الشيخ نابليون.. وتنامي الشعور الوطني في مصر

حكايات من خارج مصر عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 23
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    23
    Shares

«أيها المصريون.. قولوا للمفترين أنني ماجئت اليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وأنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه والقرآن العظيم.. »، بالكلمات دي، واللي اعترف الچنرال نابليون بونابرت نفسه بأنها (.. دجل من أعلى طراز)، دخل القائد الفرنسي الطموح على المصريين وكل ظنه انه هايضحك عليهم وياخدهم كلهم في صفه!.. وبالذات لما لبس العِمّة والجلابية واحتفل معاهم بالمولد النبوي الشريف.. مايعرفش ان كل دا أحيا الروح الوطنية عند المصريين بعد ماكانت ماتت من مئات السنين، واللي تجلت صورتها الكبرى في ثورة القاهرة الأولى والثانية ايام الأحتلال الفرنسي.. تعالوا نشوف..

نابليون يحتفل بالمولد النبوي الشريف

مكانتش الحملة الفرنسية على مصر تحمل الصبغة الصليبية اللي كانت معروفة في القرون الوسطى بقدر ما كانت تحمل الصبغة الإستعمارية اللي عرفتها أوروبا ابتداءا من القرن 16، فنابليون اللي جاء من بلاده على رأس 36 الف عسكري غير الجنرالات والقادة والعلماء والمستشرقين وغيرهم، جاء كمان باسم الثورة الفرنسية المناهضة للدين والمنادية بالعلمانية واللي كانت بتواجه السلطة الدينية للكنيسة بنفس العنف اللي واجهت بيه طبقة النبلاء والأقطاعيين!.. وقبل مايغزو نابليون بجيوشه ارض مصر، اجتاح شمال ايطاليا وحارب جيوش البابا وانتزع منها رقعة كبيرة أقام عليها أول جمهورية ايطالية حديثة على مبادئ الثورة الفرنسية، كمان دخل بقواته جزيرة مالطة وحارب حكامها من فرسان القديس يوحنا الأورشليمي (اخر بقايا قوات فرسان المعبد الصليبيية). نابليون كان فاكر انه لما يقول المصريين الحاجات دي هايفرحوا بيه ويحترموه وهايعرف يضحك عليهم ويلعب بعواطفهم الدينية ويظهر قدامهم بصورة المنتقم الجبار اللي خرب الكرسي الباباوي وأهان صاحبه (.. الذي كان يحض النصارى على محاربة المسلمين)!.. ويستخف نابليون بعقول المصريين أكتر وأكتر لما يبدأ منشوره بعبارة «بسم الله الرحمن الرحيم، لا اله الا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه..» لمَّا عرف انها عبارة مقدسة عند المسلمين تجبر اي واحد على استكمال القراءة والأقتناع بالمكتوب!..

حقيقة الأمر، وأحد اهم الأسباب اللي دفعت بحكومة الديركتوار (الإدارة) في فرنسا الى ارسال نابليون في حملة لبلاد بعيدة، هي ابعاده عن مسرح الأحداث في فرنسا بعد الأنتصارات اللي حققها في النمسا ولومبارديا فخلت نجمه في السما، وكان مرشح للعرش بعد اغتيال اغلب قادة الثورة الفرنسية الأوائل في حملات تصفية ارهابية!.. هوا كمان حس ان “التفاحة” لسة ماستوتش وعايزة فترة كمان قبل مايقطفها!.. فوافق، بل تحمّس، لحملة مصر بغرض تحقيق مزيد من الأنتصارات والمجد اللي هاتخلي “التفاحة” تطيب وتستوى وتقع لوحدها في حِجره بدون مجهود. ولآنه كان معجب بشخصية الأسكندر الأكبر ودايما كان قدامه مثل أعلى، فكان بيتطلع الى تكوين امبراطورية فرنسية في الشرق تحمل حضارة فرنسا وجوهرها مع الروح الشرقية العريقة، يقدر بيها انه يضرب بريطانيا (خصم فرنسا اللدود) في مستعمراتها بالهند، زي ما الأسكندر أسس زمان امبراطوريته الهلينستية على ارض مصر ووصل بيها لحدود فارس والهند. فكانت غاية أمال نابليون انه ينجح في الأستيلاء على مصر والتغلغل في كل شبر فيها بهدوء وبدون مايضطر لإرتكاب مذابح تفسد العلاقة الودية اللي حاول ينسج خيوطها بمنشوره الأول (طالع نص المنشور من هنا).

