المماليك في مصر.. بداية قوية

الحروب الصليبية مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    2
    Shares

كانت معركة المنصورة وأسر لويس التاسع Louis IX ملك فرنسا عام 1250م شهادة وفاة لدولة بني أيوب وميلاد قوي لدولة المماليك. فبعد اغتيال السلطان توران شاه بن الصالح أيوب هو وكل مماليكه على يدي الأمير أقطاي ومماليكه، كانت وجهة النظر الا يظل العرش الأيوبي خاويا كي لا يثير مطامع امراء الشام. فاختاروا زوجة السلطان ايوب وكانت من المماليك أيضا (للمزيد طالع هنا) كأول ملكة تحكم مصر فعليا منذ الملكة البطلمية العظيمة كليوباترا السابعة (للمزيد طالع هنا). كيف كانت مصر في العهد المملوكي، وكيف استطاع المماليك بناء دولة قوية كسابقتها الأيوبية والفوز بمعظم التحديات؟.. دا موضوع تدوينة اليوم.. خليكو معانا..

يرجع الوجود المملوكي في مصر للأمراء الأيوبيين والذين ورثوا دولة السلاجقة بكل نُظُمِها وأدارتها وألقابها، فقد أتى الأيوبيين بالرقيق البيض من بلاد القِڤجَاق (القِوقاز) والتركمان والأرمن اطفالا صغيرة، ليربوهم تربية عسكرية منذ نعومة اظفارهم، ويعهدون لفريق كبير من الشيوخ والفقهاء لتنشئتهم تنشئه دينية صحيحة لينشأ جندي مقاتل عن عقيدة سليمة، فأطلق الأمام الذهبي عليهم افتخاراً اسم (داوِية الأسلام) والداوية هم فرقة فرسان المعبد الصليبية. وكان المماليك يترقون في المناصب الى رتب عليا، حينئذ يعتقه أستاذه أو سيده (غالبا مايكون السلطان) ويُسمح له بعمل كتيبة مماليك جديدة تحت قيادته المباشرة على ان يكون ولاءها لأستاذه الى جانب ولاءها المباشر له ويُمنح إقطاعيه من الأرض ينفق من خيرها على نفسه وعلى مماليكه، فعلاقة المماليك بعضهم ببعض عن طريق الأستاذية (اي علاقة المملوك بسيده) أو الخشداشية (وهي علاقة الزمالة) بينه وبين اقرانه المماليك، (للمزيد من مصطلحات العصر المملوكي طالع هنا) ولذلك لم يقتنع المماليك بنظام الوراثة في ولاية العرش، فقد نشأوا جميعا نشأة واحدة وتربوا بعيدا عن اهلهم فانقطعت الصلات الأسرية من قلوبهم، فكان الأمراء يجتمعون ويختارون اقدمهم ويولونه سلطانا (وكانوا يحترمون الأقدمية) ويحلفون له يمين الولاء والطاعة، وتكون العلاقة بينهم بعد ذلك علاقة النّدية، لأنه كان زميلهم وتولى العرش بالأقدمية، ويكون واجبا عليه الا يقدم على امر الا بمشورة الجميع وموافقتهم، والا خلعوه ووولوا غيره. فلو مات السلطان وأراد توليه ولده في ولاية العرش يصعب على باقي المماليك قبول ذلك، فولاءهم كان لوالده وليس له، فلو قبلوا بالوريث في بادئ الأمر يكون ريثما ينجحون في ازالة المؤامرات الداخلية والأتفاق على السلطان الجديد والذي غالبا مايكون اقدمهم وأقربهم للسلطان القديم، حينئذ يكون هيناً عليهم ان يخلعوا الوريث وينفونه خارج البلاد ويضعون خشداشهم مكانه ويحلفون له اليمين. وقد شذَّت اسرة قلاوون عن هذه القاعدة وحكمت البلاد لثلاثة اجيال متصلة.

1004-coffeescenecairo18th.jpg

ولم يقبل الخليفة في بغداد بتولية الملكة شجرة الدر وأرسل لأمراء المماليك رسالة تحمل الكثير من السخرية والتهكم (للمزيد طالع هنا) فرضخ المماليك للأمر وقبلوا بزواج الملكة من الأمير المُعزّ أيبك التركماني ليكون السلطان ويحظى بقبول ومباركة الخليفة في بغداد. فقد نشأ المماليك في مصر على نهج سابقيهم الأيوبيين والسلاجقة يدينون بالولاء الروحي لخليفة بغداد حتى سقوطها عام 1254م على يد المغول (التتار) فسعوا في البحث عن بقايا البيت العباسي ومنحه السلطة الروحية الأسمية وجعل مقره بالقاهرة فحصلوا بذلك على الأستقلال التام ونجحوا في ما فشل فيه ابن طولون والأخشيد من قبل. وصار لمصر آنذاك مركز الزعامة على كل بلاد الشرق الإسلامي حتى الغزو العثماني ونقل الزعامة الى القسطنطينية عام 1517م (للمزيد طالع هنا).

