المحتسب.. متطوعاً ملتمساً للثواب يتحول لديكتاتور طاغية!

عصر النهضة المصري مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 20
  • 1
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    21
    Shares

عرفت الأسواق في مصر منذ قديم الأزل مراقبة حركة البيع والشراء، وعرف التجار العقاب الشديد في اغلب احوال احتكار السلع والتلاعب بالأسعار.. ودي كانت وظيفة «المحتسب» واللي كانت من أعلى الوظائف في عهد المماليك والعثمانيين.. خليكو معانا!!..

من هو «المحتسب»؟؟

المحتسب لغويا، يقال: “احتسب فلان على فلان احتسابا” يعني أنكر عليه صنيع عمله طلبا للثواب من الله عز وجل!.. وفي عصور لاحقة، صارت كلمة “المحتسب” بمعنى: “المأمور المُتخذ أو المُعين من قبل الحاكم لضبط الموازين واحكام السيطرة على الأسواق ونحو ذلك..” وظهر المحتسب في بدايات الدولة العباسية في اسواق العراق والشام، لما اتسعت وكثر التجار وكثر ايضا الغش في الموازين والمكاييل. وكانت تطوعا لوجه الله من باب “وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (آل عمران 104) ومنعا للاقتتال في الأسواق وتباين الرأي حول الغش وخلافه، صار المحتسب وظيفة يأمر بها حاكم البلدة احد القضاه لأحكام السيطرة على الأسواق، يرفع تقاريره الى قاضي القضاة لتبين رأي الشرع في التاجر الفلاني وخلافه، وكما تشير الدكتورة ليلى عبد اللطيف فى كتابها «الإدارة فى مصر فى العصر العثمانى»، فقد كان للمحتسب سلطة واسعة فى شئون البوليس والتنظيم فى كل الأسواق التجارية..

وقد ظهرت في مصر في العصر الفاطمي، كان المحتسب يتمتع بسلطة واسعة لعقاب المخالفين ومراقبة الأسواق وكان يرفع تقريره للخليفة مباشرة وليس للقاضي، فكان يأمر بقطع الأذن والجلد والتجريس.. كلها عقوبات أنزلها أمين الاحتساب بالغشاشين والمحتكرين. وفي العهد المملوكي تطورت مهنة المحتسب وصارت بعيدا عن القضاء او قائد الشرطة، فكان للمحتسب فرقة من الجنود خاة به يأتمرون بأمره، ويطوفون معه في الأسواق لحمايته وانزال عقابه على المخالفين من التجار، فكان مثلا إذا ضبط خبازاً ينقص فى وزن الخبز أو يصنع خبزاً رديئاً، يصادر الخبز ويعطيه للفقراء، و«يسمر» الخباز، أى يعلقه على باب حانوته من أذنه لمدة اثنتى عشرة ساعة، فإذا ما عاد الخباز إلى المخالفة مرة أخرى أنزل به عقوبة الجلد (200 أو 300 جلدة) على قدميه أو على ظهره، ثم يأمر بوضع لوحة كبيرة مثقلة بالرصاص على كتفه، وبها فتحة واسعة يخرج منها رأسه، ويأمره بالسير فى شوارع القاهرة لـ«الجرسة» حتى تخور قواه، وكان يأمر بتكسير «قلل» مغشوشة فوق رأس بائعها!.. وكان يقطع من لحم (جسد) جزار خالف التسعيرة ويلقيها أمامه في الشارع أمام الناس!.. أما إذا أنقص جزار فى الوزن أو باع لحماً فاسداً، فكان يأمر بربط الجزار فى مكان مشمس ويعقلون قطعة من اللحم الفاسد فى أنفه، ويتركونه فى هذا الوضع حتى تنتشر الديدان فى قطعة اللحم الفاسدة وتسقط على جسمه، فضلاً عن غرامة نقدية يدفعها.

