القاهرة.. كما شاهدها ووصفها «ابن جُبَير»

الحروب الصليبية مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 8
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    8
    Shares

عنينا فيما مضى بتدوين بعض من مشاهدات الرحالة الذين زاروا مصر في عصور مختلفة، وهي في الواقع مشاهدات هامة تلقي مزيدا من الضوء على فترات من التاريخ المصري وتؤيد أو تناقض بعض الروايات التي ينقلها المؤرخون.. واليوم نكمل التدوين مع رحلات الشاعر والمفكر والجغرافي الأندلسي أبو الحسن محمد بن جبير، وهاننقل ماكتبه المؤرخ ستانلي لين بول في دراسته الرائعة (سيرة القاهرة) عن ابن جبير  .. خليكو معانا..

861280-_sx540_

ولد ابن جبير في الأندلس في مدينة بلنسية Valéncia عام 1145م، وزار مصر في اغسطس عام 1182م وعاصر سقوط دولة الفاطميين وصعود دولة الأيوبيين، رصد الكثير من المشاهدات في القاهرة فمثلا زار المشهد الحسيني ومسجد الشافعي والقرافة والمدرسة الناصرية والتقى بشيوخ وعلماء وتحدث عن القائد صلاح الدين الأيوبي ونشأة الدولة الايوبية، وشاهد قلعة الجبل ولم يكن قد اكتمل بنائها بعد، كما عاين سور القاهرة والخندق والقناطر التي بناها صلاح الدين، وزار أيضا أهرام الجيزة الثلاثة ووصفها، كما وصف مارستان ومسجد أحمد بن طولون وكان قد تحول إلى مأوى للغرباء من المغاربة، ثم أكمل سفره إلى الصعيد وشاهد المدن الواقعة على النيل وخاصة مدينة قوص التي كانت مقصد التجار والمسافرين والحجاج من مصر والمغرب واليمن والهند والحبشة، ثم اتجه إلى عيذاب على البحر الأحمر عبر الصحراء وأكمل رحلته..

11325642_365756463622243_853233712_n.jpg

ومن أبرز مارواه ابن جبير كانت خطبة الجمعة 10 سبتمبر 1171م عندما أبطل الدعاء للخليفة الفاطمي في مساجد القاهرة وتم الدعاء للخليفة العباسي في بغداد، فسطقت الدولة الفاطمية بعد أكثر من قرنين من الزمان يقول ابن جبير:

«وفي جامع الأزهر توجه الواعظ الى المنبر الخشبي ورقي درجاته، وطرق بيده على المنبر حين بدأ في الصعود ليسمعه المصلين، وفي منتصف السلم طرق مرة اخرى وحين صعد واعتدل طرق الطرقة الثالثة وأخد بعده يتلو الدعاء، دعا للصحابة والتابعين وأمهات المؤمنين زوجات النبي محمد والى عميه الكريمين حمزة والعباس وبعد ذلك قام بوعظ بليغ وبحديث مؤثر كان له اعظم الأثر في نفوس سامعيه حتى لانت له اصلب القلوب وذرفت عيون المصلين الدمع السخين، وكان الواعظ يرتدي الملابس السوداء كعادة العباسيين، مشملة سوداء عليها طيلسان من الكتان الأسود يعرفها أهل الأندلس بالحِرام وعمامة سوداء اللون، وكان ممنطقا بسيف مقوس في غمد أسود وكان يقف بين علمين اسودين عليهما دوائر بيضاء كانا مثبتين في الجزء لعلوي من المنبر، وبعد خطبته دعا للخليفة العباسي الناصر لدين الله وللسلطان صلاح الدين يوسف ابن ايوب وأخيه ووريثه ابي بكر والمسمى سيف الدين..»