Leon_Cogniet_-_L_Expedition_D_Egypte_Sous_Les_Ordres_De_Bonaparte.jpg

ونطرح سؤال: هل اقتنع المصريين بمنشور نابليون وصدقوا اللي فيه؟.. هل صدقوه لما لبس العِمّة والجلابية وراح مع الدراويش في حلقة الذكر يهز راسه يمين وشمال ويقول: «الله حي»!!؟.. مجرى الأحداث واللي كتبوه المؤرخين بكل صراحة ووضوح بيقول انه ماحدش من المصريين صدق الكلام دا، والكل كان لسان حاله بيقول: «إلعب غيرها ياجنرال»!.. وتجلى الرفض في انقى صوره بثورتين عظيمتين قالوا لنابليون بكل وضوح: «أخرج انت وجنودك من بلادنا، احنا مش مصدقين انك صديق وبتحب المسلمين!» ، وبيقول المؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي ان خروج اهل مصر عن بكرة ابيهم للثورة على الفرنسيس اصدق تعبير على تشككهم في افكار ووعود بونابرته وتملقه للإسلام وطعنه في دينه، فمن الطبيعي والمفهوم والمقبول انه يكون متحيزا لدينه معتزا له، لا طاعنا فيه مهينا لرموزه، فالمجتمع المصري مجتمع متدين يحترم من هو منتميا الى دين وليس خارجا عنه رافضا لمقدساته. وبيؤيده المؤرخ الكبير صلاح العقاد وبيقول ان القضية بالنسبة للمصريين كانت مش مجرد موقف ديني وبس، بل اختلاف حضارات وعادات وتقاليد جعل من الصعب عليهم تصديق حيل نابليون، وبالذات لما قال لهم انه حارب البابا وأطاح بهيبة كنيسة روما!.. يعني اذا كنت عملت كدا في الناس اللي على دينك، يبقا اللي مش على دينك هاتعمل فيهم ايه؟

N01601_10.jpg

حتى الجنرالات والظباط من قواد نابليون كمان كانوا بيسخروا (بينهم وبين بعض طبعا) من كلامه ومنشوراته للمصريين!.. بيقول الأميرال چوبير في تقرير لوزير البحرية الفرنسية تعليقا على منشور نابليون للمصريين: “لعلكم في باريس تضحكون الأن حين تقرأون هذا المنشور الأسلامي الذي أصرَّ القائد العام على صياغته بنفسه، ولم يعبأ بكل سخريتنا بهذا الهذيان.. ” (!!) وشهد شاهد من أهلها.. الراجل بيقول على منشور القائد العام بتاعه انه (هذيان)!.. ونابليون نفسه بعد الهزيمة والنفي في سانت هيلانة، ولما قعد يسترجع ذكرياته اعترف بإن المنشور بتاعه للمصريين كان نوع من «الدّجل».. ولكنه (دجلا من اعلى طراز..)!!.. ويندهش الظابط اللي كان بيحاوره ويسجل مذكراته، فيقول نابليون: «على الأنسان ان يصنع الدجل في هذه الدنيا، لأنه السبيل الوحيد للنجاح..»!!

2335f8ec40af5cad70c0eef9b43abffc.jpg

وبعيدا عن نابليون نسأل سؤال تاني: ايه اللي باعد المصريين وبين بلادهم وخلاهم عايشين فيها كالغرباء، كله بيتمنى لقمة ياكلها وبيت يأويه .. وكان يصبر على الشدائد وظلم الحكام ويحمد ربنا انه لسه على قيد الحياة ليوم كمان..؟ عمرنا ماسمعنا طوال فترة حكم العرب أو الفاطميين أو الأيوبيين أو المماليك والعثمانيين الأتراك، ان المصريين ثاروا وطالبوا حكامهم بالكف عن الظلم أو طالبوا بحقهم في حكم بلادهم!.. طيب ايه كان مفهوم الحرية بالنسبة لهم؟.. وبيجيب على التساؤلات دي الأستاذ عبد الرحمن الرافعي المؤرخ الكبير وبيقول ان المصريين انعزلوا لفترة كبيرة عن العالم الخارجي تحت حكم المماليك والعثمانيين، وان حكامهم ساعدوا على زيادة الأنعزالية دي بقِصَر التعليم في مصر على العلم الشرعي فقط، ووأد حركة العلوم الأنسانية واغلاق المدارس ايام العثمانيين في حين كانت اوروبا كلها بتمر بنهضة حضارية كبيرة وضعت اساسها بالكتب اللي ترجموها المستشرقين عن العرب في القرون الوسطى. كمان كان ابعاد المصريين عن الجندية والترقي في المناصب العسكرية وقصرها على المرتزقة والمماليك، كل دا ساهم في زيادة إبعاد المصريين عن الأمور السياسية. فلما جاء الفرنسيين لمصر وسمع المصريين منهم أفكار ثورتهم المنادية بالحرية والعدالة والمساواه تنامى عندهم الشعور الوطني خلال القرن 19 وتجلَّى في اوضح صورة في ثورة 1919 وانتخاب اول رئيس وزراء وأول برلمان من عموم المصريين!..

