الحملة العسكرية على السودان 1820م

حكايات من خارج مصر عصر النهضة المصري
شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 14
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    14
    Shares

أحد أهم الجهات اللي أخضعها محمد علي باشا طوال مدة حكمه هي السودان، واللي ظلت تابعة للحكم المصري طيلة 130 سنة تقريبا، النهاردا هانتكلم بالتفصيل عن الحملة العسكرية المصرية على السودان وازاي اخضعت بلاد ماحدش كان يعرف عنها امور كتير في الوقت دا.. خليكو معانا..

محمد علي باشا والي مصر

السودان جزء لا يتجزأ من مصر

قبل عام 1952م كان الفكر السائد سياسيا وفكريا (حتى بين بعض المؤرخين) في مصر هو أن «السودان جزء لا يتجزأ عن مصر» رغم أنه أبدا ماكان تابعا للأدارة المصرية في اي حقبة من الحقب القديمة، ففي العصر الفرعوني الثالث (الدولة الحديثة) ورغم وصول جيوش الملك تحوتموس العظيم للشلال الرابع، ألا أنها كانت لا تتعدى مناطق نفوذ كبعد استراتيجي للمحافظة على حدود مصر الجنوبية عند الشلال الثاني جنوب «أبوسمبل» (للمزيد طالع هنا) وفي عصر الدولة الأخشيدية جلبت جيوش محمد بن طغج الأخشيد عديد من خيرات السودان والحبشة كريش النعام والعاج والصمغ والإبل وجلود الحيوانات والعبيد، وتكونت كتيبة كبيرة في الجيش الإخشيدي من السودانيين والأحباش، ومثلهم كان الفاطميون دون وجود سياسي أو عسكري لأي من الحكومات أو الإدارات المصرية في بلاد السودان، ولعل ذلك يرجع لأنهم كانوا يحصلون على مايريدون من خيرات دون ادنى اعتراض أو مقاومة من الأهالي أو الممالك الكثيرة المتفرقة في انحاء السودان (سنار وكردفان ودارفور والفونج.. الخ)، ناهيك عن طقس السودان الحار المليء بالأمراض والغير مناسب لمعيشة المصريين، فعلام يتطلب ارسال قوات عسكرية؟..

b0b0005c1b5d302f482.jpg

دوافع محمد علي لغزو السودان

وفي العصر المملوكي أو العثماني كانت أسوان هي أخر مدينة على الحدود المصرية من الجنوب وبعدها بلاد النوبة التي لم تكن تخضع لحكومات القاهرة الا بشكل صوري وليس في كل الأوقات!.. وفي عهد محمد علي كان ما دفعه الى غزو بلاد السودان هو:

  1. السيطرة على منابع النيل كنوع من الأمن القومي.
  2. محاربة فلول المماليك اللاجئين في اقليم دنقلة.
  3. السيطرة على مزيد من مواني البحر الأحمر (مصوع وسواكن) لحماية طرق التجارة.
  4. تجنيد السودانيين في الجيش المصري الجديد الذي ينوي تنشئته وتكوينه (للمزيد طالع هنا).
  5. بالإضافة للحصول على بعض الخيرات التي ذكرها كثير من الرحالة والمغامرين (اهمها الذهب) في جنوب السودان ومنابع النيل الأزرق لتعويض بعض ماخسرته الدولة في حروب الحجاز.

وكانت رغبة محمد علي باشا بضم السودان ترجع لعام 1810 حيث ارسل اكثر من بعثة استكشافية هناك أهمهم بعثة مسيو كافو 1816 وبعثة الكولونيل سيڤ (سليمان باشا الفرنساوي) 1817 (للمزيد طالع هنا) ولولا طلب السلطان العثماني منه تجريد الحملة على بلاد الحجاز لكانت السودان وجهته الأولى!.. ولكن في عام 1820 وبعد استئذان السلطان محمود الثاني، ارسل محمد علي باشا حملة عسكرية من 5000 جندي من الأتراك والأرناؤوط والدلاة بقيادة ابنه اسماعيل كامل باشا ومعهم 13 مدفع بقيادة كولونيل إنجليزي، غير 1500 من فرسان العربان (مرتزقة)، وخرجت في شهر اغسطس (مستغلين موسم الفيضان) من بولاق ناحية الجنوب حتى وصلت دنقلة، فهرب منها المماليك وهناك خرج عليهم السودانيون وجردوهم من اسلحتهم وسلبوهم مامعهم فتشتتوا وانقطع دابرهم، وكان السودانيون يظنون ان الجيش المصري سيعود بعد تشتيت المماليك ولكن في 4 نوفمبر 1820 دارت اولى معارك الجيش المصري ضد الشايقية (اهالي السودان) ورغم بسالتهم فانهزموا أمام نيران بنادق ومدافع الجيش المصري، فأوقف اسماعيل باشا القتال وعرض عليهم الإنضمام للجيش المصري واستجاب الشايقية وأقسموا على الطاعة وظلوا على ولاءهم على مدى السنين.