والى جانب مراقبة الأسواق و الدكاكين و التفتيش على المكاييل و الموازين اللى بيستخدمها التجار لمنع الغش، كان للمحتسب مهام اخرى منها مثلا منع تحميل المراكب بأكتر ما تحتمل حمولتها لسلامة الركاب في البحر قبل الأقلاع من المواني، ومنع ضرب المعلمين لصبيانهم في الورش. وجمع الضرائب من الأسواق والزام التجار بتسعيره جبريه للمواد والسلع في اوقات الأزمات، و كان السلطان يعاقب المحتسب لو ازدادت الشكاوي وارتفعت الاسعار فى الاسواق بدون سبب. وكان للمحتسب مندوبين و مساعدين يمرون فى الأسواق ويرفعون تقريرهم له وهو يدرس شكواهم.

لكن هذا لا يعنى أن المحتسب ذاته كان عنواناً للشرف والنزاهة، بل الأصوب أن العكس هو الصحيح، فقد كان مثله مثل الملتزم، يعهد إليه بمقاطعة معنية يدفع عنها خراجاً إلى خزانة الدولة والباقى له، وكان التزامه بمقاطعة احتساب يعطيه الحق فى أن يفرض الرسوم التى يراها على الباعة والمطاعم والتجار، ولزيادة إيراده كثيراً ما بالغ المحتسب فى الرسوم. وأضاف إلى الرسوم الأصلية رسوماً من عثرة، وهو ما عرف بين الناس بـ«مظالم المحتسب».

الزيني بركات.. محتسب الغوري أم جاسوس ابن عثمان؟

وكانت وظيفة “متولي الحسبة” من كبرى وظائف الدوله، لا يقوم بها الا واحد على مستوى عالى من العلم والخلق والسيرة الحسنة بين الناس، وقبل كل هذا شديد الولاء لشخص السلطان نفسه!.. وكانت مربحة على هذا النحو، فقد صارت مطمعاً للكثيرين، وتسابق إليها كثير من الطامحين إلى الثراء، فكان يدفع الرشوة للحصول عليها، وكان عليه أن يفوض ما دفعه بالرسوم غير القانونية، وبتقاضى رشاوى من الباعة والتجار نظير تغاضيه عن مخالفاتهم فى الوزن والتسعيرة، وفى كثير من الأحيان، ونتيجة لتدهور سلطة المحتسب واهتزاز صورته لدى الناس، كان يلجأ إلى الجند لتحصيل الضرائب وتنفيذ أوامره.

في العصر المملوكي تولاها مؤرخين مشاهير امثال المقريزى و بدر الدين العينى و ابن العديم، وأحيانا كان يتولاها  كبار الأمراء وكان اولهم الامير متكل بنا الشمسى من قبل السلطان المؤيد شيخ عام 1413م، وفى أواخر العصر المملوكى تولاها الأمير جان بردى الغزالى فى اوائل عهد السلطان الغوري وكان من مماليك السلطان الأشرف قايتباى. ولاحقا تولاها “الزينى” بركات بن موسى، وكان من اشهر المحتسبين في تاريخ مصر الطويل، كتب عنه ابن اياس الحنفي انه تولى الحسبة بأمر من السلطان الغوري تقريبا عام 1506م، وأطلق يده يعاقب من يشاء ويسجن من يشك ولو مجرد شك انه على اتصال بالعثمانيين!.. ولما وردت الأنباء بهزيمة الغوري امام جيوش العثمانيين، اختفى بركات بن موسى فجأة ليعاود الظهور مرة اخرى بعد دخول السطان سليم الى القاهرة غازيا منتصرا، ليقره في منصبه محتسبا للقاهرة بأمر والي مصر المعين من قبل السلطان سليم.. فعلم الناس أنه طوال فترة خدمته للغوري كان احد عيون العثمانيين، ينقل لهم كل كبيرة وصغيرة في مصر، في الوقت الذي تظاهر فيه بالولاء لشخص الغوري، يسجن ويقتل ويسحل الناس بتهمة الأتصال بالعثمانيين، وهو زعيمهم!!..

يقول «ابن إياس» عن «الزينى»:

“لقد ساعدته الأقدام على بلوغ الأوطار، ورأى من العز والعظمة فى دولة ابن عثمان ما لا رآه فى دولة السلطان الغورى، كان يضع تسعيرة للبضائع الموجودة فى الأسواق، ويقبض على المخالفين ويضربهم ضرباً مبرحاً حتى يشرفوا على الهلاك، ويشق القاهرة فى موكب مهيب..”

