الشيخ «صادومة».. ونهاية مستحقة

مصر الأسلامية
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 19
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    19
    Shares

عاش المجتمع المصري اواخر العصر العثماني اسوأ فترات حياته الثقافية والعلمية، فانحطت الأخلاق واندثرت العلوم وتفشى الجهل وانتشرت الخزعبلات وخيم الركود على الأفهام والعقول، وحتى في الأمور الفقهية والشرعية فقد العلماء روح الأبتكار والتجديد وتجمدوا في اطار التقليد والنقل عن السلف!.. انطفأت شعلة العلم اللي حملها المسلمين قرونا طويلة في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة واشتهر الدجل والتنجيم وتسخير الجن وعمل الأحجبة.. في الوقت اللي كانت اوروبا فيه بتتقدم بسرعة البرق كل قرن أو عِقد من الزمن وأحيانا كل عام، فمن ايطاليا في القرن 15 الى فرنسا في اواخر القرن 18 تباعد الفرق بين الأوروبيين والشعوب التانية اللي عاشت بعيد عن تيار النهضة، حتى فاجأتهم حملة نابليون فأيقظتهم من غفلتهم الكبيرة، ونقلتهم، بدون قصد منها، من ظلام العصور الوسطى الى عتبات العصر الحديث!..

mashriq

ومع الأسف كان حظ المصريين من ركام الدجل عالي جدا، ساعد على انتشاره حكام العصور دي بعدم تشجيعهم للتعليم، وفي نفس الوقت انتشر الدجالين والمشعوذين في كل انحاء البلاد يفرضون سيطرتهم ويتحكمون في مصيرهم عن طريق الخرافات!.. والشعب مصدق الخرافات دي لأنه ببعده عن التعليم فقد القدرة على التمييز بين الحق والضلال، وبيحكي الجبرتي عن واقعة مريرة حدثت في الوقت دا ان أحد الدجالين توصل الى معرفة موعد يوم القيامة عن طريق النجوم، وحدد لهم موعده بالظبط!.. واختلف رد فعل الناس حسب مواقفهم الخلقية، فمنهم من انكب على العبادة والتوبة والأبتهال الى الله، ومنهم من انغمس في العبث والمجون ليستمتعوا بالساعات القليلة اللي فاضلة في الدنيا الفانية!.. فلما مر الموعد المحدد من غير مايحصل حاجة، فخرج عليهم ان كبار اولياء الله الصالحين تشفعوا عن الله عز وجل (حاشا لله عما يقولون) انه يؤجل يوم القيامة ليمهل الناس لمزيد من العمل الصالح، وانه قبل شفاعتهم!..

5201619134117790

والغريبة ان الناس صدقت التخاريف دي ونقرا سوا اللي كتبه الجبرتي تحت عنوان (من الحوادث الغريبة عام 1147ه):

«في يوم الجمعة رابع عشر منه أشيع في الناس ببر مصر ان القيامة قائمة يوم الجمعة سادس عشر من ذي الحجة، وفشا هذا الكلام في الناس قاطبة حتى القرى والأرياف، وودع الناس بعضهم بعضا، كان الأنسان يقول لرفيقه بقي من عمرنا يومان (!) وخرج الكثير من الناس (المماليك) والمخاليع (الفاسقين) الى الغيطان والمنتزهات ويقول لبعضهم بعضا دعونا نعمل حظا (يقصد الهلس يعني) ونودع الدنيا قبل ان تقوم القيامة، وطلع اهل الجيزة نساءا ورجالا .. وصاروا يغتسلون في البحر (النيل). ومن الناس من علاه الحزن وداخله الهم، ومنهم من صار يتوب عن ذنوبه ويدعو ويبتهل ويصلي، واعتقدوا ذلك ووقع صدقه في نفوسهم.. ومن قال خلاف ذلك وقال لهم هذا كذب لا يلتفتون له ويقولون بل صحيح (!).. وقاله فلان اليهودي وفلان القبطي (يقصد ان الكل صدق كدا) وقاله الشيخ فلان من يعلم السحر والزاجورات (التنجيم) ولا يكذب في شيء، وقد سبق وأخبر فلان عن خروج الريح في يوم كذا أو مطر السماء يوم كذا وقد كان. فكان المملوك يذهب الى أميره ويقول له احبسنى الى يوم الجمعة وان لم تقم القيامة فاقتلني أو نحو ذلك من وساوسهم. وكثر فيهم الهرج والمرج الى يوم الجمعة المذكور فلم يقع شيء وأصبح يوم السبت فانتقلوا يقولون ان فلان العالم قال لهم ان سيدي أحمد البدوي والدسوقي والشافعي (وكانوا أمواتا ايامها) قد تشفعوا في ذلك وقبل الله شفاعتهم، فيقول الآخر اللهم انفعنا بهم فإننا يا أخي لم نشبع من الدنيا ومازلنا شارعون نعمل حظا.. ونحو ذلك من الهذيان.. »