ولم تدهش تلك الخطبة ذلك لجمهور الذي حضر الصلاه في الجامع الأزهر كعادة اهل القاهرة كما أن أحدا لم يتذمر، فإن الدعوة الشيعية قد بدأت منذ مائتي عام ولكن لم تجد صدى في المصريين، وظلوا على ايمانهم بالمذهب السني سنين طويلة، فلما أبطل السلطان صلاح الدين الدعوة الشيعية ومنع الشيعة من ممارسة طقوسهم عادت الأمور لنصابها كان شيئا لم يكن!.. فتم الأنقلاب ناعما دون خسائر في الأرواح، وتم نشر الدعاة السنّيين في المساجد وعزل القضاة الشيعة وتعيين السنّيين بدلا منهم.

hfsgt

ويحدثنا عبن جبير عن جانب من حياة القائد صلاح الدين أنه لم تستهويه قصور الفاطميين الشرقي والغربي، فتركها لقواده يسكنون فيها، وسكن هو في دار المأمون (مقر اقامة الوزير الأكبر) ووزع كتب المكتبة الثمينة الموجوده بالقصر على القاضي لينتقي منها ماهو صالح من الكتب وأمر باعدام الكثير منها، فاختفت قصور الفاطميين بعد فترة من الوقت وكذا اغلب اثارهم عدا المساجد وبوابات اسوار القاهرة. وعلى الرغم من ان صلاح الدين لم يقم طويلا في القاهرة الا انه ترك فيها اثارا لم يتركها أحد ممن سبقوه، فإليه يرجع الفضل في توسيع رقعة العاصمة وبناء قلعة الجبل للأقامة فيها، وكذا بنى المدارس الشافعية والناصرية بطراز معماري مخالف لطرز المساجد القديمة المعروفة وقتها (وهو نظام جديد على المصريين ادخله السلاجقة في بلادهم سابقا) وبنى قناطر لرفع مياه النيل الى قلعة الجبل (معروفة اليوم بسور مجرى العيون) واعاد بناء السور القديم الذي بناه بدر الدين الجمالي وزاد فيه دفاعات واستحكامات ووسع فيه ليحيط ببقايا مدينة الفسطاط القديمة حتى يحف بالنيل.

800px-David_Roberts_Aqueduct.jpg

وفي الواقع كانت فكرة القلعة فكرة جديدة على المصريين، فربما استوحاها الناصر صلاح الدين من كراهيته لنعيم القصور الفاطمية، أو من الأستحكامات الدفاعية التي اقامها الصليبيين في الشام ومنها قلاع حربية لأقامة النبلاء والأمراء، وكان من الطبيعي ان ينظر صلاح الدين لهضبة المقطم العالية للأشراف على القاهرة كلها، كما فعل بدر الدين الجمالي سابقا في بناء المشهد الجيوشي. واستخدم صلاح الدين الأهرامات القديمة كمحاجر للحصول على كتل الأحجار الضخمة، يروي ابن جبير عن مشاهد استخدامه للأسرى من الصليبيين تقطع الأحجار من اهرامات في جنوب الجيزة، ويقول انها كانت عملية شاقة لاتساويها عملية نقل الأحجار الى موقع العمل بالمقطم، واستخدم الأحجار ايضا في استكمال السور المحيط بالمدينة وبناء قناطر المياة المعروفة، ويوافقه في الرواية المقريزي بقوله: »كان هناك عدد كبير من الأهرامات في منطقة الجيزة، هدمها صلاح الدين بأكملها وأخذ حجارتها ليبنى بها قلعته المعروفة باسمه تحت سفح جبل المقطم، والسور المحيط بالقاهرة، ولم يتبق منها سوى أعظمها والمعروفة حاليًا باسم هرم خوفو، وهرم خفرع، وهرم منقرع، وهي التي لم يقو الزمن ولا صلاح الدين على تدميرها..» – المقريزي، الخطط ج2 ص151

nile-level-at-pyramids.JPG

وعن قناطر المياة يقول ابن جبير: «انه لفخر وعمل خالد يخدم المسلمين، بدأ السلطان يبني سدا عظيما ذا قناطر الى الجهة الغربية من مصر (القاهرة) ويمتد حتى قلعة الجبل في مسافة اقتربت من ستة اميال، وهي اكثر من اربعين قنطرة (فتحة) من الحجم الكبير تمتد في اتجاه الدلتا ويسير بعدها النيل الى الأسكندرية، وهي عمل عجيب لا يفكر فيه الا ملك بعيد النظر بحيث يجعل منها تحصينا قادم لأي عدو ويفي حاجة القلعة من الشراب على نحو دائم..»