بدائع الزهور في وقائع الدهور – ابن اياس الحنفي

واستمر القاضى “الزيني” بركات بن موسى يشغل وظيفة المحتسب حتى بداية عهد مصطفى باشا أول وال عثمانى لمصر، والذى عزله من الحسبة سنة 1521م، ووضع مكانه أحد أقاربه من العثمانيين، فى بداية «عثمنة وظائف الإدارة الكبرى فى مصر»، بحسب تعبير الدكتورة ليلى عبد اللطيف. واستمر الحال كذلك، حتى عاود المماليك سيطرتهم على الوظائف الإدارية وتسللوا إليها، فأصبح منصب المحتسب يشغله أحد المماليك كمعظم المناصب الإدارية الأخرى.

مصطفى الكاشف.. محتسب أم طاغية؟؟

تولى مصطفى الكاشف الحسبة فى النصف الثانى من عشرينات القرن التاسع عشر، خلفاً لعثمان أغا الوردانى، الذى عزله محمد علي باشا، لأن ما أنزله من عقاب بالمخالفين لم يكن كافياً ولا رادعاً لهم عن أفعالهم، فكان لا بد لهم من شخص يقهرهم ولا يرحمهم ولا يهملهم، فوقع اختيار الباشا على «مصطفى الكاشف كرد» كما يقول الجبرتى، الذى يضيف وصفاً كاشفاً للأسلوب الذى اتبعه المحتسب الجديد للضبط والربط.

«بات يطوف على الباعة ويضرب بالدبوس لأدنى سبب، ويعاقب بقطع شحمة الأذن، فأغلق التجار الحوانيت ومنعوا وجود الأشياء على ما جرت به العادة فى رمضان من عمل الكعك والرقاق وغيره، فلم يلتفت لامتناعهم وغلقهم الحوانيت وزاد فى العسف ولم يرجع عن سعيه واجتهاده، ولازم على السعى والطواف لا ينام ليلاً ونهاراً، لا ينام الليل، بل ينام وقت ما يدركه النوم فى أى مكان ولو على مصطبة حانوت، وأخذ يتفحص على السمن والجبن ونحوه، المخزون فى الحواصل ويخرجه ويدفع ثمنه لأربابه بالسعر المفروض ويوزعه لأرباب الحوانيت، ليبيعوه للناس بزيادة نصف أو نصفين فى كل رطل، وذهب إلى بولاق ومصر القديمة فاستخرج منها سمناً كثيراً (…) وعندما رأى أرباب الحوانيت الجد وعدم الإهمال والتشديد عليهم فتح المغلق منهم حانوته، وأظهروا مخابئهم أمامهم».

عجائب الأثار في التراجم والأخبار – عبد الرحمن الجبرتي

وكان مصطفى الكاشف قاسياً فظاً لا يخضع عقابه لأى قانون، فكان يقطع آذان الرجال إذا خالفوه لأتفه الأسباب. يروى عنه أنه صادف عجوزاً يسرق حميراً تحمل بطيخاً فاستوقفه وسأله عن سعر واحدة منها، فأشار الرجل إلى أذنيه وقد وضع سبابته عليهما، فلم يفهم الكاشف فكرر سؤاله مرات حتى ظن أن الرجل أصم، فقال له العجوز: “يا سيدى اقطعها، لأنى لو قلت لك إن سعر البطيخة عشر فضات ما أعجبك وأمرت بقطع أذنى، ولو قلت لك بخمس فضات لأمرت أيضاً بقطعها، فاقطعها ودعنى أمضِ فى سبيلى”!.. فضحك المحتسب وترك الرجل يمضى. وهكذا أنقذت الفكاهة ذلك العجوز من عقاب المحتسب!..

عقوبات لا حصر لها.. ابتكرها «الكاشف»

ولم يكن قطع الأذن هو العقاب الوحيد الذى ينزله المحتسب بالمخالفين، كانت هناك أشكال أخرى للعقاب، منها مثلاً أنه قطع مرة أوقيتى لحم من جسد أحد الجزارين، لأنه باع لأحد الأشخاص كمية من اللحم وأنقص منها أوقيتين.

