المشروع السري لغزو مصر

حكايات من خارج مصر عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 93
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    93
    Shares

Gottfried_Wilhelm_von_Leibniz

يمكن مش كتير من الناس تسمع عن العالم والفيلسوف الألماني جوتفريد فيلهلام لايبنيتز Gottfried Wilhelm Leibniz (ت:1716م) واللي كان عالم في مجالات كتير منها الرياضيات (تفاضل وتكامل) والفلسفة واللاهوت والفيزياء وغيرها.. الراجل دا سمع ان لويس الرابع عشر ملك فرنسا بيحضر لجيش كبير لغزو بعض الولايات التابعة للأمبراطورية الجيرمانية واللي كانت بتضم ألمانيا والنمسا وجزء من هولاندا الحالية. ولأنه كان رجل فيلسوف رأيه ان يتوقف كل الأوروبيين عن الحرب و الأقتتال والنزاع بينهم وبين بعض، وانهم يوجهوا كل انظارهم واطماعهم للشرق (اللي كان شايف انه بربري وهمجي في الوقت دا) للحصول على خيراته وتجارته واستخدامها في سباق التقدم اللي بدأ من أول عصر النهضة. فما كان إلا انه قعد مع نفسه فترة كتب فيها مذكرة طويلة من مئات الصفحات للعرض على الملك لويس، الوثيقة دي سماها (المشروع السري لغزو مصر) وطبعا هوا مابقاش سري ولا حاجة والناس دلوقتي كلها عرفته.

وفي مجلس يضم خيرة بلاط ملك فرنسا عام 1672، قعد الملك لويس الرابع عشر يسمع الألماني الشاب (كان عمره 26 سنة لما قدم مشروعه للملك) اللي قال له خطبة طويلة جدا نذكر منها:

«أريد أن أتكلم إليكم يامولاي في مشروع غزو مصر، لا يوجد بين أجزاء الأرض جميعها بلد يمكن التسلط منه علي العالم كله، وعلي بحار الدنيا بأسرها غير مصر… لماذا تخسر المسيحية تلك الأرض المقدسة التي تصل آسيا بأفريقيا، والتي جعلتها الطبيعة حاجزاً بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، ومدخلاً لبلاد الشرق جميعها، ومستودعاً لكنوز أوروبا والهند،..

يُعد هذا المشروع واحداً من أكبر المشاريع التي يمكن القيام بها وأكثرها يسراً، وأخلاها من المخاطر حتى لو فشل، وذلك لمناسبته للظروف الحالية حتى لنظن أن هذه الظروف قد دبرته. وسيصل هذا المشروع بالناس إلى ذروة الإعجاب بما يسمى “سر المعجزة”؛ أي هذه الحكمة العميقة للرؤى السياسية التي تتلاقى فيه، وسوف يرسخ هذا المشروع بصورة مؤكدة السيادة في البحر والتجارة، ولا يتطلب أية موارد سوى التجهيزات المعدة سلفا، كما سوف يُكسِب الملك التعاطف الدولي بإزالة الشكوك تجاهه وإنهاء العداوات، كما سيحقق له الهيمنة على الأعمال والسيادة العليا على شؤون المسيحية، وسيمهد لخلود الملك نفسه ليحقق فتوحات جديرة بالإسكندر. وسوف لا يكون هناك مجالٌ للندم على التأخير إذا ما أحسنّا استغلال الفرصة».

2015-635754236441650193-165.jpg

وبعدين بيلفت الفيلسوف الألماني الشاب نظر الملك ان مشروعه دا كان قبل كدا محل تفكير من كتير من العظماء باعتباره “الأداة الوحيدة لإعادة إرساء المصالح المسيحية في الشرق”.. ولفت نظر الملك كمان على الخلاف التاريخي اللي حصل بين الملك ريتشارد الأول (قلب الأسد) ملك انجلترا، والملك فيليب أوجست ملك فرنسا ايام الحروب الصليبية في الشرق لما تمسّك الملك ريتشارد بالتوجه نحو القدس واحتلالها مباشرة، وكان رأي الملك فيليب انه يغزو مصر ويضمها لأملاك فرنسا أو ينشيء هناك مملكة أو امارة أوروبية لأنه كان بيتوقع ان اي حملات صليبية في فلسطين مش هايكون لها اي جدوى طول ما مصر مملكة قوية بتقاوم الوجود الصليبي، فلازم الأول القضاء عليها. وطبعا شارك الملك فيليب الرأي دا حفيده الملك لويس التاسع اللي قرر يغزو مصر بنفسه في زمن السلطان نجم الدين أيوب لغاية هزيمته في معركة المنصورة على يد قوات المماليك، وأسره في بيت ابن لقمان وافتداؤه بمبلغ كبير. ومن قبلهم أموري (أماليرك) ملك مملكة بيت المقدس سنة 1165 واللي غزا مصر أكتر من مرة وكل مرة يرجع الى القدس يجر اذيال الخيبة. كمان قال ان مصر كانت بلد مهمة جدا للأمبراطورية الرومانية وقد ايه استفادت روما من مكانتها وصارت من اهم ولايات الدولة لغاية ماوقعت في يد الخليفة عُمر بن الخطاب، وان قوة دولة المسلمين ازدادت بعد ضم مصر، ومابدأتش حضارة المسلمين في الأنحدار الا بعد ما زالت حضارة مصر ووقعت في قبضة العثمانيين.