وانحدر اسماعيل باشا بجنوده نحو «بربر» ووصلها في 10 مارس 1821م فقدم ملكها فروض الولاء والطاعة فأقره اسماعيل على ملكه، واتجه الى «شندي» وقابل ملكها المَك نمر والذي قدم الولاء ايضا، وتابع زحفه جنوبا حتى «أم درمان» وعند التقاء النيل الأبيض بالنيل الأزرق عسكر الجنود قرب محلة صغيرة تحتوي عشرة بيوت من الخوص، وبني بعدها مدينة «الخرطوم» وصارت عاصمة لإقليم السودان ومقر الحكم المصري به. واستكمل اسماعيل باشا الزحف لإخضاع باقي مملكة سنار، وفي 12 يونيو 1821 دخلت الجيوش المصرية «سنار» العاصمة ودانت له البلاد من جنوب وادي حلفا لسنار. في نفس الوقت تحرك محمد بك الدفتردار بجيش أخر احتل الأبيض في ابريل 1821 وأخضع كامل مملكة كردفان بعد معركة كبيرة، ابدى فيها جيش كردفان شجاعة عظيمة، ولكن مدافع الجيش المصري غلبتهم على امرهم، وقد حاول ملك دارفور بعد المعركة ان يسترد كردفان بقوات كبيرة وبالفعل اغار عليها لكنه قوات الدفتردار فتحت على قواته نيران بلا رحمة فعاد خائبا.

معاناة الجيش المصري في السودان

واشتركت الأمراض في مقاومة القوات المصرية مع قوات كردفان وسنار نظرا لأختلاف الطقس وحرارة الجو وانتشار الأمراض في شتى ربوع البلاد، فمات من الجنود مايزيد عن 600 شخص قبل سبتمبر 1821، ثم زادوا الى 1500 في أكتوبر غير 2000 مريض!.. فأرسل اسماعيل لأبيه يشكو اليه سوء الحال، فقال:

«وكانت حالة الجنود من جهة المأكل والملبس وقلة العناية بهم تدعو الى الاشفاق ، فقد كانوا ياكلون نوعا رديئا من الذرة يضر بصحتهم، ثم ان ملابسهم بليت فلم يجدوا ما يقيهم جو تلك الاصقاع ورطوبتها وكثرة امطارها، وكانوا اذا ناموا يفترشون الارض فتصيبهم رطوبتها، ولم يكن بالجيش اطباء ولا ادوية، فكثر عدد المرضى وفشت العدوى واشتدت وطأة الامراض بالجنود في سنار حتى لم يبق لدينا من العسكر الصالحين للخدمة سوى خمسمائة.. » – الرافعي، عصر محمد علي

وارسل محمد علي باشا ابنه ابراهيم باشا (بطل الحجاز) على رأس بعثة تحمل الملابس والمؤن والأطباء والأدوية العديدة، فانتعش الجنود ودب فيهم الأمل من جديد، واخذ ابراهيم باشا يدبر مع اخيه اسماعيل خطة فتح ما بقى من السودان، فأقتسما الزحف كل منهما في ناحية وانقسمت الجنود الى فرقتين، فراح اسماعيل باشا نحو البلاد الواقعة على النيل الازرق حتى اقليم فازوغلي في يناير 1822 وأخضع ملكها الملك حسن، وراح ابراهيم باشا ليخترق جزيرة سنار الى بلاد الدنكا على النيل الابيض ويمد فتوحات مصر الى اعالي النيل في الجنوب.

مذبحة سنار 1822

وظهرت بوادر الثورة في بلاد السودان ضد الجنود الأرناؤوط نظرا لخشونة معاملتهم للسودانيين في شندي وسنار، فأمر اسماعيل باشا بإحضار «المَك نمر» ملك شندي وأغلظ له القول بشأن الثورة، وطلب منه تقديم بعض الشباب لإرسالهم الى مصر للتجنيد في الجيش المصري ولطمه على وجهه بالشوبك (الغليون)، وأظهر الملك نمر أنه قد ابتلع الأهانة وقدم لإسماعيل باشا هدية قيمة لأسترضاؤه ووعده بتوفير الرجال في اقرب فرصه، ولكنه اسرها في نفسه وعزم على الأنتقام!.. فدعاه هو وحاشيته الى وليمة كبيرة في قصره، وذهب اسماعيل وبطانته ونفر قليل من حرسه، ورحب بهم الملك ترحيبا عظيما، وسرا امر اعوانه ان يجمعوا ما استطاعوا من الحطب والقش والتبن حول القصر وفرغ الضيوف من طعامهم واكثروا من الشراب فسكروا بينما أضرم الملك النار في اكوام الحطب والقش المحيطة بالقصر ففي دقائق تحول القصر إلى شعلة من الجحيم، والتهمت النيران اسماعيل باشا وحاشيته، في حين انقض رجال الملك على الحامية المصرية بشندي وفتكوا بها، وهرب منهم نفر قليل، وكان ذلك في أكتوبر عام 1822. ووصل نبأ الفاجعة لمحمد علي باشا في القاهرة، فحزن حزنا شديدا خاصة بعد فقده ابنه الأكبر طوسون بأعوام قليلة، ومن ناحيته تحرك محمد باشا الدفتردار من كردفان الى شندي في ديسمبر 1822 فخربها وأحدث فيها مذبحة شنيعة اسرف في التنكيل والقسوة (وهو مشهور بها) فقتل آلافا من المدنيين ثأرا لحرق اسماعيل باشا صهره، وسبى من الصبيان والنساء آلافا أخرى ارسلهم رقيقا الى القاهرة، ولكنه لم يدرك المَك نمر لفراره الى حدود الحبشة.