Walka_o_sztandar_turecki.jpg

وعرفت مصر اول ماعرفت «المماليك البحرية» ويذكر بعض المؤرخين ان سبب هذه التسمية لأن الملك الصالح نجم الدين أيوب قد كوَّن أول فرقة مماليك في قلعة مقامة في جزيرة الروضة، فالبحرية نسبة الى بحر النيل، ولكن بالبحث في مزيد من المراجع نجد فرقة مماليك اخرى كونها الملك العادل أبو بكر (جد الملك الصالح) كان اسمها «البحرية العادلية» ولم يكن لها مقر في الروضة، كما أنشأ الظاهر بيبرس فرقة «البحرية الظاهرية» وأيضا كان مقرهم في قلعة الجبل. كما ذكر الخزرجي في كتابه (العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية) ان سلطان اليمن نور الدين عمر انشأ فرقة مماليك بلغوا قرابة الألف فارس وكان يطلق عليهم «البحرية الرسولية». ويشير بعض مؤرخي الحروب الصليبية الى اطلاق اسم «الفرنج البحرية» على بعض فرق الجيش الصليبي، ويشير المؤرخ الفرنسي دي چوانڤيل في كتابه عن سيرة لويس التاسع ان المماليك كان يُطلق عليهم اسم «رجال ماوراء البحار» وهذا يفسر التسمية أكثر، فالمقصود كان أنهم من مجاليب منطقة بحر قزوين والبحر الأسود او بلاد ماوراء النهر وليس لمكانهم بقلعة جزيرة الروضة. فيروي القلقشندي في (صُبح الأعشى) ويوافقه المؤرخ التركي رضا نور في كتابه (تاريخ الترك) ان التجار البنادقة كانوا يجلبونهم من بلاد القوقاز عبر البحر الأسود الى القرم ثم الى خليج القسطنطينية ومنها عبر البحر المتوسط الى ميناء الأسكندرية أو دمياط، وقد صنع البنادقة من وراء ذلك ثروة ضخمة، وكان لهم امتيازات خاصة في مصر تفوق اغلب التجار الاوروبيين في ذلك الوقت، وتربطهم علاقات وثيقة بسلاطين مصر في العصر الأيوبي اقوى من علاقتهم بجيرانهم في اوروبا.

البحرية الرسولية في اليمن.jpg

وبعد ان حكمت البلاد ثمانين يوما، تنازلت الملكة شجر الدر عن السلطة لزوجها الجديد الملك المعز أيبك والذي قبل بتولية أحد افراد البيت الأيوبي معه وهو الأشرف موسى حفيد الملك الكامل محمد وكان ابن تسعة سنوات، فثارت ثائرة افراد البيت الأيوبي بزعامة الملك الناصر صاحب حلب، والذي اعتبر ذلك عقوقا من المماليك، فهم غير مؤهلين للحكم لكونهم قد «مسّهم الرق» فسار على رأس جيش كبير لتأديبهم وانتزاع مصر من قبضتهم، فاستعد له المعز أيبك بجنوده عند الصالحية (الشرقية حاليا) عام 1251م فكسر جند الناصر الذي فر الى الشام ومعه بعض افراد البيت الأيوبي المصريين خوفا من انتقام ايبك. والواقع ان المعز أيبك لم يلي السلطنة لأنه أقدم المماليك أو أكبرهم سنا فقط بل كان حائزا على رضا اغلب قواد المماليك، ولكن بعد نجاح الأمير أقطاي قائد الجيش في اخماد ثورات الأعراب بالصعيد والشرقية والبحيرة، فشعر ايبك بالتفاف بعض المماليك حوله، فاعتقله أيبك وقتله!.. وذهب مماليكه لمساءلة السلطان فألقى إليهم برأسه، فخافوا وتركوا مصر وعلى رأسهم الأمراء بيبرس وقلاوون (السلاطين فيما بعد) وانتقلوا لخدمة الملك الناصر بحلب، أو الملك المغيث صاحب الكرك أو الخليفة العباسي في بغداد أو السلطان علاء الدين سلطان سلاجقة الروم، وذلك لعدم رغبتهم في الأنخراط تحت لواء أيبك. كذلك اقصى السلطان ايبك الأمراء الأكراد وعلى رأسهم الأمير حسام الدين بن أبي علي لولائهم للأيوبيين، فاسترد منه اقطاعه وطرده من مصر، ومن هنا خلصت المناصب العليا للأتراك فقط طوال فترة الحكم المملوكي.

