الصراع المملوكي العثماني – النهاية

حكايات من خارج مصر مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    7
    Shares

بدأت دولة المماليك في مصر بداية قوية خلال العشر سنوات الأولى من حياتها (للمزيد طالع هنا). بالإضافة لصد هجمات المغول وطرد الصليبيين من الشام ووجود الخليفة العباسي في القاهرة، كل هذا جعلها تعتبر نفسها (حامية مقدسات الأسلام والمسلمين)، وفي عدم وجود منازع فقد احترمها الجميع وأقروا لسلطان مصر بالخضوع والزعامة، ومع تنامي قوة العثمانيين اواسط واواخر القرن الـ15 الميلادي وظهور البرتغاليين على المسرح السياسي، فتراجع الدور المملوكي شيئا فشيئا ونمى العثمانيين كدولة فتية قوية تحاول انتزاع صولجان الزعامة من ايدي سلاطين مصر، كما نمت قوة (الشاة) في فارس (إيران) والتي صارت تفرض نفسها سياسيا ودينيا على المنطقة .. فكيف كان الصدام الأخير؟.. دا موضوع تدوينة اليوم وهانتكلم عن الصراعات بشيء من التفصيل .. خليكو معانا..

بعد هزيمة المماليك أمام البرتغاليين بالقرب من سواحل الهند عام 1509م في عهد السلطان قنصوة الغوري. ظهر المماليك أمام أنفسهم بمظهر العاجز عن القيام بدوره في حماية المقدسات الأسلامية وضمان سلامة الحجاج، في حين ظهرت في فارس دولة جديدة قامت على انقاض دولة الخانات المغول في غرب اسيا وابتلعت امارتين من امارات التركمان في اسيا الصغرى وايران، وجلس على رأسها حاكم قوي في مطلع القرن الـ16 الميلادي، الا وهو الشاة اسماعيل الصفوي، الذي اتخذت اسرته من المذهب الشيعي الأثنا عشري مذهبا رسميا فرضته بالقوة على اهل ايران وعراق العجم والعرب، وأرسلت الدعاة يبثون افكارهم بين الناس في القاهرة واسطنبول بعد احتلالهم لبغداد عام 1508م، كما وصلت قوات الشاة عام 1512م الى مدينة ملطية في امارة ذي القَدَر التركمانية والمشمولة بحماية المماليك، فشعر الأتراك والمماليك بالخطر وبدأوا التحرك.

ومن ناحيتهم كانت دولة المماليك في مصر تعاني انحلالا داخليا ناجم عن انقسام المماليك ومحاربة الأمراء لبعضهم البعض وانعزالهم عن اهل مصر، فعانى المجتمع المصري من فترة عدم استقرار دامت كثيرا، كما كان لنظام الإقطاع الذي كان سائدا في دول السلاجقة وعرفته مصر منذ عهد الأيوبيين دور كبير في زيادة افقار الشعب المصري، بالإضافة الى فساد نظام الحكم ووثوب الأمراء غير مرة على سلطانهم و اغتياله او خلعه ونفيه خارج البلاد، فكان العرش لمن غلب لا وراثيا ولا نظام له. ولجأ المماليك (وخاصة الجِلبان) الى التمرد للحصول على مزيد من الأنعامات والسلطة كما لجأ الحكام الى رفع الضرائب ومصادرات اموال كبار التجار بلا نظام للإنفاق على الحملات العسكرية ومتطلباتهم الشخصية في ظل تمسكهم بمظاهر العزة والبذخ حتى في احلك سنوات القحط، في وقت عجزت الأراضي الزراعية على سد حاجاتهم في المال حتى بعد ان قل نصيب الفلاح من ثلث انتاج الأرض الى الربع وأحيانا اقل من الربع!.. ناهيك عن تحول مسار التجارة العالمي الى سبيل اخر غير مصر والشام في ظل الحصار الذي فرضه البرتغاليون لسنوات طويلة على جنوب البحر الأحمر ومغادرة كثير من التجار الأوروبيين والهنود للبلاد، كل هذه العوامل أدت الى افقار دولة المماليك أكثر وأكثر وتدهور أحوالها.