وطبعا لم يرد اسماء الأولياء من البدوي او الدسوقي في الكلام دا كدا اعتباطا، ولكن بقصد التلاعب بعقول الناس وايهامهم بسطوة الأولياء وقدرتهم على التحكم في مصير الكون والتدخل عند الله لتأجيل ميعاد يوم القيامة!.. فما بالك بمصائر الغلابة من بني البشر!.. وطبعا كانت خيوط المؤامرة في ايدي الأفاقين من أدعياء التصوف الكاذب وتظاهروا بالتقشف والزهد، وكانوا بيمشوا في الشارع يقولوا كلام غريب مش مفهوم وفي الأخر يقولوا: «حيّ..»!!.. وبكدا راجت الأباطيل والخدع، وانتشرت القصص عن الشيخ فلان اللي له جناحين وطار بهم حول العالم في غمضة عين، أو عن الشيخ فلان اللي من اهل الخطوة اللي بيروح يصلي العصر في الحرم المكي والمغرب في القدس والعشاء في الجامع الأزهر!.. وبيحكي الجبرتي عن واحد اسمه الشيخ محمود الكردي اشاع انه كثيرا ما يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ووصفه للناس وصفا دقيقا، وقال انه مرة من المرات قال له يا محمود اني أحبك وأحب من يحبك.. وقال لأتباعه: من أحبني دخل الجنة ومن عصاني دخل النار!!..

وكان الجبرتي بيحكي الكلام دا وهوا مش مصدقه وكمان مستغرب من تفشيه بين الناس، لأنه عالم متدين ولد في أحضان التصوف ويعرف قدر الأولياء وأنهم ماكانوا الا رجالا صالحين عاشوا في زمن ماضي وانتهى امرهم بوفاتهم، وهو وغيره يتعلمون من تدارس سيرتهم وعلمهم واقوالهم ولا يغالي فيما هو اعلى ذلك. ونلاقيه في كتير من كتاباته يتأسى على ان الناس الدجالين دي سيطروا على عقول العامة، بل امتد تأثيرهم لبعض العلماء والمشايخ!!.. وبيستشهد بقصة الشيخ صادومة كنموذج للدجالين والمفسدين في الأرض واللي كانت نهايته نهاية مستحقة.. بيقول الجبرتي عن الشيخ صادومة:

«.. وكان شيخا مسنا ذا شيبة وهيبة، وأصله من سمنود، وله شهرة عظيمة وباع طويل في الروحانيات وتحريك الجمادات وكشف الحجب ومخاطبة الجن شفاهة وقراءة الغيب.. وكان من اتباعه الشيخ حسن الكفراوي مفتي الشافعية (يعني شيخ له وزنه وعلمه مش دجال) والذي قال ان الشيخ صادومة من الأولياء وأرباب الأحوال والمكاشفات وراح يروج لسيرته عند الأمراء، فكانت نهايته على يد يوسف بك الكبير (احد امراء المماليك) وقد كان من اشد الناقمين على الدجل والباطل، فحدث انه قد اختلى يوما الى احدى جواريه فاكتشف وجود كتابات غريبة على مكمن عفتها (تقريبا يعني كانت عاملة تاتوه في منطقة حساسة) فأصابه الذهول وسأل الجارية عمن احدث بها هذا وهددها بالقتل فأقرت بأنه الشيخ صادومة وقد قصدته بغرض ان يحبّبها الى سيدها، فما كان من الأمير الا ان ارتدى ملابسه واستل سيفه وقصد الشيخ وصار يضرب فيه حتى مات، ونبش داره فأخرج ادوات السحر والتنجيم وتماثيل مخزية وصار يلوح بها في الهواء ويصيح في الناس شايفين أفعال المشايخ.. »

large-2652852573273906656

مراجع

  • جمال بدوي، مصر من نافذة التاريخ، الهيئة العامة للكتاب 1995
  • عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم في مصر ج1، دار المعارف 1987
  • عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الأثار في التراجم والأخبار، دار الكتب المصرية 1988

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 19
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    19
    Shares
  •  
    19
    Shares
  • 19
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

2 thoughts on “الشيخ «صادومة».. ونهاية مستحقة

شاركنا برأيك فيما قرأت!..