Napoleons_Campaign_in_Egypt_1798

وطبعا أبدى الفيلسوف الشاب أسفه على التنافس العسكري اللي كان بين انجلترا وفرنسا وطبعا يقصد “حرب المائة عام” اللي راح ضحيتها ناس كتير من الجانبين، في حين انهم كان يجب عليهم انهم يوجهوا نظرهم للشرق لفرض سيطرتهم عليه بدل مايحاربوا بعض!..

وعلى عكس كتير من الأوروبيين في الوقت دا كان لايبنيتز عنده حالة من الولع بتاريخ مصر وحضارتها، وقال للملك ان غزو مصر من خارجها في الغالب مابيكون شيء سهل (ولعله كان بيقول كدا لزيادة اطمئنان الملك أو لإغراؤه) زي ماحصل من الفرس أيام قمبيز أو الأغريق بقيادة الأسكندر أو الرومان بقيادة أوكتافيوس أو العرب بقيادة عمرو الرهيب (يقصد عمرو بن العاص)، وزيادةً في الأمعان قال ان المصريين في الوقت الحالي بيكرهوا حكامهم من الأتراك والمماليك كراهية شديدة، ولو جه اي غازي من برا هايساعدوه عشان يخلصوا من المحتل اللي قعد على قلبهم سنين طويلة جدا!.. وقال للملك ان الشيء نفسه حصل لما دخل الأسكندر الأكبر بجيوشه غازيا لمصر!.. وأكد كمان لايبنيتز على ضعف التحصينات العسكرية في المدن المصرية عامة، وان سواحل مصر واسعة وكبيرة بطريقة يصعب حمايتها بالقوات اللي موجودة حاليا، كمان أكد له على حالة الخلاف الشديد بين أمراء المماليك وانه من الصعب يتوحدوا ضد أي عدو خارجي، كمان حكام مصر من العثمانيين ممكن شراؤهم بالمال وضمان معاونتهم لأي قوات غازية نظرا لأن الناس دي ماعندهاش ولاء كبير للباب العالي وكل همها هو جمع المال. كذلك لفت نظر الملك أن اهل مصر بعيدين كل البعد عن الحرب، وماعندهومش أي خبرة بالقتال ولا حمل السلاح، كمان هناك مواطنين مسيحيين عايشين في مصر، وعلى الرغم من اختلاف المذاهب ألا انه بيتوقع المعونة منهم لو ضمنا لهم الحرية الدينية اللي بيفتقدوها في ظل حكم المماليك والحكم التركي.

Pierre-Narcisse_Guérin_Napoleon_Pardoning_the_Rebels_at_Cairo

واختتم لايبنيتز كلامه ان غزو مصر هو حق أكيد لفرنسا بل هو واجب، وبيؤكد أن محاولات الملك لزيادة رقعة بلاده على حساب بلاد تانية أوروبية هو محض اثم كبير!.. لأنه لو كان الملك مسيحيا حقيقيا كان يوجه سلاحه لأعداء دينه (يقصد المسلمين) ولا يوجهه أبدا لأخوانه في الدين.. وأن يعمل زي ما عملت انجلترا واتخذت مستعمرات لها في الهند واستراليا، وأسبانيا والبرتغال في العالم الجديد (أمريكا الشمالية و الجنوبية). ويؤكد له أن وجود فرنسا في مصر هايسبب ضعف كثيرا لوجود انجلترا في الهند، وفرصة كبيرة لتنفيذ مشروع شق قناة بين البحر الأبيض و البحر الأحمر وأحتكار طرق التجارة الى اوروبا. ويؤكد لايبنيتز في استعراضه لرد فعل دول الجوار، ان مافيش حد هايعترض على “الغزو المقدس” دا أبدا، وان رقعة مصر كمستعمرة هاتزيد مع الأيام على حساب جيرانها، ودا هايكون في صالح فرنسا اولا وأخيرا.

9284b9331f630586d497717f791ae76a.jpg

“فلا يمكن لأحد أن يعارض هذا الغزو المقدس الذي يصب في مصلحة المسيحيين ويعمل على إيصال الإنجيل لكل البقاع، كما سيلبي رغبة الولايات الواقعة تحت الظلم التركي في التحرر..”

150px-Leibnitz_signature.svg.png

وعلى الرغم من ان الملك لويس الرابع عشر ماقتنعش أوي بكلام الفيلسوف الشاب، وكان من رأيه ان زمن الحروب الصليبية انتهى من مئات الأعوام، بدليل انه طلع بعدها بالفعل في غزوات وحروب عديدة لهولاندا وشرق بلجيكا، لكنه حفظ “المشروع السري” بتاع لايبنيتز في المكتبة الملكية في باريس، عشان يقع بعد أكتر من 100 عام في يد شاب اسمه نابليون بونابرت، ليحول حلم لايبنتز الى حقيقة ويخرج في حملة بأكثر من 36 ألف جندي عشان يبني لنفسه مجد في بلاد الشرق ويضايق انجلترا في مستعمراتها في الهند، ويؤسس امبراطورية فرنسية تمتد لأيران وافغانستان.. تكون قاعدتها مصر.. ونناقش دا في تدوينة أخرى ان شاء الله..

153417646-520x330

لطفا لو حسيت باستفادة من التدوينة دي تشيرها لتعم الفائدة، وتابعنا على حساب تويتر اللي باين تحت.. وشكرا.

مراجع:

  • المشروع السري لغزو مصر، د. احمد يوسف، سلسلة كتاب 1994
  • مختارات ادبية وتاريخية، د. جمال مرسي بدر، سلسلة اقرأ 1977

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 93
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    93
    Shares
  •  
    93
    Shares
  • 93
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

3 thoughts on “المشروع السري لغزو مصر

شاركنا برأيك فيما قرأت!..