بركة الفيل

وعلى الرغم من التنافس بين الدولتين، لكن ابن اياس (المؤرخ المعاصر للفترة الزمنية) بيحكي انه لما وصل مصر نبأ وفاة السلطان بايزيد الثاني عام 1512م بكى السلطان الغوري وأمر بإقامة صلاة الغائب عليه في مساجد القاهرة، وتولى من بعده ابنه السلطان سليم الأول والمعروف بالقاطع Yavuz Selim Han والذي كان شابا نشأ نشأة عسكرية مقربة من الإنكشارية فكانت له رغبات توسعية نحو المشرق، فبدأ بالاصطدام بالصفويين في اغسطس عام 1514م في جاليدران وكانت معركة فاصلة هزمهم فيها هزيمة ساحقة رفعت من شأن العثمانيين أكثر أمام العالم الأسلامي وخاصة بعد ان دخل تبريز وقتل اغلب أمراءها ونهب كل خيراتها وحولها الى بلاده. ومن ناحيتهم قابل المماليك في مصر هذا الأنتصار بفتور، لأنهم كانوا يعلمون ان المنتصر من الجانبين سيتحول لقتالهم ، وكان عليهم إن يتخذوا موقفا من ثلاث..

  • إما دعم الشاة في مواجهة العثمانيين، وقد وقفت المذهبية بشكل عام كعقبة أساسية أمام اتمام هذا التحالف وأيضا لتخوف المماليك من ازدياد شأن الشاة وجيشه، فرفضوا التحالف معه حين ارسل سفارة تعرض على الغوري ذلك مطلع عام 1512م.
  • وإما دعم العثمانيين في مواجهة الشاة، ولم يكونوا على وفاق مع العثمانيين وقلقين من تنامي قوتهم يوما بعد يوم فلم يرغبوا في زيادتها بضم قواتهم لهم، فأيضا لم يجيبوا سفارة العثمانيين التي وردت الى القاهرة ربيع عام 1512م تعرض التحالف أمام الشاة.
  • وإما أن يلتزموا الحياد، وهذا ما رأه اغلب الأمراء وماوصل اليه سلطان مصر قنصوة الغوري بعد مشاورات عديدة.

واعتبر السلطان سليم حياد الغوري والمماليك عداءا شخصيا له ولدولته، وإن كان قد ساعده في تركيز جهوده لمحاربة الشاة وحده والأنتصار عليه، فلما عاد من المعركة حدث وأن تحرش بمؤخرة جيشه الأمير علاء الدولة بن ذي القدر وطلب منهم عدم المرور من ارضه واتخاذ طريق اخر، ويختلف المؤرخون في أن الغوري هو من أوعز لعلاء الدولة بذلك، أم أن علاء الدولة قد فعل ذلك من نفسه كمظهر من مظاهر السيادة. أيا كان فقد حملها السلطان سليم ضد الغوري، وذلك عندما ارسل الغوري سفارة الى اسطنبول نهاية عام 1514م تهنئ السلطان سليم بانتصاره على الفرس وتعرض ان يتوسط الغوري في الصلح مع الشاة والأتفاق على ترسيم حدود بين الدول الثلاث بشكل يرضي الجميع. فأساء سليم مقابلة وفد الغوري وأغلظ لهم القول، وذكرهم بتحرش قوات علاء الدولة بجيشه ورفض الغوري الأنضمام لحلفه لمحابة “الشيعة أعداء الأسلام” ورفض هدايا السلطان المرسلة معهم وطردهم من مجلسه!..