revolt-began-against-the-British-in-Chhattisgarh-1471246302.jpg

وبعد استتباب الأمر في كامل ربوع السودان، أوكل حكمها الى «حكمدار عام السودان» وهو يجمل السلطة المدنية والعسكرية ويكون تعيينه من والي مصر شخصيا (بعد ذلك صار تابعا لوزير الداخلية)، ولبعد المسافة وصعوبة المواصلات صار الحكمدار مطلق الصلاحيات يقطن مدينة الخرطوم وتقسمت البلاد الى سبع مديريات دنقلة ، وبربر، والخرطوم، وكردفان، وكسله، وسنار، وفازوغلي. وبه حامية بلغت عام 1843 حوالي 15 الف جندي، ورغم فشل تجنيد السودانيين في الجيش المصري (تجربة بني عدي عام 1824) ألا انهم انتظموا في الخدمة بعد ذلك وكانت أغلب اماكن خدمتهم في كافة ارجاء بلادهم الى جانب المصريين، تظلهم راية واحدة ويدينون بالولاء للقاهرة حتى بعد معاهدة لندن 1841 وتقلص أملاك محمد علي باشا، ظلت السودان تحت الحكم المصري حتى عهد ثورة 1952 فتم الإستفتاء على انفصال السودان عن القطر المصري في عام 1954 ووافق السودانيين على الأستقلال لتقوم جمهورية السودان المستقلة بعد خروج الإحتلال البريطاني من سائر البلاد.

مصر تحمل الحضارة للسودان

وقد زار محمد علي باشا السودان في أكتوبر 1838 لتفقد انحاءها ومتابعة الأدارة فيها وللبحث عن الذهب، وخلال زيارته أمر بإلغاء تجارة الرقيق لما رآه من فظاعة النخاسين (تجار الرقيق) وما يرتكبونه من القسوة في جلب الارقاء رجالا ونساءا وترحيلهم الى مصر وباقي البلاد، وانفذ ارسلا يعلنون هذا الامر في جميع البلاد ويتوعد النخاسين بأشد العقاب، ولكن ورغم هذه الاوامر بقى الاتجار بالرقيق على حاله ذائعا الى ان ابطله الخديوي اسماعيل اواسط القرن التاسع عشر. وعلى مدار سنوات طوال أدخل المصريون كثير من وسائل الحضارة في السودان، بدءا من نشر الأمان في ربوع البلاد فصار التجار المصريين والأوروبيين يتنقلون بحرية في كافة ارجاء الوادي أمنين على انفسهم وأموالهم، وأنشأوا العديد من الطرق الممهدة، وانتظم البريد فوق ظهور الجمال وفي المراكب في النيل والبحر الأحمر، كما ادخل المصريون في السودان الزراعات الحديثة والعديد من المحاصيل كالقمح والخضر والفاكهة المختلفة أنواعها كالبرتقال واليوسفي والليمون والرمان والعنب، ونسقوا الحدائق الغناء. وبنوا العديد من المدن الجديدة كالخرطوم وغيرها، وارسلوا العديد من الرحلات الأستكشافية الجغرافية لأكتشاف منابع النيل والحياة في الغابات والأحراش والبحث عن المعادن.

مراجع:

  • عبد الرحمن الرافعي، عصر محمد علي، دار المعارف 1987
  • جورج يانج، تاريخ مصر من عهد المماليك الى نهاية حكم اسماعيل – تعريب علي أحمد شكري، مكتبة مدبولي 1996
  • د. عبد الرحمن زكي، التاريخ الحربي لعصر محمد علي باشا الكبير، الهيئة العامة للكتاب 1950

شارك التدوينة مع اصحابك بكل الحب..!
  • 14
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    14
    Shares
  •  
    14
    Shares
  • 14
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

1 thought on “الحملة العسكرية على السودان 1820م

شاركنا برأيك فيما قرأت!..