وفى عقوبة ثالثة أمر بوضع كنفانى عارياً فوق صينية الكنافة النحاسية التى أخذت تدور به والنار مشتعلة تحتها، لأنه طالب زبائنه بأن يدفعوا أكثر من السعر المحدد، وأبقاه على هذا الحال حتى احترق.

واعتاد أن يعاقب الجزارين بأن يضع فى أنوفهم خطافاً يعلق به قطعة من اللحم للدلالة على جشعهم.

وروى أنه صادف رجلاً يبيع قللاً من سمنود ويدعى أنه قلل قناوى، فما كان منه إلا أن طلب من المارة أن يكسروا القلل فوق رأسه.

لكن ذلك لا يعنى أن المحتسب كان حازماً فى تطبيق العدالة، الحق أنه لم يكن كذلك (!!) فمثلا يروى عن الكاشف أنه طلب من صاحب حمّام شعبى أن يحمم حصانه، فاستغرب الرجل الأمر، وأرسل إلى الكاشف ماء وأدوات الاستحمام ليحمم الحصان فى الإسطبل، لكن ذلك لم يعجب الكاشف، فذهب إليه مع نفر من مساعديه وأمرهم بضربه عارياً على بلاط الحمّام بالعصى حتى مات. ومن العجائب ايضا كما يروي الجبرتي، أن يلقى «حجاج الخضرى» وهو واحد ممن ناصروا محمد على حتى تم تنصيبه والياً على مصر، ويرد اسمه فى كل انتفاضة شعبية ضد جيوش بونابرت والمماليك، حتفه على يد محتسب الوالى الجديد «مصطفى الكاشف»، فقد تم اقتياده إلى الجمالية وشنقه على السبيل المجاورة لحارة المبيضة وقت السحور وتركوه معلقاً يوم بليلة حتى أخذه أهله ودفنوه. يقول الجبرتى عن حجاج الخضرى:

“كان مشهوراً بالشجاعة والإقدام، طويل القامة عظيم الهمّة، وكان شيخاً على طائفة الخضرية، صاحب صولة وكلمة بتلك النواحى ومكارم أخلاق، وهو الذى بنى البوابة بآخر الرميلة، ولم يؤخذ بجرم يوجب شنقه، بل قتل مظلوماً لحقد سابق وزجر لغيره”..

وحينما تطورت نظم ادارة في عهد الخديوي اسماعيل، ألغيت وظيفة المحتسب وحلت محلها ادارة لأحكام السيطرة على الأسواق تابعة لوزارة العدل والتي تطورت بدورها لتصل الى “جهاز حماية المستهلك” وهو الصورة العصرية الاخيرة للمحتسب في مصر.

وعن وظيفة المحتسب صدرت العديد من الأعمال الأدبية اهمها رواية الزيني بركات للكاتب جمال الغيطاني، والتي روت لنا في اسلوب أدبي سلس لايخلو من تشويق واثارة وغموض ومغامرات قصة القاضي بركات بن موسى. نشرها الغيطاني لأول مرة مطلع التسعينات، واعيد نشرها في اكثر من طبعة كما تمت ترجمتها للعديد من اللغات، كما صدرت في صورة عمل درامي يحمل نفس الإسم من انتاج التليفزيون المصري عام 1995.

لو اعجبتك التدوينة واضافت الى معلوماتك التاريخية، لطفا شيرها لأصدقاءك للفائدة، ولا تنسى ان تشارك برأيك في تعليق والأشتراك بحساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي المختلفة الموجودة جانبا.. وشكرا.

مراجع:

الإدارة فى مصر فى العصر العثمانى، ليلى عبد اللطيف أحمد، جامعة عين شمس

المعرفة الموسوعة الحرة، بركات بن موسى

الزيني بركات.. ديكتاتور الحاضر يلبس عمامة الماضي! – موقع بص وطل


شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 20
  • 1
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    21
    Shares
  •  
    21
    Shares
  • 20
  • 1
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاركنا برأيك فيما قرأت!..