وفي ربيع عام 1515م وردت انباء للقاهرة تفيد انتصار العثمانيين على جيش امارة ذي القدر  وقتل الأمير علاء الدولة في ساحة القتال وضم أملاك الأمارة للدولة العثمانية، فتأكدت نية العثمانيين في التحرك نحو القاهرة، فيسطر جو محموم على المدينتين، ففي اسطنبول اتهم العثمانيين المماليك بخيانة الجهاد ضد اعداء الأسلام من الفرنجة في اوروبا وضد الشيعة (الشاة)، وفي القاهرة اتهم المماليك سلطان العثمانيين بأنه بمعاداته لحكام مصر “حماة الأسلام ومقدساته ونواب خليفة المسلمين” قد حاد عن الدين الحنيف والسنة الشريفة!.. وتحولت المدينتين الى ملجأ سياسي لكل من يغضب من سلطانه، فاستفاد سليم كثيرا بمن لجأوا اليه من المماليك لتهيئة الجو لتقبُّل غزوه لمصر فيذكر المؤرخين الأتراك ان المماليك المارقين كتبوا كتابا عن لسان أهل مصر يدعو السلطان سليم لتخليصهم من نير ظلم الحكام المماليك، في حين لم تكن استفادة الغوري بمن مرق من العثمانيين على الوجه الأكمل.

ويهمّ السلطان قنصوة الغوري الى الشام لتفقد احوال الدولة والتأهب للقاء ابن عثمان (كما هو معروف في كتابات ابن اياس) ويرسل له السلطان سليم سفارة تدعوه للدخول في طاعته وتسليم البلاد دون قتال، فيرفض الغوري ويسيء معاملة سفير ابن عثمان ويستعد للقاء العثمانيين وهو كاره للحرب لعلمه اليقين انه لن يكسبها لضعف قواته وكثرة الخونة بين قواده وتردي شعبيته (للمزيد طالع هنا) فيذكر ابن اياس انه بسبب تعسف امراء الشام تحولت اغلب مدنها الى تأييد ابن عثمان والترحيب بقدومه وتعالت اصوات الكراهية ضد المماليك وأمراءهم، وكانت نهاية الغوري المأساوية في مرج دابق في اغسطس 1516م، ليتولى من بعده ابن أخيه طومان باي والذي لم يكن أحسن حظا منه، وقد احاط نفسه بقبيل من الخونة فكانت نهايته المأساوية معلقا على باب زويلة عام 1517م (للمزيد طالع هنا) وبسقوط القاهرة ثار العامة في الإسكندرية ومدن وجه بحري ضد حامية المماليك في قلعة قايتباي، كما جاء اليها شريف مكه وحاكم برقة يعلنان الخضوع للسلطان سليم والدخول طواعية في حكم الدولة العثمانية، كما قبل الخليفة العباسي المتوكل على الله ان يتنازل للسلطان العثماني عن الخلافة لتكون له ولأبنائه من بعده، فيصبح السلطان سليم (ملك البرين وخاقان البحرين وكاسر الجيشين وخادم الحرمين الشريفين) وتنضم الى  أملاك دولته منطقة شرق الأناضول وبلاد الأكراد وعراق العرب والشام والحجاز ومصر حتى النوبة وبرقة وشمال افريقية (تونس والجزائر).

حدود العثمانيين نهاية عهد السلطان سليم

ويبدأ العثمانيون عهدا جديدا من الزعامة في منطقة الشرق الأوسط ويقبل المماليك في مصر بهذه السيادة شريطة الاحتفاظ ببعض الأمتيازات لهم وتلك خيانة ولاشك تجاه الشعب والبلاد. ونتحدث تباعا عن مصر خلال العهد العثماني وكيف سارت الأمور بها خلال تلك الفترة الطويلة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، فتابعونا..

المراجع:

  • ابن اياس الحنفي، بدائع الزهور ج4 وج5، الهيئة العامة للكتاب 1982
  • محمد سهيل طقوش، تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام، دار النفائس بيروت 1997
  • سامي بن عبد الله المغلوث، أطلس تاريخ العصر المملوكي، مكتبة العبيكان 2013

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    7
    Shares
  •  
    7
    Shares
  • 7
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

1 thought on “الصراع المملوكي العثماني – النهاية

شاركنا برأيك فيما قرأت!..