a890ed559e8b8e7f133ef2a38cca5743.jpg

ولكن بيختلف معاه الأستاذ حسين مؤنس وبيحذرنا من الأسراف في التقدير بتنامي الشعور القومي عند المصريين في الوقت دا، لأن مفهوم الحرية والأستقلالية عن المصريين في اواخر القرن 18 وأوائل 19 ماكنتش أكتر من المطالبة برفع المظالم لدى الحكام الأتراك أو المماليك والفرنسيين من بعدهم، وتخفيف الضرايب شوية.. مش أكتر من كدا!.. كمان وصول افكار الثورة الفرنسية للمصريين كان بعد ماراح المصريين في بعثات علمية لأوروبا ورجعوا لبلدهم بنهضة تعليمية في اواسط وأواخر القرن 19 مش ايام الحملة نفسها زي الرافعي مابيقول. وعشان نكون منصفين ومانفهمش طبيعة العقل المصري في الوقت دا غلط، لازم الأول ندرك اختلاف المفاهيم ومانحاسبش الناس اللي عاشت في القرون الوسطى بمفاهيم القرن العشرين!.. فمثلا لو تأملنا سلوك السيد عمر مكرم واللي حمل لواء الثورة على الفرنسيين بدءا من معركة امبابة الى خروجهم من مصر، وانتهى به المطاف الى تزعم حركة تولية محمد علي باشا (الجندي الألباني) واليا على مصر والضغط على السلطان للموافقة به!..

ثورة الشعب على خورشيد باشا لتعيين محمد علي.jpg

وكمان الشيخ عبد الله الشرقاوي (شيخ الجامع الأزهر) لما طلب منه الجنرال ديبويه حاكم القاهرة في الديوان انتخاب مصري لتعيينه (كتخدا) أو نائب الحاكم، فيرد الشرقاوي بإن السوقة والعامة في مصر لا تهاب الا الأتراك فقط!.. ورغم استغراب ديبويه من كلام الشيخ الا انه بيتم تعيين برطلمين (فرط الرمان) كتخدا عليهم !!.. فاللي عمله عمر مكرم أو اللي قاله الشرقاوي أو غيره كان متفق مع روح العصر وأفكاره واللي كانت لا ترى الأمان الا في ظلال السلطان (الحكام الأتراك) ولا تتصور الأنفصال عنهم، ويكون كل اللي بتترجاه منه ان بس يرفع المظالم شوية ويعفو أو يخفض بعض الضرائب!.. حتى الوجهاء والأعيان (الناس الأغنيا اللي معاهم فلوس وجاه وثروة) ماحدش فيهم طموحه أخده انه يوصل لحكم البلاد أو انه حتى شاف أو فكر إنه ممكن يصلح لكدا، فانحصر كل طموحه انه يتقرب للأمراء والباشا والسلطان ويمنحهم الهدايا الثمينة عشان ينال منهم العطف والرعاية، عشان بس يحمي تجارته أو املاكه من ان حد يصادرها أو يعتدي عليها. (وكذلك عملوا مع الفرنسيين) وبالتالي كانت العامة بدورها بتتطلع اليه هوا شخصيا في انه يقصد الوالي أو أحد المماليك لرفع الظلم عنهم أو كف ايدي العسكر عن السلب والنهب في الشوارع والمنازل!..

كل دا كان نتيجة لوضع سياسي اتعود عليه الشعب المصري من مئات السنين، في ظل حكومات تعاقبت على تنميته وازدهاره، فأضعفت ثقة المصري بنفسه وغمّت عينيه عن ابسط حقوقه.. حق العيش الكريم!.. فعمر مكرم أو الشرقاوي أو غيرهم كان يبرر أمام نفسه والناس ان الحكم مشقة ومسئولية يُسأل عنها الحاكم أمام الله عز وجل يوم القيامة لو قصّر فيها، فيجب على المرء انه يبعد عنها قدر المستطاع ويتركها للأجانب طلاب السلطة دون أن يكون له دور حتى في اختيارهم!.. ويكون كل دوره هو المساعدة والنصح، وكان اللي عملوه زعماء الشعب مع محمد علي باشا في رأي كتير من المؤرخين تطور للحركة الوطنية ومفهوم الحكم في نفوس الشعب باختيار الحاكم وفرض شروطهم عليه بعد ماكان بيُفرَض عليهم من الأستانة!.. ولكن مع الأسف كان مصيرهم المعروف نتكلم فيه بالتفصيل في تدوينات اخرى لاحقة.. فتابعونا..

التدوينة مطروحة للنقاش، برجاء اكتب لنا في تعليق اسفل التدوينة أو على احد حساباتنا على مواقع التواصل الأجتماعي، مارأيك في اراء المؤرخين عن مفهوم الحرية وتنامي الشعور الوطني عند الشعب المصري؟.. منتظرين الرد.. وشكرا.

مراجع

  • جمال بدوي، مصر من نافذة التاريخ، الهيئة العامة للكتاب 1995
  • عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم في مصر ج1، دار المعارف 1987
  • عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الأثار في التراجم والأخبار، دار الكتب المصرية 1988

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 23
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    23
    Shares
  •  
    23
    Shares
  • 23
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

1 thought on “الشيخ نابليون.. وتنامي الشعور الوطني في مصر

شاركنا برأيك فيما قرأت!..