41_20141031200150

وكان الملك لويس التاسع لايزال في مقيما في عكا يحاول استغلال اي فرصة لتعويض خسارته في المنصورة وفارسكور، وظل يرقب عن كثب الصراع الدائر بين البيت الأيوبي بزعامة الناصر صاحب حلب والمعز أيبك وكذلك الصراع الداخلي في مصر والمؤامرات بين امراء المماليك، وقد حاول استغلال هذا للحصول على بعض المكاسب الدبلوماسية بعد ان خارت قواه العسكرية. فاتصل بالمعز أيبك في مايو عام 1252م وطلب منه تعديل بعض شروط اتفاق الهدنة بالافراج عن بعض كبار قواد الفرنسيين الأسرى في مصر والتنازل عن باقي مبلغ الفدية مقابل قيام الملك لويس بتعطيل جيوش الملك الناصر لو حدث وقامت بالإغارة على مصر مرة اخرى. ولكن مسعاه قد خاب بعد قيام الخليفة العباسي عام 1253م بالصلح بين المعز أيبك وملوك الشام لتوحيد الجبهة لمواجهة المغول، كما وردت أنباء من باريس بوفاة والدته الملكة بلانش، فعاد الملك لويس لأوروبا حانقا في ابريل 1254م بعد ان فقد كل أمل في تحقيق اي مكسب في الشرق!..

tumblr_och16sFQcv1tnfmy1o1_1280

وخشية على عرشه، سعى السلطان ايبك في التحالف مع الأمير بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل وكان قوي الشخصية، فتقدم ايبك للزواج من ابنته لتقوية اواصر الصداقة، وكان في هذا القرار نهايته!.. إذ ان زوجته الملكة شجر الدر قد علمت بأمر بهذه الزيجة ولم يقبل منها زوجها توبيخا فإشتعل قلبها غيرةً كأي امرأة، فحنقت على زوجها ودبرت مؤامرة لقتله عام 1257م وألقت جثته في الجبل واشاعت انه مات في حادثة صيد، فثار مماليكه وعلى رأسهم الأمير قطز، فاعتقلوها في قصرها وتركوها لضرتها (زوجة ايبك الأولى وأم ولده المنصور والتي أجبرت ايبك على تطليقها قبل زواجها) وغلمانها فقتلوها ضربا بالقباقيب وألقوا جثتها في الجبل لمدة عشرة ايام على رواية ابن تغري بردي، حتى تطوع بعض العامة ودفنوها سرا في قبرها الذي اعدته من قبل، والذي مازال قائما بجوار مسجد السيدة نفيسة.. وتلك كانت حياة المماليك، فكان الأغتيال عندهم يسيرا والخيانة واردة والأحتراس من أقرب الأقربين واجب لابد منه.

ونصّب المماليك ابن أيبك سلطانا، ولقبوه بالملك المنصور وكان بعمر 15 عاما وبوصاية الأمير قُطز، ولأن دولة المماليك لم تعترف ابدا بالنظام الوراثي فبعد فترة 3 سنوات كانت كافية للقضاء على الصراعات الداخليه بين الأمراء المماليك، تم اعتقال الملك المنصور وامه وتنحيتهم عن العرش وارسالهم الى القسطنطينية وتولى الأمير قطز السلطة لأعداد البلاد لحرب المغول بعد اسقاطهم الخلافة العباسية واستيلائهم على مدينة بغداد وذبح غالبية سكانها في كارثة مفجعة في فبراير عام 1258م، فتجمع المماليك تحت لواء السلطان قطز واستعدوا للقاء العدو.. ودا هايكون موضوع التدوينة القادمة فتابعونا..

مراجع:

  • جمال الدين الشيال، تاريخ مصر الأسلامية ج2، دار المعارف 2007.
  • محمد عبد الله عنان، مصر الأسلامية وتاريخ الخطط المصرية، هيئة الكتاب 1997
  • ستانلي لين بول، سيرة القاهرة ترجمة ادوارد حليم، هيئة الكتاب 1997
  • حسين فوزي، سندباد مصري جولات في رحاب التاريخ، هيئة الكتاب 1997

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    2
    Shares
  •  
    2
    Shares
  • 2
  •  
  •  
  •  
  •  
  •