E5.jpg

وعن ثورة السودانيين في اواخر العهد الفاطمي قال ابن جبير: «وقبيل موت الخليفة الفاطمي العاضد حدثت ثورة مروعه قامت بها القوات السود، وأذكى نارها الخليفة الفاطمي نفسه، ولم يكن من السهل السيطرة عليها ولا اخمادها دون ضحايا، وفي النهاية استطاع السلطان ان يحتال عليهم ويطردهم الى الخليج، وان يستمر الذبح فيهم أكثر من يومين وحرق المنصورية كلها (الحي الذي كانوا يقطنون فيه) وحولها الى خرابا..»

%d9%83%d9%8a%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d9%86%d8%b4%d8%a3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%b7%d9%85%d9%8a%d8%a9

وعن المشهد الحسيني يقول ابن جبير: «كان المشهد يتاخم قصور الفاطميين العظيمة، وكانت الرأس محفوظة في صندوق من الفضة ومدفونة تحت الأرض. مشيد فوقها بناء عظيم جدرانه موشاه بالديباج من مختلف ألوانه ويحيط به اعمدة ضخمة بها مصابيح بيضاء مضاءة ليلا ونهارا، وشمعدانات من الفضة وجميع الجزء الذي فوق ذلك توجد مصابيح ذهبيه تبهر الأنظار. وفي الأرض كانت قطع الرخام الملونة يفوق جمالها الوصف والى يسار الضريح توجد حجرتان لأستراحة الزائرين،..» وقد رأى ابن جبير نفسه الناس يقبّلون الضريح ويضمونه بأذرعهم ويخرون امامه ساجدين ويتزاحمون فيضعون ايديهم فوق البساط الذي يعلو الضريح ويلفون حوله ويصلون ويبكون ويتضرعون باسم الحسين (رضي الله عنه) ووصفه بأنه أمر غريب يدل على انه لازال هناك بعض من التعصب الشيعي منتشر بين سكان القاهرة..

مشهد الأمام الحسين بالقاهرة.jpg

ويصف ابن جبير القرافة الكبيرة الموجودة جنوب القاهرة، والمدفون فيها الأمام الشافعي، بجوار بعض اضرحة لأل البيت مما بناه الفاطميين، كما شاهد المارستان الموجود بالقاهرة والذي جدده السلطان واعد به مكانا لأقامة الأطباء وخدم المارستان، وذكر ان به اماكن مخصصة للمرضى من النساء واماكن ذا تاقفاص حديدية (لأقامة المجانين) ومن يعتنون بهم.. كما حدثنا عن مسجد الأمير أحمد بن طولون وعن عظمته وطرازه المعماري الفريد، وأنه قد تحول الى مقر اقامة الطلبة المغاربة بالقاهرة، وقد اوقف السلطان عليه ضيعة كبيرة. وعندما زار ابن جبير القاهرة كان بها اربعة جوامع فقط وهي الجامع الأزهر وجامع الحاكم وجامع ابن طولون وجامع عمرو، اما باقي المساجد مثل الأقمر والصالح طلائع وغيرها فقد لحقها الخراب وحجرها العامة واتخذتها الكلاب الضالة ماوى لها منذ موت اصحابها.

f4066b192d.jpg

في تدوينات اخرى نروي ما رواه مزيد من الرحالة عن مصر في ازمان اخرى.. فتابعونا.


شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 8
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    8
    Shares
  •  
    8
    Shares
  • 8
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

2 thoughts on “القاهرة.. كما شاهدها ووصفها «ابن جُبَير»

شاركنا برأيك فيما قرأت!..