض مدن الدلتا في مصر فخاف نابليون ان تسري روح الثورة في المصريين من جديد. فعقد مجلس حرب سريع تحت اسوار عكا واتفقوا على فك الحصار والأنسحاب ليلا والعودة سريعا نحو مصر (21 مايو). وكان انسحابهم بمثابة هزيمة كبيرة غطت على كل انتصارات الفرنسيين في الشام، كمان كان تحرك القوات صعب بما يحملوه من المصابين أثر معنويا سيئا في الجنود وفي نابليون شخصيا، وهوا القائد العظيم اللي قهر النمسا وأملى شروطه على الأيطاليين. بيقول في مذكراته عن معركة عكا:

«.. إن آمالي قد اتجهت الى الشرق واستهوتني غزواته العظيمة وصرفتني عن التفكير في أوروبا بمن فيها، ولكن هذه الأحلام والآمال قد دفنت تحت اسوار عكا.. » (!!)

وقال لجنوده يطيب خاطرهم ويشد من أزرهم:

« لقد كان أملنا وطيدا في أن نأسر حاكم عكا في عقر داره، ولكن الأستيلاء عليها في هذا الوقت لا يساوي ضياع المزيد من الوقت تحت اسوارها، وأنا في حاجة الى الجنود الشجعان الذين يمكن ان افقدهم في هذا الهجوم ليقوموا معي بواجب أكبر في معارك أخرى أكثر أهمية.. » (!!)

خسر الفرنسيين في معركة عكا أكثر من 1500 قتيل غير اللي ماتوا بالطاعون، ومنهم خيرة الجنرالات بون ولوجييه وديتروا وكافاريللي قائد سلاح المهندسين واللي كانت وفاته من اكبر النكبات اللي حلت على الجيش الفرنسي في الشرق. وانسحبت القوات الفرنسية من كل المواقع اللي استولت عليها في الشام، ولأنها مكانش معاها مراكب (تم اسر أغلبها في البحر) ولأن التحرك البري بالمدافع صعب الى حد ما، فاضطر نابليون الى تدمير مدافع الحصار اللي معاها والأحتفاظ بالعجلات بتاعتها لأستخدامها في نقل الجرحى، كمان قامت الجنود بحرق وتدمير وتخريب مواقع كتيرة في غزة ويافا ونهب كتير من مواشي الأهالي واستولى على ابوابهم وشبابيكهم لأستخدامها في التدفئة ليلا وهوا بيظن ان دا مفيد في عرقلة اي جيش يتعقبهم بعد كدا!!.. وووصل الجيش الفرنسي للعريش (21 مايو) وعسكر عدة ايام ليستريح ودرس نابليون تحصين طابية العريش عشان تقدر تصمد أكبر وقت ممكن في وجه اي جيش يدخل مصر من الجهة الشرقية.

وفي القاهرة، بيدخل الجيش الفرنسي من باب النصر في استعراض كبير وأمامه بعض الأتراك اللي أسرهم في الحملة وبعض رايات الجيش التركي، بيقول الجبرتي ان الموكب طاف في شوارع القاهرة خمس ساعات متتالية قبل مايصل القيادة العامة بمنزل محمد بك الألفي بالأزبكية، وعلقوا الرايات على مأذن الجامع الأزهر عشان الناس تشوفها.

465f412ec18ed14de1a26205f2b1716f

وفي يوليو 1799م وصلت انباء ان حوالي 60 سفينة من المراكب الإنجليزية أمام ابو قير بتنزل عساكر اتراك (حوالي 18 الف جندي)، وأنهم ضربوا حصار على قلعة ابوقير، وفي الحال خرج نابليون وأرسل لكليبر بجنوده من دمياط، ومينو بجنوده من وادي النطرون، ولانوس بجنوده من المنوفيه، فحشد حوالي 7 الاف جندي غير 1000 من الفرسان، ووضع خطة القتال في الطريق وكان نابليون مشهور بسرعته في اتخاذ القرارات والتعليمات، ولما وصلت القوات لأبوقير كانت القوات التركية استولت على القلعة وقتلت الجنود اللي فيها، فشن الفرنسيين هجوم خاطف بالفرسان على الجيش العثماني ومدعوم بغطاء من سلاح المدفعية، فما كان من جنود الأتراك الا انهم ألقوا بانفسهم في البحر للهروب من النيران الفرنسية، وكان نصرا حاسما في اقل من اربع ساعات. خسر الجيش التركي حوالي 7 الاف جندي مابين قتيل وغريق في البحر وتم أسر أكثر من 1500 جندي من ضمنهم مصطفى باشا كوسه لي قائد الجيش العثماني وولده! واستولى الفرنسيين من جديد على قلعة أبوقير ورفعوا عليها راياتهم وبدأوا يصلحوا ماتهدم منها في المعركة.

وكان السير سيدني سميث قائد البحرية الأنجليزية المحاصرة لشواطئ مصر ارسل لنابليون بعض الجرايد الأوروبية (نوع من الحرب النفسية) اللي بتحمل انباء هزيمة فرنسا وضياع املاكها في المانيا والنمسا وايطاليا، وبالتالي قرر نابليون العودة لفرنسا وترك قيادة الحملة للجنرال كليبر (للمزيد طالع هنا)، وأختار كليبر بالذات لأنه ماكانش من انصار البقاء في مصر ولأنه مشهور بالصرامة وبالتالي لو توصل لإتفاق مع العثمانيين أو مع الأنجليز فهايكون اتفاق شريف يحفظ لفرنسا هيبتها ويغطي على فشل حملتها في مصر، ونتابع كلام في الموضوع دا في تدوينات جاية ان شاء الله فتابعونا..

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم في مصر ج2، دار المعارف 1987
  • عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الأثار في التراجم والأخبار، دار الكتب المصرية 1988

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 5
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    5
    Shares
  •  
    5
    Shares
  • 5
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

5 thoughts on “بونابرت في الشام.. المُسمار الثاني في «نَعش» الحملة!

شاركنا برأيك فيما قرأت!..